البعد المصدري لفقه النصوص

الدكتور / صالح قادر الزنكي

صفحة جزء
المبحث الثالث

حضور البعد المصدري في المقررات الأصولية

ما عليه الشارع من صفات وخصال وعادات تشريعية، وهي ما سميناها بالبعد المصدري للنص، كان حاضرا ومفعلا عند الأصوليين وهم بصدد تقرير القواعد الأصولية، وكذلك كان حاضرا بقوة عند فقهاء الأمة.

وقد اجتمعت كلمة أهل العلم على ضرورة استحضار ما عليه المخاطب من صفات وعادات أثناء قراءة خطابه قراءة صحيحة، بعيدة عن التطويع والاعتساف، وبعيدة عن الاستمطاط والتأويل المتكلف المتعسف، ولئن كان أهل العلم قد أوجبوا ذلك على المتصدي لتفسير نص من النصوص بهذا الإطلاق، فإن استحضار ما عليه صاحب النص الشرعي من صفات وعادات هـو من أوجب الواجبات، وأشد الضرورات، وذلك لخطورة تفسير النصوص الشرعية، ولخطورة ما يترتب عليه من نتائج وأحكام قد تخرج صاحبها عن الملة والدين.

والنظر في البعد المصدري للنص يزيد تفسير النص والحكم المستخرج منه قوة، فكلما كان قارئ النص على دراية وخبر بصاحب النص، وعلى اطلاع واسع بصفاته وعاداته؛ كان فهمه للمعاني التي يحملها الخطاب [ ص: 99 ] أقرب إلى مراد المخاطب، وأحرى بالقبول والاعتماد، وأبعد عن تقصيده زورا وافتراء. وعليه فإن تلك المعرفة الجيدة بالمتكلم المخاطب ستسهم في إماطة اللبس، أو الغموض والخفاء، أو الاحتمالات التي ترافق النص وتصاحبه، والتي تحول دون تفقهه، فيحمل على المعاني القريبة والقارة التي تعكس وتجسد تلك الصفات والعادات، وتتواءم معها وتتناغم، دون ما سواها من المعاني البعيدة، المغايرة والمضادة لما عليه المخاطب من عادات وصفات.

وقد نبع عن حرص العلماء في التعرف على عادة الشارع؛ تقسيمهم لتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم حسب الصفة التي كان عليها الرسول خلال صدور ذلك التصرف منه، لأن الإطلاع على تلك الصفة يعين المتفهم على حسن تفهم الخطاب وتنزيله، ودفع الالتباس والاحتمال عنه.

وقد تناول الشيخ ابن عاشور >[1] أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم التي صدر عنها قول منه، أو فعل، وأن هـذه الأحوال يختلف فيها حكم حال عن حال، ولا يمكن التعامل مع كل هـذه الأحوال بمقياس واحد، ومعيار واحد.

ومن هـذه الأحوال: [ ص: 100 ]

1- حال التشريع والتبليغ، وهذه الحالة هـي الحالة الأصلية من بين تلك الأحوال، فإن الوظيفة الأساسية، والمقام الذي كان فيه الرسول صلى الله عليه وسلم كان مقام تبليغ الرسالة، ومن أجل ذلك بعثه الله تعالى للناس كافة، فهو الناقل الأمين عن رب العالمين رسالته الخاتمة، وقد حصر الله سبحانه وتعالى وظيفته في تبيلغ الرسالة بقوله: ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) (آل عمران:144) .

وما بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم من الأحكام بهذه الصفة الغالبة على سائر أحواله، جاء في صورة أحكام عامة فوق الاعتبارات الشخصية والزمنية والمكانية، فلم تكن أحكاما قابلة للتطبيق حسب ظروف شخص توافر فيه خصائص وصفات معينة، أو في وقت من الأوقات، أو في مكان دون مكان، بل كانت أحكاما صالحة للتطبيق على الجميع بغض الطرف عن تلك الاعتبارات.

وهذه الأحكام التي جاءت عن طريق التبليغ تكون ملزمة لكل فرد من أفراد الأمة، من غير أن يتوقف هـذا الإلزام على إذن الحاكم، أو الإمام، فيأذن بمباشرة الحكم وإتيانه. ويندرج تحت هـذا النوع الصلوات والزكوات، وتحصيل الملك بالعقود الشرعية وغيرها.

2- حال الفتوى، فما صدر عنه صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف غالبا ما تراعى فيه أحوال المستفتين، إلا إذا كانت الفتوى معللة بعلة متعدية تتجاوز [ ص: 101 ] خصوص المستفتي، وزمانه ومكانه. فإذا تطابقت الحالتان؛ فيتطابق الحكم فيهما، وتصبحان حالة واحدة، وإلا فما حرم على شخص، قد لا يحرم على آخر، لتباين المحكوم عليه.

ومثال الفتوى المؤسسة على اعتبار البيئة، ( ما رواه أبو سعيد ، رضي الله عنه : «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب في الحنتمة والدباء والنقير ) >[2] . يقول ابن عاشور : «هذا النهي تعين كونه لأوصاف عارضة توجب تسرع الاختمار لهذه الأنبذة في بلاد الحجاز، فلا يؤخذ ذلك النهي أصلا يحرم لأجله وضع النبيذ في دباءة أو حنتمة مثلا لمن هـو في قطر بارد، ولو قال بعض أهل العلم بذلك؛ لعرض الشريعة للاستخفاف» >[3] .

