حقوق الإنسان في ضوء الحديث النبوي

الأستاذ / يسري محمد أرشد

صفحة جزء
المبحث الأول: الضمانة الأخلاقية

1- مفهوم الضمان والأخلاق

مفهوم الضمان في اللغة يدل على عدة معان، منها: ضمن الشيء وبه ضمانا: كفـل به، وضمن إياه: كفله، وفلان ضامن وضمين: كافل وكفيل >[1] . وفي الحديث، ( يقول رسـول الله صلى الله عليه وسلم : تضمن >[2] الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي وإيمانا بي وتصديقا برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه... ) >[3] . وفي الاصطلاح عرف فقهاء المسلمين الضمان تعريفات متعددة المعاني، نذكر منها هـنا ما هـو أوفق لمقصود بحثنا هـذا، وهو أن الضمان: «ما يجب في الذمة رفعا للضرر الناشئ بمخالفة العقد أو بارتكاب فعل أو ترك حرمة الشارع في ذاته وباعتبار ما يئول إليه من مفاسد» >[4] . أما مسألة الأخلاق فقد كانت دائما ومنذ فجر التاريخ موضوع جدل ونقاش بين كل من الحكماء وعلماء الدين والفلاسفة، وذلك بسبب الاختلاف حول دلالات مفهوم مصطلح الأخلاق عندهم وتعدد تعريفاته، التي سنذكر هـنا [ ص: 142 ] أرجحها، كما نرى: الأخلاق جمع خلق، والخلق يطلق في اللغة على السجية والعادة والمروءة والدين.. والأخلاق بالمعنى الديني تكون عبارة عن نظام من العمل غايته تحقيق الحياة الخيرة، ونمط من السلوك مع النفس والغير» >[5] .

وقيل: هـي مجموع قواعد السلوك الثابتة التي تصلح لكل زمان ومكان.. ويسمى العلم الذي يبحث في هـذه الأخلاق بفلسفة الأخلاق ، وهي الحكمة العملية التي تفسر معنى الخير والشر.. وتنقسم إلى قسمين: أحدهما عام مشتمل على مبادئ السلوك الكلية والآخر خاص مشتمل على تطبيق هـذه المبادئ في مختلف نواحي الحياة الإنسانية. وجماع ذلك كله تحديد ما يجب أن يكون لا وصف ما هـو كائن في الواقع >[6] .

ومن المفاهيم الاصطلاحية للأخلاق: أنها حال للنفس الراسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية. وعلى ذلك فغير الراسخ من أحوال النفس لا يكون خلقا. مثال ذلك أن من يبذل المال في أحوال عارضة لا يقال إن خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه >[7] .

2- بين الأخلاق والدين

الأخلاق والدين مفهومان متلاصقان ومتلازمان جدا إلى درجة أنه من الصعوبة بمكان أن نرسم خطا فاصلا بينهما.. / ( يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : بعثت [ ص: 143 ] لأتمم حسن الأخلاق ) >[8] .. ( ويقول لأبي ذر ، رضي الله عنه : اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن ) >[9] .

( ويقول صلى الله عليه وسلم : اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم ) >[10] .

إن الصفات الأخلاقية، التي يمكن استخلاصها من هـذا الحديث وغيره، تعتبر الإيمان بالله تعالى وتوحيده والتقرب إليه بالعبادات والطاعات عاملا أساسيا ومهما في جميع الصفات الأخلاقية في الإسلام. ( يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : الإيمان بضع وسبعون، أو بضـع وستون، شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ) >[11] .

فالصفات الأخلاقية في الإسلام قيم مستمدة من دين الله والإيمان به، وهي صفات ملزمة ينبغي توفرها في كل فرد من أفراد الأمة الإسلامية، لتصبح من ثم عاملا أساسا لضمان تنفيذ حقوق الإنسان.

ولعل من أهم هـذا الصفات ذات العلاقة الوثيقة بالوازع الديني :

أ- الشعور بالأمن النفسي

أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن شعور الفرد بالأمن في الجماعة إنما هـو من الأسباب المهمة للشعور بالسعادة: فعن عبيد الله بن محصن الخطمي عن [ ص: 144 ] أبيه، وكانت له صحبة، رضي الله عنهما ، ( قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من أصبح منكم آمنا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا ) >[12] .. وفي هـذا تنبيه إلى ثلاثة أسباب رئيسة للسعادة، هـي: الشعور بالأمن مع الجماعة، وصحة الجسم، والحصول على القوت.

