التقنيات الحديثة (فوائد وأضرار) (دراسة للتأثيرات السلبية على صحة الفرد)

الأستاذ الدكتور / شعاع اليوسف

صفحة جزء
نماذج لتأثير التقنيات على التماسك الأسري:

1- الجوال ودوره المباشر في التفكك الأسري

في هـذا العصر يختصر الجوال المسافات البعيدة والقريبة أيضا! فقد يظل الفرد من الأسرة قابعا في غرفته الخاصة ويحادث الفرد الآخر بالجوال ! هـكذا ينقطع التواصل الحميم بين أفراد الأسرة وتختفي تلك النظرات المؤثرة ليحل مكانها الصراخ والشجار حول من سيدفع تلك الفواتير الطويلة الباهظة الثمن. وفي منظور آخر أكدت دراسة حديثة بأن الرسائل الموجهة عبر الهواتف النقالة قد أضافت سببا جديدا لأسباب الطلاق في دولة الإمارات العربية المتحدة ، التي تعاني أصلا من ارتفاع نسبة الطلاق. ففي دائرة الإصلاح والتوجيه الأسري في محاكم دبي ، لم يكن متوقعا أن تصبح الرسائل الهاتفية سببا رئيسيا للطلاق، لكن تعدد الحالات التي تنظرها الدائرة تشير إلى ظاهرة تستوجب النظر فيها وتوعية الناس بخطورتها، خاصة أن بعض الزوجات يقمن بعد قراءة الرسائل بالاتصال بالأرقام المرسلة لهذه الرسائل ويكتشفن حقائق غير متوقعة. الجدير بالذكر أن دراسة أعدتها وزارة العمل والشئون الاجتماعية في الإمارات في العام 2002م أكدت أن التقنية الحديثة وخاصة الإنترنت أصبحت من الأسباب الرئيسية للطلاق في الإمارات، سواء من جهة انشغال الزوج عن أسرته لساعات طويلة؛ أو لظن الزوجة بأن زوجها على علاقة بامرأة أخرى قد تكون في بلد آخر على بعد آلاف الأميال.. وربما «هي» أصلا رجلا انتحل صفة امرأة. [ ص: 152 ]

2- التقنيات واكتساب العنف

حذرت كثير من الدراسـات من خطورة اكتساب العنف من خلال أو بوساطة التقنيات.. وفي هـذا السياق لا بد أن نشير إلى تقرير منظمة الصحـة العـالمية الصادر في أكتوبر من عام 2002م والذي يؤكد أن 1.6 مليون شخص يقضون سنويا بطريقة عنيفة في العالم! ونصف هـؤلاء يقضون عبر الانتحار الميسر بالتقنيات الحديثة! كما أشار التقرير إلى أن أكثر من 60% من عمليات الانتحار يقدم عليها الرجال، وهي رابع أسباب الوفيات لدى أشخاص تتراوح أعمارهم ما بين 15 و44 سنة.

3- ألعاب الحاسوب وتطبيع القتل لدى الأطفال

الحاسوب قد يكون الهدية التي تختارها لتقلص من نشاط طفلك الزائد! ولن تضطر إلى أن تتعب نفسك بمساعدته في الاختيار، فخياره جاهز بسبب المعرفـة والخـبرة التي حصل عليها من زملائه ذوي الخـبرة في المدرسة وما عليك إلا توصيل الحاسوب بتلفاز المنـزل. وقد يصبح الطفل أكثر هـدوءا نوعا ما، لكنك لن تتمكن من الاستمتاع ببرامج التلفاز إلا بعد وصلات من الصراع والصراخ لتكتشف أن عليك أن تشتري له تلفازا ملونا خاصا، ولن تبدأ رحلتك مع الراحة لأنك ستشغل بفك الاشتباك بين أولادك إذا كانوا أكثر من واحد!

وربما تظن أنك الرابح وبخاصة بعد أن تخلصت من إزعاج الأولاد في حبسهم مع الحاسوب بعيدا عنك؛ ولكن للأسف فإن ما قمت به لم يكن [ ص: 153 ] سوى خطأ في حق أولادك. صحيح أن لألعاب الحاسوب فوائد، كالتدرب على سرعة رد الفعل، والقيام بالحركة الصحيحة في الوقت المناسب، ودقة الملاحظة والانتباه، هـذا عدا عن أن العديد منها يقدم للاعبها معلومات إضافية، وبخاصة إذا كانت اللعبة مصممة أصلا لتكون لعبة تعليمية. بل إن بعض المؤسسات الأميركية قد وجدت أنه يمكن بتصميم ألعاب الحاسوب بأسلوب معين المساعدة على تدريب الأطفال المصابين بصعوبة في القراءة. كما أن أبحاثا لمؤسسة الفضاء والطيران الوطنية الأميركية «ناسا» قد أثبتت أنه من الممكن استخدام ألعاب حاسوب لمعالجة للأطفال الذين يتميزون بالحركة المستمرة لزيادة فترات الانتباه والتركيز لديهم. ولكن في المقابل فإن ألعاب الحواسيب مليئة بالمخاطر، فالكثير من هـذه الألعاب تركز على القتال الدموي الوحشي الذي تقشعر له الأبدان، فاللعبة التي «تريحك» من إزعاج ابنك هـي لعبة يستمتع فيها بضرب خصمه حتى يقطع أوصاله وتخرج الدماء من جسمه كالنوافير، ثم يقطع رأسه ويمسكه مزهوا بانتصاره عليه وهو يقطر دما! وقد تكون اللعبة عبارة عن قيادة سيارات وطائرات تخلف الدمار وكرات اللهب المبهرة التي تصيب ضحايا عشوائيين! وربما كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر مستقاة الأفكار من إحدى ألعاب الحواسيب التي هـزت العالم بأكمله. فهل عذرك أنه لا بأس بذلك ما دام كل الأولاد يلعبون بهذه اللعبة؟ ولكن هـؤلاء الأولاد يميلون للعنف الزائد، فهل تدع طفلك غارقا بألعابه المدمرة لتعلم نبأه بعد حين؟ [ ص: 154 ] إن ما نسلي به الطفل هـو أبعد ما يكون عن معاني البراءة. وبعض الأطفال لا يكادون يصلون إلى بيوتهم، حتى يتوجهوا إلى غرفهم لإكمال لعبة الأمس العنيفة أو لتجربة لعبة جديدة حصلوا عليها من أصحابهم، وكلما كانت أكثر دموية كانت ممتعة أكثر. وفجأة ترى الأطفال وقد كبروا مع هـذه الألعاب، وقد يصل بهم الحال إلى تفضيل العزلة والابتعاد عن الناس، مع ضعف في التحصيل العلمي ووهن الجسد، خاصة إذا صاحب ذلك اللعب العنيف تناول الطعام الجاهز السريع غير الصحي. كذلك من الملاحظ انتشار التلعثم عند الكلام بين الأطفال وظهور بعض الآثار النفسية الأخرى! ولن يتمكن الآباء من معالجة ذلك بسهولة، بل سوف يجأرون بالشـكوى من عدم معرفتهم بما حصل لأولادهم الذين لم يحرموهم من أي شيء وبالذات «الألعاب الحاسوبية» . وهم لا يدرون أن ما ينغرس في نفوس الأطفال الآن قد يظهر أثره فيما بعد، فيما يسمى التطبيع مع القتل! إن تلك «الألعاب الحاسوبية» ستبرر لهم كل فعل سيء ومؤذ فيما بعد خاصة وأن الأبحاث تشير إلى أن العقل الباطن للأطفال، الذين تقل أعمارهم عن سبع سنين، يحتفظ بمؤثرات العنف فيه أكثر ممن هـم في عمر أكبر. ولن يكون الحل بحرمان الأولاد من الألعاب، بل يمكن البحث عن لعبة حاسوب مفيدة؛ كما يمكن تحـديد ومراقبة نوعية الألعاب وما هـو مصدرها، ثم تحديد أوقات اللعب مع تشجيعهم على ممارسة الأنشطة الرياضية والاجتماعية المختلفة. [ ص: 155 ] ولا بد من حماية الأطفال؛ لأن الخطر المتعلق بالإنترنت يظل مسلطا على رءوس الأطفال بالذات إلا إذا أمكن حماية الأطفال عبر الفلترة الدولية. وقد وافقت الحكومة الأمريكية على اقتراحين للحد من الوصول إلى المواقع الأمامية على شبكة الإنترنت للأطفال وصغار السن، حيث حرم الاقتراح الأول إنشاء أي مواقع تجارية إعلانية على شبكة الإنترنت لتوزيع ونشر المواد الإباحية. بينما نص الاقتراح الثاني على طرح برامج حاسوبية تعمل عمل الفلترة ، ومن المرجح أن يتم توزيعها على المدارس والمكتبات التي تتصل بمواقع الإنترنت الإباحية .

ولاننكر وجـود بعـض الإيجابـيات للأطفال الذين يستخدمون الإنترنت، لكونهم يتعلمون كيف يعبرون عن أنفسهم بصراحة وبساطة، كما تجعلهم أكثر عالمية وبحيث لا تحدهم حدود. كذلك من الإيجابيات للأطفال الذين يستخـدمون الإنترنت تحولهم إلى أطفـال أكثر تسامحا تجاه الاختلافات العرقية والثقافية. كذلك تساهم الشبكة في توفير مجال الرعاية الاجتمـاعية للمراهقـين والمعـاقين أو المصابين باضطرابات نفسية أو سلوكية. كما تهتم بعض المواقع بقطاع الخدمات حيث يمكن للطفل المريض من التمتع بخدمـات الشبكة المتصلة بالبحث عن الوظائف والمصارف والتسوق عبر الإنترنت وغير ذلك من الخدمات التي تمتد اليوم على نطاق واسع. [ ص: 156 ]

4- الإدمان على الإنترنت.. والسيطرة على النفس

الإدمان على الإنترنت مرض يدخل القاموس الطبي، وأضرار الحواسيب والهواتف أدرجت في نقاشات معرض «سيبت» الدولي (!)

لقد نجح قطاع الحواسيب والشبكات والمعلوماتية في أن يتحول في العقدين الماضيين إلى قطاع اقتصادي مهم له شركاته ومريدوه ومشجعوه؛ وتكمن المشكلة التي يحذر منها المختصون منذ فترة هـي إمكانية تحول هـذا التشجيع إلى هـوس وإلى حالة مرضية دائمة؛ وهو ما ناقشه الخبراء الصحيون على هـامش المعرض الدولي للحواسيب (سيبت) والذي عقد في مارس 2003م في هـانوفر ألمانيا . وقد قدر مركز شئون الإدمان في هـامبورغ وجود أكثر من مليون مدمن على شبكة الإنترنت في ألمانيا؛ وهو إدمان يفقد فيه الإنسان السيطرة على نفسه أمام شاشة الحاسوب، وهي حالة مرضية تؤثر على كفاءة الإنسان في العمل وترهق الدولة والشركات بالأعباء الاقتصادية الناجمة عنها. إن هـناك قاسما مشتركا أعظما لكل من حالات الإدمان على الكحول والمخدرات والقمار والإنترنت ألا وهو: فقدان السيطرة على النفس مع إهمال الوضع الشخصي والمحيط الاجتماعي، وهي حالة قد تصيب الموظفين المحبطين وبعض ربات البيوت والعاطلين من مختلف فئات المجتمع. ويبدو خطر إدمان الإنترنت، أكبر من غيره لأن انكباب الإنسان على الإنترنت غير مذموم بل قد يشجع عليه في بداية الاستخدام؛ وبينما يترك إدمان الكحول والمخدرات آثاره على صحة الإنسان كذلك [ ص: 157 ] يؤثر إدمان الميسر على دخل الفرد، إلا أن إدمان الإنترنت لا يترك آثارا محسوسة مما يزيد من تعقيدات المشكلة.. ويزداد خطر إدمان الإنترنت بين مجاميع الناس الذين يتمتعون بحق مجاني لدخول الإنترنت، كما هـي الحال مع طلبة الجامعات وبعض موظفي الشركات.

ونظرا لتفاقم ظاهرة الإدمان على الإنترنت فقد اضطر معرض هـانوفر الدولي للحواسيب لأول مرة هـذا العام لإدراج النقاش حول مضار الحواسيب والشبكات والهواتف الجوالة على صحة المستهلك ضمن برامج المعرض، بين 12 - 19 مارس 2003م، واقترح المعرض (عوضا عن رفع رسوم الإنترنت على الطلبة أو تحجيمها) بأنه لا بد من التوعية للتحذير من مرض الإدمان الجديد. كما اقترح إدخال إدمان الإنترنت ضمن قائمة أمراض الإدمان مع شرح طريقة انتقاله وإصابته للناس؛ وفي حالة الطلبة والموظفين، لا بد من إدخال لوحة تحذير تنهض أوتوماتيكيا أمام عيون مستخدم الشبكة حال تجاوز دخوله فترة معينة، وتقول اللوحة: «احذر! منذ متى وأنت داخل الشبكة».. ولا بد أن تتضح الأضرار الأخرى لهذه التقنية في القريب العاجل ولكن بعد فوات الأوان.

ولتوضيح مدى خطورة التقنيات الحديثة على الأطفال نورد هـذا المقال للكاتبة «سوسن الأبطح» الذي نشر في جريدة «الشرق الأوسط»، عددها بتاريخ (26/ 11/ 2002م) : [ ص: 158 ] الطفولة ليست في عز مجدها كما يروج بعض المتفائلين، الذين يغبطون أطفال اليوم على هـدايا العصر الملغـومة الآتية إليهم عبر الأطباق اللاقطة أو الأقنية الإلكترونية. ولم يعد من شك في أن «ديزني لاند» بمباهجها، وأفلام الكارتون بغوايتها، وأجنحة الألعاب المدللة في المراكز التجارية الضخمة، هـي الواجهة اللماعة التي تخفي وراءها الفخاخ المنصوبة لتصيد الفضول الطفولي واستغلاله بأدهى السبل فنية وأناقة. وقد تنبأ علماء النفس منذ عام 1900م بأن القرن العشرين سيشهد ثورة يتشكل خلالها مفهوم جديد وسعيد للطفولة، لكن زملاء لهم في المهنة، وبعد مائة سنة على تلك النبوءة، يرون، اليوم، أن الموجة وصلت إلى ما لم يكن في الحسبان، وأن كل ما زاد عن حده انقلب إلى ضده. وكل الدراسات حول التلفاز والألعاب والإنترنت والسينما، تفيد بأن الطفولة تخطف بالفعل، وفي سن مبكرة، وأن الصغار يتعرضون لجلد نفسي وغسل دماغ يحرمانهم من أحلامهم الخاصة لصالح أحلام هـذه الشركة أو تلك. وإذا وضعنا العنف والجنس جانبا، فإن الإعلانات وحدها كافية لإحداث الزلزال، إذ يشاهد الطفل الفرنسي مثلا 3 آلاف إعلان في السنة، بينما يرتفع عدد الإعلانات التي يشاهدها الطفل الأميركي إلى ثلاثين ألفا، بحسب اتحاد المستهلكين هـناك، ولا أحد يعرف بطبيعة الحال، عدد تلك التي يشاهدها الطفل العربي، إلا أن السويد حسمت أمرها ومنعت الإعلانات في فترات البث المخصصة للأطـفال؛ لأن هـؤلاء لا يميزون قبل سن الثانية عشرة بين الإعلان والبرنامج الوثائقي أو بين الحقيقة والخيال. إن الإجراء السويدي الجريء ناجع بحدود، إذ إن [ ص: 159 ] إحصاءات أخرى تشير إلى أن ثلاثة أرباع ما يشاهده الصغار، موجه في الأصل للكبار، وبأن أدمغة الأطفال منبهة بحيث تلتقط ما لها وما لغيرها، ولذلك فالعمل جار في دول أوروبية عديدة لتخفيف الصدمة على العود الطري قبل أن تكسره مشاهد الغدر والقتل والتشويه والمطاردات بين الأخيار والأشرار. فقد تبين أن 80 % من الأفلام الأمريكية التي تعرضها الشاشات الفرنسية تحوي مشاهد مثيرة للاضطراب، وهذه الأفـلام تحمل في غالبيتها رسـالة مفادها: «يجب أن تحطـم الآخـر كي تربح»، وهو ما يتناقض تماما مع التقليد التربوي المتعارف عليه الذي يحاول أن يقنع الأطفال بأن: «من يلجأ إلى العنف لحل مشاكله يحتاج إلى علاج لحل عقده». وهكـذا فإن المفاهيم تتضارب حـد التضاد. وإذا أضفنا إلى كل ما سبق أن الأطفال الفرنسيين يشاهدون التلفاز بمعدل ألف ساعة في السنة، أي ما يوازي الوقت الذي يقضونه على مقاعد الدراسة -والأرجح أن الأرقام العربية ليست بعيدة عن هـذه الحدود- فإن السؤال الحرج المطروح هـو: لمن ستكون الغلبة في المعركة الدائرة بين الأستاذ بإمكانياته المتضائلة والمنتج بمعداته سريعة التطور، خاصة أن الأهالي باتوا أشبه بالمخدرين، وقد مستهم الفتنة بأخطر مما فعلت بأولادهم، وغدوا أكثر تعلقا منهم بالمسلسلات والأفلام وبرامج الألعاب والدعايات أيضا! لذلك فحين يقرر الأهل معاقبة أحد أولادهم يقولون له بثقة وحزم: «إذا لم تدرس تحرم من التلفاز»، أي أن الشاشة وما ترشح به من مؤثرات مموهة هـي في اللاوعي «مكافأة يستحقها المجتهد» وأية مكافأة! والأسوأ من ذلك أن مدمني التلفاز [ ص: 160 ] هم أنفسهم عشاق الإنترنت ، ومن يفلت من قبضة هـذا يقع في شباك ذاك. وبما أن القضية على هـذا القدر من الجدية، فإن الدول الواعية لا تعادي التلفاز على طريقتنا الاستنكارية؛ لأنها تعرف أنها بذلك إنما تحارب طواحين الهواء، لكنها تسعى جاهدة لاحتواء مضامين الشاشات وتطويعها وتهذيبها؛ لأن الزواج بها ثبت أنه كاثوليكي ولا رجعة عنه. المعضلة مع التلفاز تتجاوز العيب والحرام والمس بالتقاليد التي نفترض أنها المقاييس الأمثل لتحديد مواقفنا واستراتيجياتنا؛ لأن الطفولة بألمعيتها الفطرية وتشكلاتها الذهنية واللغوية، بل وبنيتها العاطفية، شرقية كانت أم غربية، هـي المتضرر الأول.

التالي السابق


الخدمات العلمية