الحوار (الذات .. والآخر)

عبد الستار إبراهيم الهيتي

صفحة جزء
الأقليات الإسلامية والحوار مع (الآخر)

تمثل الأقليات الإسلامية في دول العالم المختلفة نسبة لا يستهان بها من المسلمين الذين يدينون بهذا الدين، ولذلك فهم جزء من هـذه الأمة، تجد نفسها مضطرة للتعامل مع مجتمعات تختلف معها في المعتقد والحضارة والتفكير، وتتباين معها في السلوك والتصرفات الأمر الذي يجعلها أكثر حاجة إلى التفاعل الحضاري والحوار مع (الآخر) الذي وجدت نفسها وسط بيئته وكيانه.

ولا بد من الإشـارة هـنا إلى جملة من الحقائق صاحبت نشوء ظاهرة الأقليات الإسلامية في العصر الحديث، أبرزها:

1 - إن السبب الأساس لنشوء ظاهرة الأقليات الإسلامية كان مرتبطا بالهجرة من البلاد الإسلامية إلى مختلف أقطار العالم، وبخاصة إلى أوربا وأمريكا وكندا وأستراليا ، حيث وصل المهاجرون من المسلمين إلى تلك البلدان وهم يحملون ثقافتهم وحضارتهم وعاداتهم وتقاليدهم ليجدوا أنفسهم وسط مجتمعات لها دياناتها ولغاتها وثقافاتها، ولها أنماط حياة وأساليب معيشة خاصة بها تختلف عما ألفوه ونشـئوا عليه في بلدانهم الأصلية.

2 - إن الأفواج الأولى من المهاجرين المسلمين كان يغلب عليها الطابع الشعبي حيث كان البحث عن موارد الرزق هـو الدافع الأكبر على تلك الهجرات الأولى، الأمر الذي جعل أغلب تلك الأفواج تنصهر مع المجتمعات الجديدة التي وفدوا عليها، إلا أنه مع مرور الزمن وبفعل التحولات الدولية الحديثة حصل تغير في نوعية المهاجرين من البلاد الإسلامية إلى الغرب، حيث أخذت أفواج المتعلمين والدارسين وأصحاب الكفاءات الثقافية والعلمية والمهارات المهنية المتميزة تغلب على ظاهرة المهاجرين المسلمين، مما أدى إلى ظهور أوضاع جديدة وبروز مشكلات [ ص: 158 ] متنوعة شعر المسلمون في المهجر بوطأتها وصاروا يتطلعون إلى إيجاد حلول لها حتى يستطيعوا التوفيق بين هـويتهم وثقافتهم وبين المحيط الاجتماعي والبيئة الثقافية والمناخ العام الذي وجدوا أنفسهم يعيشون فيه.

3- إن انتشار الإسلام في الدول غير الإسلامية عن طريق إقبال أهل الأديان الأخرى على اعتناقه بعد وصول أفواج المهاجرين من المسلمين إليهم كان سببا آخر من أسباب نشوء ظاهرة الأقليات الإسلامية وتزايد أعدادهم، الأمر الذي دعا مجددا إلى ضرورة صياغة برنامج جديد لمعالجة أوضاع المسلمين الجدد وتحديد علاقاتهم مع طبيعة المجتمعات التي نشأوا فيها.

ومن خلال ما تقدم يتضح لنا أن الأقليات الإسلامية هـي إحدى الفئات التالية



>[1] :

1 - مسلمون ينتسبون إلى دول غير إسلامية بالأصل والمواطنة، مثل مسـلمي الهند والصين والفلبين المقيمين في أوطانهم الأصلية، وهؤلاء جزء لا يتجزأ من شعوبهم، لهم من الحقوق وعليهم من الواجبات مثل ما على مواطني تلك الدول.

2 - مسلمون يقيمون في دول غير إسلامية ويخضعون لأحكام القانون المحلي لتلك الدول أمثال المسلمين من الدول العربية والإسلامية الذين يهاجرون إلى شتى بلدان العالم.

ومهما يكن من أمر فإن هـؤلاء الذين يمثلون الأقليات الإسلامية بحاجة إلى الاهتمام بأوضاعهم العامة باعتبارهم جزءا من حركة اليقظة الشاملة التي سادت أرجاء العالم، فنتج عنها تزايد مستمر ومتواصل من المسلمين الذين يعتنقون هـذا الدين ويلتزمون بأحكامه وشريعته. [ ص: 159 ] ولا بد من الإشـارة هـنا إلى أن عـددا من الأقليات الإسلامية في بعض البلدان الأوربية والأمريكية استطاعت أن تكتسـب كيانا قانونيا يوفر لها إمكانية الاندماج في المجتمعات التي وفدت إليها بما لا يفقدها خصوصيتها الثـقافية ولا يؤثر في تركيبتها الاجتماعية، الأمر الذي جعلها تسـتطيع التعايش والحـوار مع مختلف الفئات الاجتماعية، كما وفر لها فرصا من التعامل المتكافئ مع الظروف المحيطة بها، ولكن هـذا الأمر لا ينطبق على الأغلبية الساحقة من تلك الأقليات المقيمة في مختلف أقطار العالم التي تتهدد هـويتها الثقافية مجموعة من المشكلات والضغوط التي أملتها طبيعة التباين في المعتقد والمنهج والتفكير، ولذلك فإن المحافظة على تلك الهوية الثقافية تتطلب جملة من المعطيات تتمثل فيما يلي:

1 - إن تلك الأقليات الإسلامية المقيمة في مختلف الأقطار تحتاج إلى أن نتعهدها بالرعاية الكاملة، تربويا وثقافيا وأخلاقيا وفكري ا، حتى تبقى هـذه الأقليات في منأى عن المؤثرات الضاغطة التي تهدد الوجود المعنوي لها وتضعف فيها المناعة الثقافية والأخلاقية، فتصبح فريسة الضياع والانحراف والتيه.

2 – لا بد لتلك الأقليات من أن تتمتع بسلامة العقيدة والفكر وقوة التمسك بالأخلاق والقيم، لأن الجماعات الإسـلامية خارج العالم الإسـلامي كلما كانت متماسـكة عقائـديا وأخلاقـيا كان ذلك أقـرب إلى التأثير الإيجابي في البيئة والمحيط الذي تعيش فيه، أما إذا ضعف كيانهم بسبب غياب الوعي الديني فإن ذلك سيؤدي إلى انسحابهم من ميدان التفاعل الحضاري وعدم مقدرتهم على التأثير بالمجتمعات المحيطة بهم.

3 - إن العلاقة بين الأقليات الإسـلامية والمجتمعات من حولها ينبغي أن تقوم على أسـاس من القيم الإسلامية التي تصنع الفرد والجماعة، وتجعل [ ص: 160 ] من المسلم عضوا فاعلا ومؤثرا في محيطـه وبيئته التي يعيش فيها، يتفاعل مع ما يسـود المجتمع من أفكار ومواقف، ويستوعب كل ما يجري من حوله بعين فاحصة وعقل مدبر وفكر نير.

إن الأقليات الإسـلامية مطالبة بأن ترتقي إلى مستوى المسـئولية في التعامل والتجاوب والتحاور مع المجتمعات المحيطة بها، وذلك بأن يكون لها حضور متميز في ميادين العمل العام، وأن تعطي صورة حقيقية للمسلم الذي يقدم الخير والفضيلة للمجتمع الذي يعيش فيه، بحيث لا يكون إنسانا انعزاليا سـلبي ا، ولكن تلك المشاركة يجب أن تكون ضمن حدود الأحكام الشرعية بحيث لا تلغي فيها خصوصيته الإسلامية فيضيع وسط التيار المادي الجارف عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا )



>[2] .

ولا شك أن الأقليات الإسلامية إذا ما وفقت في إقامة علاقات ثقافية مثمرة مع المجتمعات التي تندمج فيها وتتعايش معها، فإنها ستحقق لنفسها ولدينها فوائد كثيرة، من أبرزها: تقوية الروابط الإنسانية التي ترسخ الوجود الإسلامي في البلدان غير الإسلامية، وتساهم في إبراز الصورة الحقيقية للإسلام، وتعمل على تصحيح ما يروج ضده من مغالطات وافتراءات لدى الشـعوب غير المسـلمة، كما أن تلك العلاقات ستكون دعوة مفتوحة [ ص: 161 ] يتم من خلالها تبليغ الرسـالة الإسلامية إلى العالم بلغة مفهومة ومنطق مقنع وأسـلوب جذاب، من دون إخلال بجوهر العقيدة أو بأصل من أصول الدين الحنيف.

وكل هـذه الجهود الخيرة تتطلب التصرف الحسن والفهم الرشيد لمقتضيات العمل الثقافي في قنواته المتعددة، وإن ثقل المسئولية في هـذا الجانب إنما يقع على عاتق منظمات العالم الإسلامي ومؤسساته الدعوية والمعنية بالعمل الثقافي؛ لأن الأقليات الإسلامية في حاجة شديدة إلى أن تقف تلك المنظمات إلى جانبها وتدعمها وتقدم لها الخدمات التربوية والعلمية والثقافية، وتوفر لها المساندة والمؤازرة في كافة الميادين؛ لأن نجاح الأقليات الإسلامية في حماية هـويتها والمحافظة على عقيدتها يخدم في نهاية المطاف المصالح العليا للأمة الإسلامية.

وبناء على هـذه المعطيات، التي أشرنا إليها، يجب أن يكون شكل الحوار وطبيعته بين الأقليات الإسـلامية وبين مختلف الشـرائح والفـئات الاجتماعية والفكـرية والسياسية التي تتعامل معها وتعيش في كنفها، لتثبت وجودها وحضورها داخل تلك المجتمعات، ولتستفيد من الفرص التي يتيحها الحوار والتواصل والتفاعل في خدمة مصالحها وتحقيق حياة أفضل لها.

التالي السابق


الخدمات العلمية