ب - الاعتماد على النفس

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه الاعتماد على النفس وتولي شؤونهم بأنفسهم. ( فعن أبي هـريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه ) >[13] .

ج- الثقة بالنفس

زادت التربية النبوية من ثقة المسلم بنفسه، وعملت على تخليصه من الشعور بالنقص والضعف والخوف، وحثته على الاعتزاز بالنفس، وعلى الشجاعة في إبداء الرأي، والتعبير عن أفكاره ومشاعره، دون خشية من الناس.. ( يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ألا لا يمنعن رجلا هـيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه ) >[14] .

ومما يساعد على ثقة الإنسان بنفسه أن يكون مفهومه عن ذاته حسنا وطيبا، فلمفهوم الإنسان عن نفسه تأثير كبير في سلوكه وأخلاقه. [ ص: 145 ]

د- الشعور بالمسئولية

ومن الصفات المهمة للشخصية السوية شعور الفرد بالمسئولية في شتى صورها. وإذا شعر كل فرد في المجتمع بالمسئولية نحو غيره من الناس، الذين يكلف برعايتهم والعناية بهم، ونحو العمل الذي يكلف بالقيام به، ونحو المصلحة العامة للمجتمع بأسره، يتقدم المجتمع ويرتقي ويعم الخير جميع أفراد المجتمع. ( فعن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.. ) >[15] .

هـ- تأكيد الذات والاستقلال في الرأي

كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينمي في أصحابه تأكيد الـذات والاستقلال في الرأي، وتجنب التبعية العمياء «للغير» في آرائهم وأعمالهم، ويدعوهم إلى أن تكون مواقفهم صادرة عن تفكير منهم وروية وإرادة حرة واختيار شخصي : ( لا تكونوا إمعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا ) >[16] .

و- الصبـر

وهو قدرة الفرد على تحمل مشاق الحياة، والصمود في مواجهة الشدائد والأزمات، والصبر على كوارث الدهر ومصائبه. ( يقول النبي صلى الله عليه وسلم : «ما يصيب المسلم من نصب، ولا وصب، ولا هـم، ولا حزن، ولا أذى، ولا غم [ ص: 146 ] حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ) >[17] .. ( ويقول صلى الله عليه وسلم : إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة ) >[18] .. ( ويقول: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط ) >[19] .

إن مثل هـذه الأحاديث تعلم المسلمين الصبر على شدائد الدهر ونوائبه، وتقبلها بنفس راضية بقضاء الله، مؤمنة بأن في البلايا التي تحل بهم خيرا كثيرا لهم، فهي تمحو الخطايا، وتزيد من الحسنات، وترفع الدرجات عند الله.

إن هـذه الخصال والأخلاق ذات علاقة وثيقة بالوازع الديني، الذي يتكون في ضوء علاقة الإنسان بالله.. ويهدف الإسلام من اهتمامه بالأخلاق وتأكيده عليها إلى الترقي بالإنسان، وجعله في أسمى مكانة بما يحمل بين جنبيه من نفحة علوية، ليكون خليفة الله في أرضه، بما أسبغ عليه من نعمه الظاهرة والباطنة.

وتعين الأخلاق الدينية الصحيحة على ترسيخ القيم الإيجابية في المجتمع، كالتآخي والتعاون واحترام الذات البشرية وحفظ الحقوق. فعن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم فتح مكة فقال: «يا أيها الناس، إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتعاظمها بآبائها، فالناس [ ص: 147 ] رجلان: بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هـين على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، قال الله: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) ) (الحجرات:13) » >[20] .

وهذا هـو السر في صلاحية القيم الأخلاقية في الإسلام على مر الزمن واختلاف الأمم، وهي آية على صلاحية الإسلام لتأسيس الحضارة الإنسانية عليه.

3- القيم الأخلاقية وضمانها في تحقيق الأهداف

إذا ما نظرنا إلى الشريعة الإسلامية نجد أن جميع أوامر الإسلام ونواهيه أخلاقية في معظمها، بالإضافة إلى كونها أمورا قانونية شرعية.. فعلى سبيل المثال، فإن السرقة فعل مناف للأخلاق، ليس فقط في المجتمع الإسلامي بل في جميع المجتمعات البشرية، وفضلا عن كونها تشكل جريمة وفقا للقانون، حيث تعرض مرتكبها إلى العقاب بموجب القانون، إذا أثبتت التحقيقات ارتكابه لها. أما أخلاقيا فإن ارتكاب هـذا الفعل يعتبر خطيئة. ولهذا نجد أن مرتكب السرقة وغيرها من المنكرات مقيد بنوعين من القيود، قيود قانونية وقيود أخلاقية، فإذا حاول هـذا الشخص -على سبيل المثال- خداع القانون بأي طريقة من الطرق فإنه يكون ملتزما أخلاقيا ولا سبيل له للتخلص من المسئولية الأخلاقية، ويمكن في هـذه الحالة اعتبار الوظيفة الأخلاقية بمثابة قوة إضافية للقانون تزيد من قدرته على تحقيق المصالح العامة والحفاظ عليها >[21] [ ص: 148 ] وكذلك، فإن الأخلاق تضطلع بدور مهم في ضمان تحقيق قيم إنسانية أخرى لا يمكن السيطرة عليها بوساطة القانون، منها على سبيل المثال، نكث الوعد، وهو الشيء الذي لا يمكن تجريمه قانونا إلا إذا كان النكث يؤذي إلى حد ما مصالح شخص معين. ولكن أخلاقيا يشكل هـذا الفعل بصرف النظر عن مدى ضرره أو تأثيره فعلا خاطئا.

وهذا ما يوضح مدى مسيس الحاجة إلى وجود ضمير حي يتحكم في تصرفات الناس وأفعالهم بالحق.. ويعرف الحديث النبوي النفس البشرية بصفة عامة، على أنها كيان ذو وجهين: وجه ينـزع إلى الفجور، ووجه آخر ينـزع إلى التقوى. ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ بالله من الشيطان الرجيم... ) >[22] ومن ثم يجب تنمية هـذا الوجه الأخير عن طريق تطوير القيم الأخلاقية والروحية والدينية التي يتزود بها.

هناك الكثير من القيم الأخلاقية التي ينبغي على الشخص أن ينميها في نفسه حتى يصبح إنسانا فاضلا، أي أن الإسلام حريص كل الحرص على نشر الفضيلة التي يجب على الناس اتباعها في جميع ضروب سلوكياتهم، بصرف النظر عما إذا كان التصرف خاصا أو عاما في السر والعلن. ومن [ ص: 149 ] ناحية أخرى فإن الهدف من وضع القيود الأخلاقية هـو ضمان الحفاظ على حقوق الناس وأعراضهم وشرفهم. ومن القيم الأخلاقية المهمة التي تمثل إطارا نفسيا مناسبا للعلاقات الإنسانية ولحفظ الحقوق:

أ- الصـدق

وهو إحدى الفضـائل الأخلاقية، التي يؤكدها الإسـلام، ويوجب على كل فرد من أفراد المجتمع الالتزام بها والحرص عليها، حتى يمكن التفريق ما بين الصواب والخطأ، بهدف تحقيق العدالة وإرساء الحقوق، ولأن من كمال الإيمان، الذي هـو التصديق بوحدانية الله وبما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، زيادة الأعمال وصلاحها، وهو ما أشار إليه ( قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون، شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ) >[23] ، مما يدل على ارتباط كمال الإيمان بالأعمال الصالحةوأما ارتباط الصدق بالبراءة من النفاق، فيشير إليه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من علامات المنافق ثلاثة: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان ) >[24] .. فالكذب إذن ظلم يحرم الناس من حقوقهم القانونية والأخلاقية؛ لأنه يحجب عنهم الحقيقة. [ ص: 150 ]

ب - العـفـو

إن الله قد خلق الإنسان مخلوقا غير كامل كمالا مطلقا؛ لأن ذلك من صفات الله وحده، ومعنى هـذا أن الإنسان معرض للخطأ بصورة طبيعية. فتبدو الحاجة مؤكدة إلى العفو والتسامح كسلوك أخلاقي يحرص الناس على التحلي به حتى تغمر السعادة الشخص المتسامح. ومن ناحية أخرى يؤدي التسامح والغفران إلى إعفاء الشخص المسيء من وزر فعلته، التي ارتكبها بسبب ضعفه وعدم كماله. والتسامح بهذا المعنى سلوك متبادل مطلوب كأخلاق واقعية لتخليص الإنسان من معاناته الناشئة عن قصوره الذاتي، ولأن الكل غير كامل، فإن التسامح واجب الجميع. وقد أشارت إلى ذلك الأحاديث النبوية التالية:

( عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: «الحنيفية السمحة ) >[25] >[26] .. ومعنى ذلك أن السماحة وصف الإسـلام، وهي تعني سهولة المعاملة في اعتدال محمود فيما يظن الناس التشديد فيه، إذ هـي وسط بين التضييق والتساهل دون إفراط [ ص: 151 ] ولا تفريط >[27] . ( فعن جابر ، رضي الله عنه ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا، ولكن بعثني معلما ميسرا ) >[28] .

وهذا يعني، أن الله تعالى لم يبعث رسوله ليشق على عباده وليشدد عليهم، ولكن بعثه ليعلمهم وييسر أمورهم، ويأخذ بأيديهم، ويرشدهم إلى الحق، ويساعدهم على اتباعه، ويبعدهم عن المشقة واتباع الهوى.. وهنا بعض النماذج من تسامح النبي صلى الله عليه وسلم إبرازا للجانب التطبيقي لهذا المبدأ الإسلامي ببيان كيف كانت معاملته صلى الله عليه وسلم لغيره، سواء كان قريشيا أو أعرابيا أو يهوديا أو نصرانيا؟

- تسامحه مع قريش

( عن عبد الله بن عباس ، رضي الله عنهما ، قال: فلما أسروا الأسارى -يوم بدر- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر : ما ترون في هـؤلاء الأسارى؟ فقـال أبو بكر: يا نبي الله، هـم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ترى يا ابن الخطاب؟ قلت: لا والله [ ص: 152 ] يا رسـول الله، ما أرى الذي رأى أبو بـكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقـيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان -نسيبا لعمر- فأضرب عنقه، فإن هـؤلاء أئمة الكفر وصناديدها >[29] .. فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ... ) >[30] .

- تسامحه مع الأعرابي

( عن أبي هـريرة ، رضي الله عنه ، قال: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس.. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : «دعوه وهريقوا >[31] على بوله سجلا >[32] من ماء، أو ذنوبا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ) >[33] .

- تسامحه مع اليهودي

( كان سهل بن حنيف وقيس بن سعد، رضي الله عنهما ، قاعدين بالقادسية، فمروا عليهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض، أي من أهل الذمة، فقالا: إن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام فقيل له: إنها جنازة يهودي.. فقال: أليست نفسا ) >[34] . [ ص: 153 ]

- تسامحه مع النصارى

وقدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخلوا عليه مسجده بعد العصر، فحانت صلاة الوفد، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله: «دعوهم».. فاستقبلوا المشرق وصلوا صلاتهم >[35] .

هذا هـو عمل الرسول صلى الله عليه وسلم طيلة حياته الشريفة، نشرا لقيم الخير والسلام وأخلاقيات التعامل الحضاري، وتجذيرا لثقافة التسامح لدى المسلمين، وغرسا للقيم النبيلة، مما سمح ببناء حضارة إسلامية رائدة ترتكن إلى العقل، وتقوم على الاجتهاد، وتنبذ كل أشكال التعصب والتطرف والتحجر والانغلاق >[36] .

ولا جدال في أن تميز القانون السماوي عن القوانين الوضعية إنما يكمن في سموه الأخلاقي بسبب أن القانون السماوي يعبر عن نفسه من خلال القيم الأخلاقية، بينما لا يهتم القانون الوضعي في معظم الأحيان إلا بالنواحي المادية فقط، وهذا لا يعني أنه بالضرورة ضد القيم الأخلاقية ولكنه أقل اهتماما بها في سلم أولوياته، وهذا يشكل بدوره إهدارا كبيرا لإحدى أولويات الإنسانية. [ ص: 154 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية