صفحة جزء
- التوليد بالاشتقاق

اللغة العربية متميزة في عراقتها وقدراتها الفريدة كلغة «اشتقاقية» من الطراز الأول، ففيها من وسائل «الاشتقاق» والقياس مرونة ومطاوعة وسيطرة على المعاني ما يجعلها من أدق اللغات وأصلحها للتعابير والمفاهيم المختلفة.

في دارسة حول إمكانات «الاشتقاق» في اللغة العربية، يذكر الأستاذ حسن حسين فهمي >[1] خمسة عشر صيغة للفعل - نعرف منها فعل، وأفعل، وفعل، وفاعل، واستفعل، وافعل، وافعال، وافعوعل، وافعول، وانفعل، [ ص: 108 ] وافتعل، وتفعل، وتفاعل، وفعلل، وتفعلل- وكل منها له معنى مختلف. فمن «كتب أو حضر» - لفعل حدث، نقول: اكتب وكتب، أو أحضر وحضر للتعدية، وكاتب وتكاتب للمشاركة، وحاضر وتحضر فيما يتعلق بالمحاضرة والحضارة، واستكتب واستحضر للطلب، وأحيانا للصيرورة كما في استحجر، واكتتب للمساهمة، وانكتب للمطاوعة، وتكتب للمبالغة؛ هـذا عدا عن صيغها للمجهول، مثل كتب وأحضر واكتتب واحتضر.. إلخ، مما لو أردت ترجمته إلى لغة أجنبية لاقتضى أداؤه جملة كاملة في عدة كلمات.

ومن كل صيغة من صيغ الفعل هـذه يمكن اشتقاق مصادر بأوزان متعددة: فعل، ومفعل، وفعولية، ومفعولية، ومفعالية، ومفعلية؛ وصفات بأشكال متعددة: فعيل، وفعول، وفعل؛ واسم آلة بأوزان متعددة: مفعل، ومفعلة، ومفعال، وفاعول، وفعالة، وفاعولة.

بالإضافة إلى اسم الفاعل، واسم المفعول، واسم المرة، واسم الهيئة، واسم الزمان، واسم المكان، واسم التفصيل، واسم المهنة، عدا عشرات الأوزان اللامصنفة في اللغة.

فاللغة العربية لغة «اشتقاقية» من الدرجة الأولى - وهي إلى حد إلصاقية أيضا، فالزيادات بالهمز، أو التضعيف، أو ألف المشاركة، أو ياء النسبة، هـي في الواقع اشتقاقات إلصاقية بدئية أو وسطية أو إلحاقية؛ كما إنا نلحـظ تقبلا متزايدا لإلحاقات منفصلة معقولة من نوع التركيب، مثل: فوق بنفسـجي، أو فوق سمعي، وتحت تربي، ولا سـلكي، وعبر فضائي، وما ورائي... إلخ. [ ص: 109 ]

واللغة العربية بجذورها التي تقارب الستة آلاف >[2] لن تعدم مطلقا فيضا من الألفاظ لتغطية مختلف المصطلحات. أضف إلى ذلك أن إمكانية «الاشتقاق» تقع أيضا على غير الجذور العربية؛ فقديما قالوا: زوق بالزاووق (الزئبق) ، وتزندق من الزندقة؛ فقلنا نحن قياسا: أكسج، وهدرج، وكبرت، وغلفن، وكهرب، وغيرها كثير.

قديما وحديثا، اختلف النحويون حول قياسية القياس، فارتأى فريق منهم التوسع فيه لمنح اللغة قوة وقدرة على مجاراة المستحدثات العلمية والحضارة المتسارعة، بينما ربطه فريق آخر بالسماع. ونحن نميل إلى الأخذ بالرأي الأول، رأي المدرسة الكوفية.

التالي السابق


الخدمات العلمية