3- حال القضاء، وهذه الحالة عبارة عن وصل الحكم الشرعي بالتطبيق، عند وجود التخاصم، بناء على ما ظهر من أدلة الإثبات أو الدفع. ففي هـذه الحالة ترفع دعوى الخصومة إليه صلى الله عليه وسلم ، وليس للمكلفين حق الإقدام على هـذا النوع من الأحكام إلا إذا كان الشخص على ذلك الوصف النبوي، أي: كان في مقام القضاء. [ ص: 102 ] ويمثل لهذا النوع؛ بقصة العسيف الذي كان عند رجل، فزنى بامرأته، فقام رجل، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم اقض بيننا بكتاب الله >[4] .

4- حال الإمامة والإمارة، وفي هـذا المقام يباشر النبي صلى الله عليه وسلم تنفيذ الحكم بوصفه رئيسا للدولة، كإقامته الحدود على الجناة، أو يصدر الحكم لتحقيق مصلحة عامة، أو درء مفسدة عامة، في ذلك الزمان وذلك المكان، وتلك الحال، فيجب على من يأتي بعده من الأئمة والرؤساء، أو من يأذن له الإمام؛ مراعاة تلك الظروف والملابسات المحيطة بالحكم أثناء التنفيذ.

ومثال ذلك ما ذهب إليه بعض الفقهاء >[5] في قوله صلى الله عليه وسلم : ( من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه ) >[6] ، حيث ذهبوا إلى أن ما صدر عنه كان تصرفا بوصفه رئيسا للدولة، وعليه فلا يجوز للمجاهد أن يختص بسلب إلا بإذن الإمام في ذلك.

5- حال الهدي والإرشاد، وما صدر عنه صلى الله عليه وسلم في هـذه الحالة؛ لا يحمل على الإلزام والإيجاب، بل يحمل على الإرشاد والنصيحة، وتعليم الحقائق العالية، والإشارة والتوجيه نحو الأفضل. [ ص: 103 ] ومثال ذلك؛ ( ما ورد في قصة فراق بريرة لزوجها مغيث، حيث طلب النبي صلى الله عليه وسلم من بريرة أن تراجع زوجها (مغيث) ، فقالت بريرة: يا رسول الله أتأمرني بذلك؟ قال صلى الله عليه وسلم : لا، إنما أنا أشفع، قالت: فلا حاجة لي فيه ) >[7] .

6- ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم بوصف بشريته المحضة، وهذا النوع يشمل التصرفات الجبلية من أكل وشرب، ونوم وجلوس، وغيرها من التصرفات.

وقد اختلف الصحابة في توصيف بعض تصرفاته صلى الله عليه وسلم ، هـل صدرت منه بوصف بشريته، فلا تشريع، أم بوصف نبوته، فتشريع؟ ومثال ذلك اختلافهم في التحصيب >[8] ، فإنه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع نزل بالمحصب ، وصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم هـجع بها هـجعة، ثم دخل مكة >[9] .

" فهذا ابن عمر ، رضي الله عنهما كما روي عنه أنه كان يرى التحصيب سنة، وكان يصلي الظهر يوم النفر بالحصبة. قال نافع: قد حصب رسول الله والخلفاء بعده " >[10] . [ ص: 104 ] بينما ذهبت أم المؤمنين عائشة وابن عباس ، رضي الله عنهم إلى أن ذلك لم يكن للسنة، وإنما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم بقصد تجميع الصحابة. فروي " عن أم المؤمنين أنها قالت: إنما كان منزل ينزله النبي ليكون أسمح لخروجه " >[11] . " وقال ابن عباس: «ليس التحصيب بشيء، إنما هـو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم » " >[12] .

كما أن الإشارة إلى بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم في مصدري التشريع الإسلامي: الكتاب والسنة؛ تدل على حقيقة من الأهمية بمكان، وهي أنه صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لم يأتوا بتصرفات خارقة للسنن الكونية، ونواميس الحياة في الاجتماع البشري. وعنصر البشرية فيهم يؤكد سنة من سنن الله في الخلق، ويؤكد أن عالم المخلوقات محكومة بنواميس وسنن إلهية. فمن تلك القوانين والسنن؛ رغبة الإنسان في الأكل والشرب، واتخاذه المسكن واللباس، وحاجته إلى الراحة والنوم، والبيوع والإيجارات، وحبه للزواج، وتعجبه من الشيء الجميل، واستقذاره الروائح الكريهة، وتعرضه للفرح وللحزن، وللمرض، وتعامله مع أحداث الحياة وفق برنامج مخطط مدروس لا ارتجال فيه، وبالأخذ بالأسباب، [ ص: 105 ] أسباب النجاح، أسباب النصر وإلا فتأتي الهزيمة، والأخذ بالحيطة والحذر، وغيرها الكثير.

وما دامت الفطرة تدفع الإنسان إلى فعل هـذه الأمور؛ فإن حظ التشريع فيها لم يكن على صورة الإيجاب، وتأسيس الحكم فيها لأول مرة، وإنما أكد على المحافظة عليها، فرغب الشرع في الزواج، ونهى عن التبتل، لأن التبتل يصطدم بقانون الفطرة. وأدرك الأصوليون هـذه الأبعاد، وتعاملوا معها بإنزالها منازلها. فعلى سبيل المثال؛ الآيات التي تأمر بالزواج حملوها على معنى الإباحة، وهي أقل درجات التكليف الفعلي، أو لا تكليف فيها على رأي آخرين منهم، ولم يتطرقوا إلى هـذا المعنى أولا، وإنما استخرجوا حكما آخر، فقالوا في قوله تعالى: ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ) (النساء: 3) ؛ إن الآية سيقت للدلالة على الحد الأعلى الذي يجوز للرجل أن يجمع فيه من الزوجات، وهو أربع زوجات، وسموا هـذا بالنص، وأن دلالتها على جواز النكاح دلالة بالقصد الثاني التبعي >[13] ، وهذه الدلالة من باب تأكيد سنة كونية في حياة البشر، ذلك لأن جواز النكاح أمر استساغه البشر، ومارسه الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، وبمثله حملوا آيات أخرى دالة على تأكيد السنن الكونية، لأن هـذه الأمور تنصب في سلة تحقيق حظوظ النفس، وبعبارة [ ص: 106 ] الشاطبي : «كان للمكلف فيه حظ عاجل مقصود» >[14] ، وأن الإنسان السوي قلما يتوانى عن تحقيق حظوظ نفسه، فدافع الفطرة والنفس يخففان درجة الأمر التشريعي من حيث قوته الإلزامية، ولا معنى للخوف على تفويت وتضيع هـذه الرغبات طالما الفطرة هـي لها حارسة وحافظة، بل أن النفس قد تسرف في تحقيق هـذه الحظوظ العاجلة، وتدفع المكلف إلى تجاوز الحد المعروف، ومن هـنا يتدخل التشريع لتعديل الموقف الجانح، فينهى عن هـذا الإسراف المائل عن العدل. ومما يدل على هـذا قوله تعالى: ( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) (ص:26) .

وبخلاف ذلك؛ كلما كانت حظوظ النفس ضئيلة في الإقدام على عمل من الأعمال؛ فهنا يتدخل التشريع ويصبو لتحقيقه، ويقدم ضمانات أكيدة سائقة له، وذلك من خلال رفع درجة الأمر إلى الإيجاب أو الندب، وفق أهمية الشيء، ووفق درجة حظ النفس فيه، فكلما أرادت النفس أن تتهرب وتتنصل عن الطاعة والالتزام؛ ارتفعت درجة الأمر، حتى تصل إلى الإيجاب، وكلما كانت درجة الإعراض والإدبار أقل؛ كانت درجة الأمر أقل إلزاما، كأن تكون في رتبة المندوب، وإذا كانت النفس تدفع الإنسان نحو الفعل؛ فهنا تقل درجة الأمر إلى أن تصل أدنى درجة في قوته [ ص: 107 ] الإلزامية، وهي درجة الإباحة، اكتفاء بهذا الدافع القوي، وهكذا التشريع الإسلامي يعمل عمله المتقن المنضبط، والمحروس بسياج قوي واق ومانع من الاختلال في السنن الإلهية، في الكون والخلق والتكليف، فسبحان الذي أحسن وأتقن كل شيء خلقا، وله الحكم وإليه المصير.

هذا، وينبغي أن لا توسع دائرة ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم من التصرفات بوصفها تصرفات جبلية، لأن الصفة الغالبة على أحواله هـي الصفة التشريعية، ولا يعدل عن هـذا الأصل إلى خلافه إلا بدليل >[15] . بيد أن هـناك من توسع في هـذا الأمر، حتى وصل به الأمر إلى جعل كل ما صدر عنه من الأحاديث: القولية والفعلية والتقريرية؛ صدى لواقع اجتماعي منقرض، عاشه النبي صلى الله عليه وسلم ، واجتهد بعقله لوضع حلول ناجعة له، في إطار مكان وزمان محددين.

وهذا النمط من التفكير قادهم إلى إنكار السنة بوصفها تشريعا صالحا لزماننا جملة وتفصيلا. وقالوا: إن كل شخص له الحق في فهم الكتاب، وكل حسب خلفيته الثقافية والاجتماعية والبيئية، ونادوا إلى الاقتصار على القرآن الكريم.

وفيما يأتي نماذج مما استحضر فيه علماء الأمة ما عليه الشارع من صفات وعادات، في ضوئها فسروا النص، وأولوه على نحو يتوافق وتلك الصفات والعادات التشريعية. [ ص: 108 ] 1- قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) >[16] . في ضوء ما عليه الشارع من الصفات؛ فإن الأخذ بظاهر هـذا الحديث وإجراءه عليه (أي النظر إلى المنطق اللغوي في تفقه النص فقط، وإهمال المنطق التشريعي) ضرب من المحال، ذلك لأن ظاهره يقتضي وضع الخطأ والنسيان والإكراه بالكلية والدوام عن أفراد الأمة جميعهم بلا استثناء.

والناظر في واقع حال أفراد الأمة - والإنسان عموما بغض النظر عن هـويته العقدية - يجد أن ذلك كله صادر عنهم، وهذا النوع من الاستمساك الحرفي الظاهري بالنص يوقعنا في الالتباس، ويؤذن بتكذيب الشارع، لأن واقع حال هـؤلاء يغاير ما نطق به المقال.

وبما أن الوحي معصوم مطلقا من الخطأ والجهل، والكذب وما إلى ذلك من صفات العجز والنقص؛ فقد اتفقت كلمة الأصوليين وعلماء المسلمين على وجوب التصرف في النص بما يتوقف عليه صدق الشارع وعصمته، فكان المقتضي للتصرف فيه هـو درء الكذب عن كلام الشارع، لذلك قرر الأصوليون إضافة كلمة إلى النص، وهذه الزيادة المضافة إلى النص يجب تقديرها مقدما في النص، كشرط توقف عليه حسن فهم النص [ ص: 109 ] واستقامة معناه. وسمي هـذا الموضوع في الدرس الأصولي بدلالة الاقتضاء، أو باقتضاء النص.

وفي هـذا، قال الآمدي (ت631 هـ) : «يتعذر حمله على حقيقته؛ لإفضائه إلى الكذب في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ، ضرورة تحقق الخطأ والنسيان في حق الأمة، فلا بد من إضمار حكم يمكن نفيه من الأحكام الدنيوية أو الأخروية، ضرورة صدقه في كلامه» >[17] .

وقال عبد العزيز البخاري (ت730 هـ) : «إنما سمي هـذا الشيء بالمقتضي لأنه أمر اقتضاه النص. وإنما شرط تقدمه عليه لأن ذلك أمر اقتضاه النص لصحة ما تناول النص إياه، فتكون صحة النص متوقفة عليه توقف المشروط على الشرط، فيقدم لا محالة» >[18] .

وبناء عليه؛ أضاف بعضهم كلمة الحكم إلى النص، بينما قدر آخرون منهم كلمة الإثم >[19] ، وبعد هـذا التقدير فكأن الحديث ورد بهذه الصيغة: إن الله وضع عن أمتي حكم/ إثم الخطأ والنسيان والإكراه. [ ص: 110 ] 2- هـناك نصوص تشريعية يدل ظاهرها على أحكام تتعارض مع ما عليه الشارع من الصفات، وما يريده من العباد، ولرفع هـذه الحالة عمد الأصوليون إلى تأويل النص أو تفسيره بما يتفق مع صفات الشارع، وما أراده من المكلفين.

فمن ذلك قوله تعالى: ( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا ) (الكهف:29) ، فإن الأمر الوارد في هـذه الآية بالإيمان والكفر لا يدل على التخيير والإباحة، لأن في الإباحة استواء الطرفين، ولا استواء أبدا بين الإيمان والكفر، فالأول نور وهدى، والثاني ظلمات وضلال، وأن الله قد حبب إلينا الإيمان، وكره إلينا الكفر ( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ) (الحجرات:7) . وعليه فقد حمل الأصوليون الأمر على الوعيد والتهديد للذين كفروا، هـذا فضلا عن سياق الآية، الذي توعد بالنار لمن ترك الإيمان وكفر وظلم.

وكذلك قوله تعالى: ( اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير ) (فصلت:40) ، فالأمر الوارد في الآية لا يحمل على الإذن، فيكون الإنسان حرا مطلقا، وأنه لا يحاسب ولو ارتكب الموبقات والمهلكات، لأن هـذا التفسير يتعارض مع صفات الشارع، في محاسبة العباد على [ ص: 111 ] أعمالهم، خيرا كانت أم شرا ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) (الزلزلة:7-8) ، هـذا فضلا عن سياق الآية الدال على المحاسبة ( إنه بما تعملون بصير ) >[20] .

وفي هـذا المعنى ما ذكره السرخسي (ت 450هـ) فيما يترك به أصل الكلام، وهو حمله على الحقيقة، ومن ذلك دلالة من وصف المتكلم، فقال في هـذا الشأن: «قوله تعالى: ( واستفزز من استطعت منهم بصوتك ) (الإسراء:64) ، فإن كل واحد يعلم بأنه ليس بأمر، لأنه لا يجوز أن يظن ظان بأن الله تعالى يأمر بالكفر بحال، فتبين بأن المراد الإقدار والإمكان، لعلمنا أن ما يأتي به اللعين يكون بإقدار الله تعالى عليه إياه» >[21] .

ولأهمية استحضار ما عليه المتكلم المخاطب عموما من صفات لفهم خطابه وتنزيله في مكانه الصحيح؛ قال أيضا: «قول القائل: اللهم اغفر لي، يعلم أنه سؤال لا أمر، لوصف المتكلم، وهو أن العبد المحتاج إلى نعمة مولاه لا يطلب منه النعمة إلزاما، وإنما يسأله ذلك سؤالا» >[22] . [ ص: 112 ] 3- تعامل العلماء مع ما ( روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتل الكلاب ) >[23] . هـذه الرواية حسب الظاهر تخالف ما عليه الشارع من الصفات، نحن نعلم بأن الرسول عليه السلام كان رحيما شفيقا بالخلائق جميعا، لقد كانت رقة قلبه الشريف، وجمال عالمه الداخلي، وقابليته غير الاعتيادية؛ كانت أبعادا أخرى من أبعاد فطنته، كما كانت من عوامل نجاحه المتميز التي استعملها واستغلها كإكسير شاف لفتح القلوب المؤصدة، والتربع على عروشها، كما كانت في الوقت نفسه من دلائل نبوته الصادقة.

حقا كان رحيما بالإنسان والحيوان على حد سواء، وأن ثمة أحاديث تأمر بالإحسان إلى الحيوان وتحث عليه، حتى أثناء الذبح. ( فعن أبي يعلى شداد بن أوس ، رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته ) >[24] .

فإنه صلى الله عليه وسلم أمر بإراحة الذبيحة، وهي مشرفة على توديع لحظات الحياة الأخيرة، وهذه الإراحة تتحقق بالذبح الشرعي، وعلى الذابح أن يحد [ ص: 113 ] سكينه، ويعجل إمرارها على عنقه، ولا يذبح الحيوان أمام حيوان آخر، ولا يريه السكين. أما صعقه بشرارة كهربائية؛ فإنه يتنافى مع معاني الرحمة والرفق، لذلك لم يجوز الفقهاء هـذا النوع من الذبح، نظرا لهذه المنافاة، ولأسباب أخرى مذكورة في مظانها.

وأنه هـو الذي حكى لنا قصة المرأة القاسية القلب، عن نافع ( عن عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عذبت امرأة في هـرة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هـي أطعمتها وسقتها، إذ هـي حبستها، ولا هـي تركتها تأكل من خشاش الأرض ) >[25] .

فهذا الحديث يقطع دابر النزاع، ويدل على أن تعذيب الحيوان، وإلحاق الأذى به حرام، ودليل الحرمة؛ أن حبسها إياها، ومنعها الطعام عنها، كان من أسباب دخولها النار، والعقوبة بدخول النار إنما تكون حينما يرتكب محرم من المحرمات القطعية. فإذا كان تعذيب الحيوان محرما، فمعنى ذلك أن الرحمة مطلوبة تجاه كل ذي روح من إنسان وحيوان.

وبناء على استحضار تلك الخصال الحميدة التي كان يتحلى بها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ؛ التمس العلماء لهذه الرواية تأويلا لدفع هـذا التنافي بين الموقفين: [ ص: 114 ] موقف الشفقة والرفق بالمخلوقات، والكلب مخلوق من هـذه المخلوقات، وموقف آخر آمر بقتلهم، فحملوا الأمر على قتل الكلب العقور البهيم المؤذي دون ما سواه >[26] .

4- هـناك قاعدة أصولية تقول: ترك الاستفصال عن تفاصيل مسألة من المسائل من الشارع مع قيام الاحتمال الذي من شأنه أن يؤثر في الحكم الشرعي ينزل منزلة العموم في المقال >[27] .

وهذه القاعدة مستوحاة من صفات الشارع في البيان التشريعي، فما دام الشارع وهو بصدد بيان حكم المسألة لم يستفصل عن تفاصيل القضية المطروحة فإن تركه الاستفصال دليل على سريان الحكم في كل احتمال تقبله طبيعة ذلك النص ولا يتعارض معه، حملا لكلامه وتفسيرا له على ما يليق به، وتنزيها له عن النسيان والتناسي، أو الغفلة والتقصير في بيان الرسالة وتبليغها. [ ص: 115 ] الناظر في المنهج التشريعي يلمس أن أسلوبه صلى الله عليه وسلم في البيان قد بلغ الذروة في الدقة والظهور، فكان يأخذ بنظر الاعتبار كل ما يحيط بالخطاب من احتمالات، ولا يتركها، بل يقوم برفعها، فكيف إذا دعت إلى بيان الدقائق والتفاصيل حاجة ملحة؟

ومن أمثلة ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ) >[28] . فلما كان نهيه صلى الله عليه وسلم عن الجلوس عليها تضمن نوعا من التعظيم؛ فلم يترك هـذا الاحتمال الوارد، بل دفعه بتعقيبه النهي عن المبالغة في تعظيمها باتخاذها قبلة يصلون إليها.

ومن تطبيقات هـذه القاعدة، ( قول الرسول صلى الله عليه وسلم لغيلان بن سلمة بعد إسلامه، وكان له عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه: «أمسك أربعا وفارق سائرهن ) >[29] ، ولم يسأل صلى الله عليه وسلم غيلان عن كيفية وقوع العقد عليهن، هـل وقع العقد عليهن معا مرة واحدة، أو وقع مرتبا على التراخي؟ فتركه ( الاستفصال؛ دليل على أنه لا فرق بين أن تكون العقود قد تمت عليهن دفعة واحدة، أو على الترتيب، كما أن النص قد سكت عن [ ص: 116 ] وجود الأولياء، أو الشهود، أو المهور في تلكم العقود، مع أن المقتضي لها موجود، لكون الرجل حديث العهد بالإسلام، وتأخير البيان عن وقت الحاجة الفعلي لا يجوز.

فكل تلك الأمور يدخل في عموم الحكم، ما دام النص الشرعي قد أعرض ونأى عن بيان شروط وتفصيل قيود أثناء إمداد التصرف، أو الواقعة بالحكم الشرعي، فلا داعي بعد ذلك إلى استحداث شروط وقيود إضافية تتعدى هـذا العموم، فيقر القاضي المسلم صحة زواج غير مسلمين إذا أسلما، ولا يطالبهما بتجديد العقد بعد إسلامهما، وليس له أن يسأل عن توافر شروط العقد الإسلامي في هـذا الزواج، من حضور شاهدين، وإذن الولي، والكفاءة وغيرها، إذا كان العقد خلوا من محرمات الزواج المعروفة، كالنسب والرضاع والمصاهرة، وتقيد بالعدد المسموح به شرعا >[30] .

5- مما استدل به الأصوليون على حجية القياس الأصولي وصحة اعتماده؛ أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، والتي تجلت آثارها في تصرفات الشارع وعادته مع المخاطبين والعباد في التشريع والتكليف. [ ص: 117 ] فالقياس الأصولي الذي هـو إلحاق قضية جديدة غير معلوم حكمها في الشرع، بقضية أخرى معلوم حكمها، لوجود قاسم مشترك بينهما، مؤثر في الحكم، ومنظور إليه ومعتبر من المنظور التشريعي؛ فهذا القياس يعد وسيلة شرعية من وسائل تحقيق العدالة بين العباد، فما دام هـو المحقق للعدالة، فيحكم عليه بشرعيته وقبوله، لاجتماع نصوص التشريع على اعتبار العدل، ووجوب تحريه وتمثله دوما في التنظير والتطبيق الشرعيين.

فالحكم الشرعي لا يعد حكما محققا للعدل والمساواة إن لم يسو بين المتماثلين، فلو قال الشرع بتحريم الخمر مثلا، لأنها تذهب بنعمة العقل، فإن المخدرات المعروفة في عالمنا اليوم، هـي أيضا مذهبة للعقل ومفسدة له، فإن العلة التي من أجلها حرمت الخمر؛ موجودة بكاملها في تلك المواد، وأن مبدأ العدل في الإسلام يقضي بتحريم تلك المواد أيضا.

وفي هـذا يقول الإمام ابن القيم : «ومن عرف مراد المتكلم بدليل من الأدلة وجب اتباع مراده، والألفاظ لم تقصد لذواتها، وإنما هـي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريق كان عمل بمقتضاه، سواء كان بإشارة، أو كتابة، وبإيماءة أو دلالة عقلية، أو قرينة حالية، أو عادة له مطردة لا يخل بها، أو من مقتضى كماله وكمال أسمائه وصفاته، وأنه يمتنع منه إرادة ما هـو معلوم الفساد، وترك إرادة ما هـو متيقن مصلحته، وأنه يستدل على إرادته للنظير بإرادة نظيره، ومثله وشبهه، وعلى كراهة شيء بكراهة مثله، ونظيره ومشبهه، فيقطع العارف به وبحكمته وأوصافه؛ على أنه يريد هـذا، ويكره هـذا، ويحب هـذا، ويبغض هـذا، وأنت تجد من له اعتناء شديد بمذهب رجل وأقواله؛ كيف يفهم مراده من تصرفه ومذاهبه؟ ويخبر عنه بأنه يفتي بكذا، ويقوله، وأنه لا يقول بكذا، ولا يذهب إليه» >[31] . [ ص: 118 ] يقول الدكتور محمد فتحي الدريبي : «القياس يرتقي بالنص من أفقه اللغوي المحدود، إلى أفق منطقه التشريعي الرحب الذي لا حدود له. فأضحى بذلك خطة تشريعية اجتهادية لتحقيق العدالة في جميع مظان حكمها في الفروع المستجدة إلى ما لا نهاية، حتى لا تجد بينها تخالفا أو تناقضا، ولا نقصد بمنطق التشريع إلا هـذا» >[32] .

6- ومن نظر في مباحث الأدلة الشرعية، ومن ضمنها الأدلة التبعية، يجد أدلة تؤسس لمراعاة مصلحة الإنسان، والتي سمح الشارع - بل أوجب في كثير من الأحيان - للإنسان أن يعمل من أجل تحقيقها رحمة بهم، وتحقيقا للخير الذي بعث من أجل نشره، وإقراره رسولنا الكريم. [ ص: 119 ] ومن تلك الأدلة؛ المصالح المرسلة ، وهي ما شهد التشريع على الاعتداد بها إجمالا، لاشتمالها على وصف مناسب معتد به شرعا، وسميت مرسلة لإطلاقها من الخطاب التفصيلي الجزئي الخاص، وليس لإطلاقها من الخطاب الشرعي كليا.

فهي إلحاق مسألة من المسائل المشتملة على وصف مناسب بأصل عام، أو قاعدة عامة مستقاة من نصوص عدة في الحكم، استجابة لتحقيق الخير للعباد والبلاد، والأصل الذي اعتمد للإلحاق هـنا أوسع من الأصل الجزئي الذي اعتمد في القياس الأصولي.

ودليل آخر هـو الاستحسان ، وهو عبارة عن قاعدة الاستثناء استجابة لتحقيق المصلحة ودفع الحرج والعنت عن المكلفين، فالحكم الشرعي هـنا يأتي على خلاف الحكم العام، ويعدل المجتهد عن حكم النظير، لأن المقايسة في الفرع الجديد، وتأسيسه على القاعدة الكلية، أو الأصل المقيس عليه؛ قد تفضي إلى هـدر مصلحة معتبرة، أو حق ثابت، وأن مصلحة العدول تربو مصلحة قياس النظير على النظير، بل قد يسبب القياس هـنا في إحداث مفسدة مادية أو معنوية، والتشريع يعمل عمله الجاد في دفعها قبل الوقوع، ورفعها إذا وقعت.

أو ينتقل المجتهد في إجراء الاستحسان من الحكم الشرعي الأصلي من غير ملاحظة الملابسات التي تحيط بالمكلف؛ إلى الحكم الشرعي الراعي [ ص: 120 ] لظروفه، وكل ذلك نابع من طبيعة التشريع الآمرة بالتيسير والتسهيل، بغية إخراج المكلف من كل ظاهرة معارضة للرحمة الشاملة التي وسعت كل شيء، وغلبت الشدة والضيق، والعنت والحرج.

يقول الإمام الشاطبي في مقتضى الاستحسان : «ومقتضاه الرجوع إلى تقديم الاستدلال المرسل على القياس؛ فإن من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشهيه، وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك الأشياء المفروضة؛ كالمسائل التي يقتضي القياس فيها أمرا إلا أن ذلك الأمر يؤدي إلى فوت مصلحة من جهة أخرى، أو جلب مفسدة كذلك. وكثير ما يتفق هـذا في الأصل الضروري مع الحاجي، والحاجي مع التكميلي، فيكون إجراء القياس مطلقا في الضروري يؤدي إلى حرج ومشقة في بعض موارده، فيستثنى موضع الحرج» >[33] .

ودليل آخر من تلك الأدلة؛ دليل الذرائع سدا وفتحا، بما أن التشريع الإسلامي يحاول استجلاب المصلحة وتكثيرها، واستئصال المفسدة وتقليلها دون مساومة، فلذلك فتح كل الطرق والوسائل المشروعة المؤدية إلى المصلحة والخير، وسد كل الطرق والوسائل المفضية إلى المفسدة والشر، إذ كيف يتصور هـذا التشريع الصادر من عليم حكيم، ينشد [ ص: 121 ] المصلحة؛ ثم يغلق النوافذ المفتوحة عليها، ويمنع المفسدة، ثم يفتح الطرق المؤدية إليها؟!

وفي بيان هـذا المعنى يقول الإمام ابن القيم : «فإذا حرم الرب تعالى شيئا، وله طرق ووسائل تفضي إليه؛ فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقا لتحريمه، وتثبيتا له، ومنعا أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه؛ لكان ذلك نقضا للتحريم، وإغراء للنفوس به، وحكمته تعالى وعلمه يأبى كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك... فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هـي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟» >[34] .

ودليل العرف والحكم الاستثنائي، ومبدأ الرخصة ومراعاة الضرورة والحاجة وغيرها، المبثوثة في علم أصول الفقه؛ ما هـي إلا مفردات أصولية نزلت على مراعاة حال المكلفين، ومراعاة ظروفهم وواقعهم العملي، كي ترفع عنهم الحرج والمشقة غير الطبيعية، وهي ضمانات لإصباغ هـذه الأحكام بصفات الشارع من الرحمة غير المتخلفة عن أصول الإسلام وفروع أحكامه، ولإثبات حقيقة صدورها من العليم بواقع حال المكلفين وما هـم فيه، الحكيم في وضع الشيء مواضعه، وهو ما يعضد واقعية هـذا [ ص: 122 ] التشريع، ويزيد في إمكانية تطبيقه في كل زمان ومكان، ويرسخ دعائم صلاحيته وسلطانه من دون أن يطرأ عليه انتهاء مدة هـذه الصلاحية.

7- بناء على ما عليه الشارع من الصفات في أنه لا يحابي أحدا من العباد، وأنهم متساوون أمام الأحكام الشرعية، وأنه لا ازدواجية في التعامل معهم، فإن كل من سرق وثبتت سرقته بوسائل الإثبات المعتبرة؛ يعاقب بعقوبة واحدة، وما جاز لهذا يجوز لغيره، هـذا هـو الأصل التشريعي.

ومن هـذا المنطلق أجاب الأصوليون عن قضية مفادها: ثمة أحكام شرعية نزلت أو وردت بصيغة عامة على أسباب خاصة، وهي القضية المسماة بنزول العام أو وروده على سبب خاص، فهل هـذه الأسباب لها التأثير على اللفظ العام بالتخصيص، فيكون الحكم الذي جاء بصيغة عامة حكما خاصا بالشخص، أو بالواقعة التي نزل فيها أو ورد فيها الحكم العام؟

ومثال ذلك؛ ( ما قاله أبو هـريرة رضي الله عنه : سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) >[35] . فلفظ «ماؤه» عام، لأنه مفرد مضاف إلى المعرفة، [ ص: 123 ] فيعم حالتي السعة والاضطرار، والسائل وغيره. فهل العبرة بهذا العموم، أو الحكم خاص بالسائل، وبظروفه الخاصة التي أوردها في السؤال؟

يقول الإمام ابن تيمية (ت728هـ) : «فليس شيء من الآيات مختصا بالسبب المعين الذي نزل فيه باتفاق المسلمين، وإنما تنازعوا؛ هـل يختص بنوع السبب المسئول عنه؟ وأما بعين السبب؟ فلم يقل أحد من المسلمين: إن آيات الطلاق، أو الظهار، أو اللعان، أو حد السرقة والمحاربين، وغير ذلك يختص بالشخص المعين الذي كان سببا لنزول الآية، وهذا الذي يسميه بعض الناس تنقيح المناط» >[36] .

وإن كان هـناك من ذهب إلى أن العبرة بخصوص السبب؛ فإنه لم يقل بأن الحكم الشرعي لا يتعدى صاحب الواقعة، بل قال بتعدي الحكم إلى كل من يشترك مع من نزل فيه الحكم في تلك الصفات، لا عن طريق اللفظ، وإنما عن طريق القياس الذي هـو الآخر دليل معتبر، ومنه يعلم حصول الاتفاق بين علماء المسلمين على أن الجميع متساوون أمام الحكم الشرعي، ولا فرق، [ ص: 124 ] يقول ابن عاشور : «لا يتخلف إلا عند وجود مانع، فلا يحتاج إثبات التساوي في التشريع بين الأفراد، أو الأصناف؛ إلى البحث عن موجب المساواة، بل يكتفي بعدم وجود مانع من اعتبار التساوي» >[37] . ويقول أيضا: «إن التماثل في إجراء الأحكام والقوانين عون على حصول الوحدة الاجتماعية في الأمة» >[38] .

8- النص الشرعي قد يرد مطلقا، فيدل على الشائع المنتشر من جنسه، وقد يرد مقيدا بقيد أو أكثر، يقلل من شيوعه، وانتشار مجال تطبيقه، فإذا كان القيد قد ورد لهذه الإفادة؛ فإنه قيد معتبر، ينظر إليه أثناء تطبيق النص.

ولكن قد يرد القيد، ولا يفيد هـذه الفائدة التشريعية، لربط الحكم به حالة وجوده، وللحكم بنقيض الحكم المنطوق به في حالة تخلفه، وهذه القضية تحدث عنها الأصوليون تحت عنوان مفهوم المخالفة.

وكانت وجهة نظر الأصوليين تجاه هـذا الموضوع مختلفة. فقال الجمهور بحجية المفهوم المخالف، وذهب الحنفية إلى عدم حجيته في نصوص التشريع دون خطابات الناس. والذين ذهبوا إلى حجيته لم يكن كلامهم عنه مطلقا، وعاما من غير شروط، بل وضعوا شروطا لتمييز القيد المعتبر من غيره. وقالوا: قد يرد القيد ولا يدل على أن نقيض حكم [ ص: 125 ] المنطوق يطبق في حالة تخلف هـذا القيد، وبقولهم: إن قيدا ما من القيود الواردة في النص قيد غير معتبر؛ التقوا مع الحنفية .

والذي يهمنا في هـذا المقام حصول اتفاق بين الأصوليين قاطبة في عدم اعتبار قيد وارد في النص الآتي، وكان مستندهم في ذلك النظر إلى ما عليه الشارع الحكيم من صفات وعادات تشريعية. فالقيد الزماني «فيهن» في قوله تعالى: ( إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) (التوبة:36) ؛ قيد غير معتد به، ولم يجعله الشارع أساسا في تحريم الظلم، حتى يتوقف عليه التحريم، فلا يدل عن طريق مفهوم المخالفة على إباحة الظلم في غير الأشهر الحرم، لأنه قد حرم الظلم على نفسه، وعلى عباده بنصوص محكمة في جميع الأوقات، كما سبقت الإشارة إلى بعض تلك النصوص.

9- وأخيرا، حري بنا جلب انتباه المتصدرين لتفسير النصوص التشريعية، واستنباط الأحكام منها؛ إلى ما أورده الأصوليون في هـذا الصدد. فمنهم من أشار إلى أهمية استحضار واستصحاب هـذا البعد مطلقا في مورد النص وغيره، وأطلق عليه مصطلح «نفس الشرع»، [ ص: 126 ] فهذا سلطان العلماء العز بن عبد السلام السلمي (ت 660هـ) يقول: «ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد؛ حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هـذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هـذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها إجماع ولا نص ولا قياس خاص، فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك. ومثل ذلك أن من عاشر إنسانا من الفضلاء الحكماء العقلاء، وفهم ما يؤثره ويكرهه في كل ورد وصدر، ثم سنحت له مصلحة، أو مفسدة لم يعرف قوله فيها؛ فإنه يعرف بمجموع ما عهده من طريقته وألفه من عادته أنه يؤثر تلك المصلحة، ويكره تلك المفسدة» >[39] .

وهذا الإمام ابن تيمية رحمه الله يضع أمامنا حتمية استحضار ما عليه المخاطب من صفات وعادات ومقاصد، حيث يقول: «حال المتكلم والمستمع لا بد من اعتباره في جميع الكلام، فإنه إذا عرف المتكلم فهم من معنى كلامه ما لا يفهم إذا لم يعرف، لأنه بذلك يعرف عادته في خطابه» >[40] .

وبمثل ما قاله الإمام ابن تيمية ؛ [ ص: 127 ] قال الإمام الشاطبي في معرض حديثه عن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن: «إن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن، فضلا عن معرفة مقاصد كلام العرب، إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال: حال الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطب، أو المخاطب، أو الجميع، إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب الحالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك» >[41] .

وأكد الإمام ابن القيم على أن كل حكم، أو تفسير خرج به المفسر عن العدل والرحمة، والحكمة والمصلحة؛ فإنه تفسير غريب، لا يمت إلى الشريعة بصلة، ولو تكلف إدخاله فيها بالتأويل، وهذا نص كلامه: «إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه، وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها» >[42] . [ ص: 128 ]

ويقول في موضع آخر: «من كان له نصيب من معرفة أسمائه الحسنى، واستقرأ آثارها في الخلق والأمر؛ رأى الخلق والأمر منتظمين بها أكمل انتظام، ورأى سريان آثارها فيهما، وعلم ما يليق بكماله وجلاله أن يفعله، وما لا يليق، فاستدل بأسمائه على ما يفعله، وما لا يفعله، فإنه لا يفعل خلاف موجب حمده وحكمته، وكذلك يعلم ما يليق به أن يأمر به ويشرعه، مما لا يليق به، فيعلم أنه لا يأمر بخلاف موجب حمده وحكمته، فإذا رأى في بعض الأحكام جورا وظلما أو سفها وعبثا ومفسدة، أو ما لا يوجب حمدا وثناء، فليعلم أنه ليس من أحكامه ولا دينه، وأنه بريء منه ورسوله صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه إنما أمر بالعدل لا بالظلم، وبالمصلحة لا بالمفسدة، وبالحكمة لا بالعبث والسفه، وإنما بعث رسوله صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة، لا بالغلظة والشدة، وبعثه بالرحمة لا بالقسوة، فإنه أرحم الراحمين ورسوله رحمة مهداة إلى العالمين، ودينه كله رحمة، وهو نبي الرحمة، وأمته الأمة المحمودة، وذلك كله موجب أسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحميدة» >[43] .

ما قاله ابن القيم يجب اعتباره وتنزيل خطابات الشارع عنده، فتلك المعاني مطلوبة، وقد دلت عليها جملة كبيرة من النصوص، وتبين من خلال الواقع المعيش حقا أنها رحمة وعدل وحكمة، وإذا أشكل فهم بعضها علينا، ولم نوفق في التماس وجوه الحكمة والمصلحة فيها؛ [ ص: 129 ] فواجبنا المتعين الاستسلام لها عن قناعة ويقين، لأن تلك الأحكام وأخواتها لا تخلو من عدل وحكمة ورحمة. قال ابن القيم مرة أخرى: «فمن وصل إليها فليحمد الله، ومن لم يصل إليها فليسلم لأحكم الحاكمين، وأعلم العالمين، وليعلم أن شريعته فوق عقول العقلاء، وفوق فطر الألباء» >[44] .

وصدق الشاعر إذ قال:

عاب التفقه قوم لا عقول لهم وما عليه إذا عابوه من ضرر     ما ضر شمس الضحى والشمس طالعة
أن لا يرى ضوءها من ليس ذا بصر

[ ص: 130 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية