عولمة الجريمة (رؤية إسلامية في الوقاية)

الأستاذ الدكتور / محمد شلال العاني

صفحة جزء
المطلب الثاني: دور الزكاة في تحقيق الوقاية من الجريمة

تعد الزكاة كما بينا من أهم وسائل التكافل المادي في الإسلام، لما تتضمنه من مبادئ أخلاقية وإنسانية وتربوية واقتصادية، ولما لها من آثار إيجابية على حياة الفرد والمجتمع في آن واحد، فالزكاة إذا ما أحسن تطبيق أحكامها ومبادئها بدقة كانت بحق أهم مؤسسة للضمان الاجتماعي والتأمين الاقتصادي، بالنظر لما تمثله من مشروع دائم العطاء لإغاثة الفقراء [ ص: 119 ] والمحتاجين ورعاية مصالحهم والاهتمام بشئونهم، باعتبار الزكاة ركنا من أركان الإسلام، وعبادة مفروضة على كل مكلف في كل زمان ومكان إلى ما شاء الله، لذلك فهي تمثل أهم مؤسسة إنسانية اجتماعية اقتصادية أخلاقية روحية تربوية في المجتمع الإسلامي.

ويمكن إيجاز بعض آثارها الإيجابية بما يأتي:

1- أنها تطهر نفس المزكي من دنس البخل والطمع والقسوة والطغيان على الفقراء البائسين، وما يتصل بذلك من الرذائل كالزهو والعجب والفخر والتفاخر والسخرية والاستهزاء؛ لأنها بأجمعها أخلاق رديئة مذمومة شرعا باعتبارها مصدرا للسلوك الإجرامي.. كما أنها تزكي نفسه، أي تنميها وترتقي بها إلى المكان اللائق بها كنفس إنسانية ومؤمنة وبذلك تكون أهلا للسعادة الدنيوية والأخروية، وهذا هـو العلاج الصحيح لقضية المال شقيق النفس الذي قد يطغى الإنسان في حبه له على أهله وذويه ومجتمعه، وبهذا تبدو حكمة الزكاة في جعل المال لخدمة مالكه، وتوفير السعادة له وللمجتمع الذي يعيش فيه.. إنه علاج ناجع لأنه يتوافق مع هـدف الشريعة الغراء والفطرة الإنسانية السليمة والعقل والمنطق، بينما فشلت كل الأنظمة والنظريات الاقتصادية الوضعية من جعل علاقة الإنسان بالمال بهذه الصورة الجميلة التي يبدو فيها المال زينة الحياة الدنيا ووسيلة من وسائل الفلاح في الآخرة، قال تعالى: ( ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا ) ) (الكهف:46). [ ص: 120 ]

2- أن الزكاة تسد حاجة الفقير والمحتاج بأسلوب أخلاقي بعيد عن المن، الذي يؤذي النفس الإنسانية، ويخدش الكرامة؛ لأن المن يجسد الغل والحقد وهما سبيل الجريمة، وفي ذلك عصمة للفقير من اللجوء إلى الوسائل غير المشروعة لسد حاجته كالسرقة والرشوة والاختلاس وغير ذلك من الجرائم التي تحقق رغبته وتروي دواعي نفسه؛ لأن مراعاة الجانب النفسي للفقير من شأنها أن تشعر الفقير بآدميته وكرامته ومن ثم يزول الحقد من قلبه على الإغنياء والاعتداء على ممتلكاتهم، كوسيلة يشفي بها الفقير غليله ويزيل بؤسه وشقاءه ويحقق انتقامه.

3- أن تطبيق الزكاة تطبيقا سليما يفضي إلى تقوية الروابط بين الغني والفقير، فبدلا من أن يتمنى زوال نعمة الغني يتمنى دوامها وزيادتها، وذلك لأنه سيشعر بأن حقه من المال سيزداد كلما زادت ثروة الغني، إذ تعتبر الزكاة، كما وصفها الله تعالى، حقا معلوما للفقير من أموال الغني الموسر، قال تعالى: ( ( والذين في أموالهم حق معلوم ) ( للسائل والمحروم ) ) (المعارج:24-25).

ولهذا الشعور تأثير كبير وعجيب على نفسية الفقير، فبدلا من أن يحقد على الغني ويعتدي عليه شفاء لغليله، كما ذكرنا، فإنه يحرص على التقارب مع الغني وتوثيق الصلة معه، وهذا عامل مهم من عوامل الوقاية من السلوك الإجرامي، إذ أن من آثار هـذا الحب تنقية القلب من الأمراض التي تؤثر على نقاوته وطهارته، فالقلب إذا بقي نقيا طاهرا فإن سلوك الإنسان يكون طاهرا [ ص: 121 ] مثله، لأن السلوك الإنساني في حقيقته ما هـو إلا تعبير صادق عن سجايا النفس وخلجاتها الداخلية، لذا يمكن الاستدلال على سلامة القلب بتطابق الظاهر مع الباطن، كما روي في الحديث: ( ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ولكن هـو: ما وقر في القلب وصدقه العمل ) >[1] ، أما الاختلاف فهو مؤشر على أن هـذه النطفة النقية الطاهرة قد تلوثت وأحاطتها غشاوة حجبت نقاوتها بحيث إن صاحبها لم يعد يفرق بين الحق والباطل وبين الخير والشر، بحيث ينظر إلى الشر فيحسبه خيرا، وينظر إلى الباطل فيحسبه حقا، مصداقا لقوله تعالى: ( ( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون ) ( وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ) ( ألا إنهم هـم المفسدون ولكن لا يشعرون ) ) (البقرة:10-12).

لذا فإن السلوك الإجرامي ينشأ من الخطأ في التصور، والوهم في التفكير الذي يؤدي إلى قلب الحقائق، وما الظاهرة الإجرامية في المجتمع إلا نتيجة لإصابة مجموعة من أفراده بهذا المرض الخطير، الذي ينتج عنه انحراف في التفكير واضطراب في النفس يؤدي إلى اقتراف السلوك الإجرامي، دون شعور وإحساس بالخطيئة من مقترفه لقناعته بأن ما يقوم به هـو عمل مباح ومشروع. [ ص: 122 ]

4- أن الأمور التي تحقق السلوك الإجرامي في المجتمع هـي التفاوت الطبقي البغيض بين طبقة الأغنياء وطبقة الفقراء، والحكمة من تشريع الزكاة هـو معالجة هـذا الداء العضال، فبفضل أداء الزكاة يهبط الغني بطبقته باتجاه طبقة الفقير، وفي الوقت نفسه يرتفع الفقير من طبقته باتجاه مستوى طبقة الغني، وبتكرار ذلك وبصورة منتظمة سنويا يتحقق التقارب بين الطبقتين.. وبناء على ذلك، فإن الزكاة كما يراها الفقهاء، رحمهم الله، لا تلبي حاجة محدودة فحسب، وإنما يفضل أن تغني الفقير عن المسألة طول حياته، ولهذا قال الفقهاء: إن إعطاء الزكاة لفقير واحد تلبي جميع حاجاته أفضل من إعطائها لمجموعة من الفقراء لا تسد حاجة كل واحد منهم.

وعلى الرغم من ذلك يبقى التفـاوت الطبقي، فالله سـبحانه وتعالى لم يسـو بين الناس في قدراتهم، ليحتاج بعضهم إلى بعضهم، قال تعالى: ( ( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون ) ) (النحل:71).. إن الرزق يتضمن القدرات التي أسبغها الله على عباده واستجابة الناس لهذه القدرات، إذ أن هـذا التفاوت غير مختص بالمال بل هـو حاصل في التفاوت في الذكاء والعقل والصحة، ولو كانوا جميعا على نحو واحد لاستغنى كل عن كل، ولما استقامت الحياة مقصداقا لقوله صلى الله عليه وسلم : ( اعملوا، فكل ميسر لما خلق له ) >[2] . [ ص: 123 ]

لهذا يمكن القول: إن الزكاة أمر مهم يستوجب القيام به وتطبيقه، وذلك يفسره موقف أبي بكر الصديق ، رضي الله عنه من مانعي الزكاة، فإنه كان يتسم بالحسم والجرأة، ويحمل في طياته دلالات عظيمة تتجسد فيها أروع صور الحكمة، فهي أول دعوة في الأرض تعلن الحرب من أجل الفقراء دفاعا عن حقوقهم، وقد أثمر هـذا الموقف من سيدنا الصديق، وحقق نتائجه الإيجابية، إذ أرغم المرتدين على الالتزام بأداء الزكاة كما كانوا يؤدونها من قبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لذلك ينبغي أن تلقى هـذه المبادرة كل التقدير من قبل كل موضوعي ومنصف يتبنى قضية الفقراء والمحتاجين والدفاع عن حقوقهم ومصالحهم بإخلاص.

أخرج البخاري ، رحمه الله، ( عن أبي هـريرة ، رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ) فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه.. فقال عمر: فو الله ما هـو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق. ) >[3] [ ص: 124 ]

وقد ثمن الفقهاء موقف أبي بكر، هـذا على نحـو ما ذكره ابن العربي: بل جعل أبو بكر كتاب الله بين عينيه وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، والقرآن يستنير به والسياسة تمهد سبيلها، وصدق أبو بكر، إذ قال لعمر حين تعلق بحديث رسـول الله صلى الله عليه وسلم : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قـالوا لا إلـه إلا الله عصـموا مني دمـاءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ) >[4] إذ أن المقصود (بحقها) أداء الزكاة حق المال، فالصلاة تحقن الدم والزكاة تعصم المال. >[5]

وقد أفضى موقف أبي بكر الصـديق إلى كسـب الدولة ثقة الناس بها والتزامهم بأوامرها ونواهيها، هـذا من وجه، ومن وجه آخر ما أضحى المال دولة بين الأغنياء بل فاض حق المساكين والفقراء، حتى لم يجدوا في عصر الخليفة عمر بن عبد العزيز من يستحق الزكاة، بسبب التكافل الاقتصادي الذي حققته الزكاة، فلم يقف دور الزكاة عند حد المستحقين لها بل شملت المدينين العاجزين عن إيفاء ديونهم، حيث أبريت ذممهم، كما تم طرح الجزية عن الذميين، وتزويج كل شاب قادر على الزواج يمنعه المال من تحقيق ذلك، وتم منح القادرين على العمل المال اللازم لإنشاء المشاريع الصناعية والزراعية.. فأي نظام اقتصادي في العالم قادر أن يحقق مثل هـذا التكافل في فترة زمنية قياسية ورقعة مكانية واسعة؟ [ ص: 125 ]

5- ويمكن للزكاة أن تساهم في حل المشاكل الاقتصادية لغير الفقراء والمساكين، فيمكن أن تخصص أموال الزكاة للتاجر الذي يخسر في غير معصية فيعطى منها ما يستطيع به استعادة توازنه الاقتصادي، ويعطى لصاحب الحرفة ما يتمكن به ن أن يمارس حرفته، كما يمكن أن تعطى لمن تحمل كفالة أو التزاما ماليا بسبب إصلاحه بين الناس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الصدقة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش؛ ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك؛ ورجل أصابته فاقة حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجا من قومه قد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش ) >[6] ، وغير هـؤلاء ممن يرى المسئولون عن أموال الزكاة استحقاقهم لها، كي يتحقق التكافل الاقتصادي بين أبناء المجتمع الإسلامي كافة، بما يحقق لأفراده الأمن والطمأنينة، ويسد عليهم الوسائل المفضية إلى الرذيلة والشر والجريمة بسبب الفاقة والحرمان والمعاناة، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة:

( ( لإيلاف قريش ) ( إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ) ( فليعبدوا رب هـذا البيت ) ( الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ) ) (قريش:1-4)، وما أشار إليه الحديث النبوي الشريف: ( من أصبح منكم [ ص: 126 ] آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا ) >[7] .

6- ثبت نجاح الزكاة في زيادة معدلات نمو النشاط الاقتصادي، وحل مشكلات العصر الاقتصادية والمحاسبية، التي فشلت كل النظريات والفلسفات والأنظمة الاقتصادية الوضعية في حلها، وأثرها واضح في تعبئة موارد المجتمع، فهي تحرك الاقتصاد، وتزيد من حجم العمل ومستويات دخول العمال، وتنشط الأموال الراكدة المدخرة، نظرا لما تتميز به من وعاء واسع يدخل في كل مال نام أو قابل للنمو، فالزكاة لا تنقص الأموال وإنما تأكل مال البخيل الخامل والمحتكر والمعطل للخير من أن يعم نفعه نفسه ومجتمعه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما نقص مال عبد من صدقة ) >[8] ، وهذا ما انتهى إليه اليوم علماء الاقتصاد إذ قرروا أن وعاء الزكاة يرتبط بالنشاط الاقتصادي، إذ أن معظمه يتكون من الدخل الناتج أو المتولد من استخدام عناصر الإنتاج المتاحة في المجتمع، لذا فإن من خصائص الزكاة أنها لا تأكل وعاءها بل على العكس تزيد من معدلات نمو النشاط الاقتصادي القائم في المجتمع، لذا فإن حصيلة [ ص: 127 ] الزكاة تنمو وتتزايد مع نمو النشاط الاقتصادي >[9] ، الذي يمثل التحدي الكبير للأنظمة السياسية على اختلاف فلسفاتها وتوجهاتها.

هذه لمحة مختصرة وعاجلة عن الدور الذي تلعبه الزكاة في تحقيق التكافل الاجتماعي وأثر ذلك في تحصين الفرد ووقايته من الانحراف، باعتبار أن الزكاة أهم نموذج للتكافل الاقتصادي في الإسلام، هـذا النموذج الذي أوحى الله تبارك وتعالى به إلى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم باللفظ والمعنى حين أرسله رحمة للعالمين كافة، إذ أرسله الله رحمة للذين استضعفوا في الأرض لقلة المال كالفقراء والمساكين، فكفل للفقراء والمساكين حقوقهم في أموال الأغنياء بالزكاة والصدقات والكفارات، وضمن العز للذليل غريبا أو ضعيفا بالعدل، ويسر الحرية للرقيق بالعتق والعطاء، وأعطى للأسير فرصة للنجاة بالمن والفداء، وضمن كرامة الضعيف الغريب بالضيافة والزكاة، وتكفل للمرأة حتى جعلها ملء السمع والبصر لحسن القوامة وحقيقة المساواة وضمان الإنفاق والإعالة. [ ص: 128 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية