العربية تواجه التحديات

الأستاذ الدكتور / طالب عبد الرحمن

صفحة جزء
ثالثا: آراء شوبي :

ننتقل الآن إلى كاتب آخر، وهو «ي. شوبي E. Shouby» ، صرح بأنه يطبق الفرضية السابق ذكرها. وقد سمى الكاتب بحثه «أثر اللغة العربية في نفسية العرب» >[1] . وسوف نلخص أهم آرائه: - يذكر جملة ملاحظات عامة، مثل: العرب الآن أقل تمكنا في العربية من تمكن مثقفي القرون الوسطى من اللغة اللاتينية. وهناك ميل إلى المحافظة، والابتعاد عن الكلمات الأجنبية قدر الإمكان. - لبعد العرب عن الفصحى، فإنهم يفهمون الفصحى فهما غامضا. وهذا الفهم الغامض يستشعره الغربيون، والعرب أنفسهم، ممن تعلموا لغة أجنبية، وخاصة حينما يحاولون فهم النص بدقائقه. ويفسر الكاتب هـذا الغموض بالإرث التاريخي، كأن تكون المعاني غير محددة منذ بدايتها [ ص: 57 ] واستمرت كذلك، أو لأن معاني جديدة أدخلت فاختلط المعنى القديم بالجديد، أو بسبب التدفق الكبير للمعاني والمفاهيم الحديثة واضطراب الاستخدام ما بين كاتب وآخر. ويزيد الأمر سوءا صعوبة النحو العربي، وقواعده العويصة، مما يقيد حرية الكاتب في التعبير.

- بتضافر هـذين العاملين، الغموض في المعنى وصعوبة النحو، كانت النتيجة هـي التراخي في أداء الكتاب، الذين جعلوا هـمهم مراعاة الشكليات والأنماط والتراكيب اللغوية الجاهزة بحيث إن الكاتب لا يطوع اللغة لتكون وسيلة لإيصال الأفكار، بل يكيف أفكاره لتتلاءم مع التراكيب اللغوية الجاهزة والتي يستعيرها من الاستخدام العام.

- نتيجة لذلك لا يكلف الكاتب نفسه توضيح أفكاره، معتمدا على تخمين القارئ وحدسه في التوصل إلى المعنى. ومن مظاهر ذلك عدم الوضوح في عود الضمائر. ويذكر بيت الفرزدق ، مادحا إبراهيم بن إسماعيل خال هـشام بن عبد الملك :

وما مثله في الناس إلا مملكا أبو أمه حي أبوه يقاربه >[2]

بوصفه مثالا متطرفا، لا يفهمه حتى العرب أنفسهم. [ ص: 58 ]

- بناء على ما سبق، ونظرا لأهمية اللغة في حياة العربي، فإن من المتوقع أن يؤثر ذلك في نفسية العربي وعقليته.

تأسيسا على ما سلف، يقرر الباحث أن العربي لا يفهم فهما دقيقا ما خرج عن تخصصه, وأنه أجرى اختبار رورشاخ >[3] Rorschach على بعضهم. ولو كانت النتائج التي توصل إليها عند العرب هـي نفسها موجودة عند الأمريكيين لكانت دلالة على وجود ميول شيزوفرينية (فصامية) عند الأمريكيين، ولكنها عند العرب بسبب خصوصيات ثقافية وليست فردية.

- السبب في ذلك عند الكاتب هـو نمط الحياة والتجربة، ولكن أهم من ذلك عنده هـو اللغة العربية. فهناك لبس وغموض في الكتابة العربية، والقيود اللغوية، وجمـود في شكل اللغة العربية. وقد أدى ذلك إلى اضطراب التنظـيم عند العرب. ومن مظاهر سيطرة اللغة على العربي ما يأتي:

أ- التلاعب بالكلمات عنصر مهم في الأدب العربي.

ب- تهيمن النكتة القائمة على التلاعب بالألفاظ. [ ص: 59 ]

ت- الفكرة تتبع اللفظ، وليس العكس. وتصبح الفكرة بديلا عن الفكر. مثال ذلك أن الصـاحب بن عباد (326 - 385 هـ) عزل قاضيا لأن السجع اقتضى عزله، حينما قال له: أيها القاضي بقم، قد عزلناك فقم. ث- الأدب العربي يعنى بالأصـوات عناية فائقة، كالقافية، بحيث إنه لا يترك مكانا للمعنى. والكاتب العربي يسعى لإضفاء طابع السجع على كتابته أو الاقتراب من ذلك قدر الإمكان. ج- هـذا الاهتمام المبالغ فيه بالأصوات، الذي هـو سمة الثقافات القديمة، يعزز روح المحافظة في العربية، وسمة الغموض فيها. وبانفصال الكلمات عما تدل عليه، فهي تشبه لغة المريض بالشيزوفرينيا (الفصام) الذي تتوقف كلماته عن الدلالة على الأشياء نفسها عند معظم الناس. وهذا النوع من الاهتمام بالأصوات لا يشجع على إعمال العقل. ح- العربي يبدي انفعالا واضحا استجابة لأصوات اللغة، كما هـو الحال عند قراءة القرآن، بما يشبه التنويم المغناطيسي. وتلازم هـذه الانفعالية العربي حتى حينما يتكلم بلغة أجنبية. خ- هـذه الانفعالية تؤدي إلى تقليل القدرة على التفكير الواضح، والمناقشات اللفظية. ومن شأن هـذا أن يكون معديا فينتقل تأثيره إلى الحاضرين. وهذا بدوره يؤدي إلى كثرة عدم الاتفاق بين العرب. [ ص: 60 ] د- العربية مملوءة بصيغ المبالغة، مثل نون التوكيد، والتضعيف، وألفاظ مثل إن، وإعادة الضمائر وكلمات معينة. وقد تستخدم سلاسل طويلة من الصفات لوصف الكلمة نفسها.

ذ- مقابل ذلك، نجد اهتماما مفرطا بالتفاصيل على حساب إغفال الصورة الكلية. ونجد العربي يعطي للفكرة نفسها أوصافا عدة، بكلمات مختلفـة. وهذا الاهتمام الزائد بالكلمات هـو الذي يفسر كثرة أسماء الأسد، والسيف. بالرغم من وجود ذلك في اللغات كلها، فذلك بالغ الوضوح في العربية. الافتقار إلى الصورة الشاملة يعني الغموض عند الأديب والمتلقي.

ر- لما مر، تخفق الترجمة العربية في إعطاء الدقة والوضوح الموجودين في الأصل الإنجليزي, وخاصة في المواد المهمة.

ز- وبناء على ما سبق، نجد أمامنا نتيجتين، الأولى: العربي يؤكد كلامه باستمرار، فإذا لم يؤكده فإن هـذا قد يعني أنه غير جاد في كلامه. والثانية: إنه يسيء فهم كلام الأجانب حينما يتخيل أنـهم لا يقصدون ما يقولون لخـلو كلامهم من التأكيد، مما قد يقوده إلى فهم «لا» على أنها «نعم».

س- لكل إنسان ذاتان: واقعية ومثالية. يقابل هـذا مستويان من اللغة: عامي وفصيح. العامي للذات الواقعية، والفصيح للذات المثالية. [ ص: 61 ] ونتيجة لذلك تجد هـذا التناقض عند العربي: فهو يردد المثاليات التي تعلمها من خلال الفصحى، ولكنه قد يصل إلى أحط المستويات في سلوكه الواقعي. وهو يعترف أن هـذه الحالة موجودة عند الغربيين، وخاصة عند الساسة، ولكنها عند العرب فاشية منتشرة. بعد هـذا التلخيص، لابد أن أنبه إلى جملة قضايا:

1- لقد عاملت ما كتبه هـذا الرجل على أنه بحث، لسببين؛ أولهما: إنه منشور في مجلة أكاديمية. والثاني: إنه غالبا ما يشار إليه وكأنه إنجيل حديث في موضوعه >[4] . والواقع أنه لا يزيد عن لصق لمجموعة أحقاد لأمريكي من أصل عربي، حاول أن يربط تلك الأحقاد بخيط يبدو وكأنه خيط مستمد من علم النفس. وإن شاء الله فسنرد في الفصلين القادمين بعضا من الدعاوى التي ذكرها هـنا (اللهجات، صعوبة النحو..) . وبودنا أن نشير إلى مسائل أخرى.

2- خلا البحث من أية «حقيقة». بعبارة أخرى: ليست هـناك تجارب، أو استبانات أو ما يطلق عليه في فلسفة العلم بالمعلومات التي تتسم «بإمكانية التحقق». بعبارة أيسر: إذا قلت لك: إن عدد مواليد مدينة طرابلس خلال سنة 1999م بلغ 70000 فإن بإمكانك التحقق من صحة هـذا الكلام أو خطئه بمراجعة سجل الولادات لتلك السنة. [ ص: 62 ] فالتحقق من هـذا الرقم عام متيسر لكل من أراد ذلك، وليس بالأمر الشخصي. أما هـذا البحث فلا يزيد، في أحسن أحواله على انطباعات شخصية تشبه انطباع السائح. فلم نجد تجربة أو إحصاء يمكن التحقق منه. وإذا كان قد ذكر مصطلحا علميا هـنا، وفكرة هـناك، فهذا ليس إلا محاولة إيهام القارئ بأنه إزاء بحث علمي.

3- يسـتخدم المؤلف معايير للحكم ليست دقيقة. ما الغموض؟ وأين موطن الغمـوض: هـل يتـكلم عن غمـوض في نص في صحيفة، أم كلام للجاحظ، أم في شعر جاهلي؟ وهذا الغموض بالنسبة لمن: لشخص لا تزيد ثقافته على ما تعلمه في دراسته المتوسطة، أم لشخص ذي تعليم أعلى؟ وما درجة الغموض؟ ويبقى السؤال الذي يمتد إلى هـذا البحث برمته: ما الدليل؟ إن هـذه النقطة ركيزة لرأيه، فالغموض أدى إلى العناية بالشكل على حساب المضمون، وهذا أدى...إلخ، من غير أن يكلف نفسه بسبر غور هـذا المفهوم وإقامة الدليل عليه.

4- لا يشـير المـؤلف إلى أمثـلة لتوضيح ما يريد قوله وإثباته، وإنما نادرة هـنا، وطرفة هـناك. ومن الغريب حقا أن يستدل ببيت من الشعر يذكره العرب أنفسهم لا على أنه مثل أعلى، بل على أنه نموذج للغموض واضطراب عود الضمير >[5] . والمسألة الأخرى هـي ولع الصاحب [ ص: 63 ] ابن عباد بالسجع بحيث أدى به ذلك إلى عزل قاضيه بقم >[6] . والحالتان موضع استهجان، لا مدعاة فخر، عند العرب. وغريب حقا أن يلجأ الكاتب إلى هـذا النوع من المحاكمة. فنحن نذكر حاتم الطائي بوصفه مثلا أعلى في الكرم، وأبا رغال مثالا على الخيانة. وما يصنعه هـذا الكاتب يشبه معاملته لأبي رغال وكأنه مثل أعلى عند العرب، لكي يقوم بعد ذلك باستنباط القيم العربية!

5- انتقل المؤلف من الماضي إلى الحاضر ومن الحاضر إلى الماضي وكأنه يتحدث عن سنوات معدودة، وذوق واحد منسجم، مع أن الفرد نفسه يتغير في أثناء حياته، فكيف بالأمم والشعوب عبر قرون متعددة؟ إنه يتحدث عن ولع العربي بالسجع، وكان الأجدر به أن يحدد الزمن الذي يتحدث عنه، والكتاب، لأن الظاهر أن الكاتب يمسك بظاهرة لغوية في قطعة أو موقف فيجعل منها قانونا.

6- أما قوله بأن المثقفين الأوربيين في القرون الوسطى عرفوا اللاتينية أفضل من معرفة العربي للغته الفصحى، فلا شك أن هـذا الكلام موجه إلى القارئ الغربي الذي لا يعرف الصورة الحقيقية. فاللاتينية كانت «لغة» منفصلة كل الانفصال عن لغات أوربية عدة كالألمانية والإنجليزية...إلخ [ ص: 64 ]

(وإن كانت أقرب، نسبيا، إلى بناتها المسماة باللغات الرومانسية، كالفرنسية والإسبانية. ولكنها تبقى لغة أجنبية، تحتاج إلى تعلم) . ومن ثم كان عماد نظريته بناء من الرمل، لا غير.

7- يخلط الكاتب خلطا غريبا بين العربي، صاحب اللغة، واللغة العربية نفسها. فإذا افترضنا أن كلام العربي يتسم بعدم الوضوح، أو عدم الدقة، فهل في العربية نفسها ما يمنعه من ذلك؟ بعبارة أخرى؛ إن جملا مثل: اشتريت عددا هـائلا من الكتب، واشتريت عددا من الكتب، واشتريت ثلاثة كتب، نجد في الأولى مبالغة، وفي الثانية غموضا أو عدم تحديد، ونجد في الثالثة كلاما دقيقا. فهل كانت المبالغة والغموض بسبب اللغة أم بسبب الشخص الذي يستخدم اللغة؟ وإذا كان العربي يطرب لسماع أصوات لغته، فهل يريد كاتبنا أن يعيد تربيتنا؟ أم لا يصح الطرب إلا بما يطرب الغربي؟ وهل الكاتب باحث أم سائح يسجل انطباعاته؟ ومرة أخرى: أين الدليل؟

8- يزعم الكاتب أن مراعاة الشكليات، وتبعية الفكرة للقوالب اللغوية والأنماط النحوية المحددة، هـي الطابع الذي يطبع الكتابات العربية. وهذا يعني بالضرورة أن العدة الوحيدة الضرورية للكاتب هـي التمكن من النحو والألاعيب اللغوية، وأن المطلوب بعد التمكن من العدة اللغوية والنحوية هـو معـاملة التعـابير والتراكيب مثل أرقـام الهاتف: ما علينا [ ص: 65 ] إلا التقديم والتأخير في الأرقام نفسها. والفرق بين فكرة زيد وفكرة عمرو هـو اختلاف التعبير، مع تساوي المضمون. ويكفي أن ننظر إلى «بانوراما» الثقافة العربية (القديمة والحديثة على السواء) لدحض هـذا الرأي، لأننا سنجد تنوعا هـائلا: فهذا يكتب في الفلسفة وذاك في الأدب، وهذا في التاريخ وذاك في الطب، وهذا مؤمن وذاك متشكك.

9- يقول كتاب «علم النفس: مدخل وجيز جدا»: «حتى إذا كانت المعلومات المجموعة صحيحة ويعتمد عليها، فيمكن ظهور أخطاء في طريقة تفسيرها. فإذا نقل أن 90% من الذين يسيئون معاملة الأطفال كانوا هـم قد أسيئت معاملتهم حينما كانوا أطفالا، فمن السهل الافتراض أن معظم الذين أسيئت معاملتهم حينما كانوا أطفالا سيصبحون هـم أنفسهم من الذين يسيئون معاملة الأطفال... ولكن الواقع هـو أن المعلومات التي بين أيدينا لا تستتبع منطقيا هـذا التفسير. فالذين أسيئت معاملتهم في الطفولة لا يودون تكرار هـذا النمط من السلوك» >[7] .

يبين لنا هـذا النص أمرين:

الأول: ضرورة توفر صحة المعلومات المقدمة. وهذا يعني، باختصار، أننا يجب أن نتعامل مع مئات، وربما آلاف، العينات. وهناك تفاصيل [ ص: 66 ]

كثـيرة في اختيار نوع العينات (تمثيلها لمختلف الشرائح المعنية، عشوائيتها...إلخ) . أما الكاتب الذي عرضنا لأفكاره فالظاهر أنه أجرى هـذا الاختبار على شخص أو شخصين (لأنه كان سيذكر لنا معلومات عن عيناته، وكيف اختارها،...، ولكنه لم يفعل) ، ولم نعرف البقع التي عرضت ولا كيفية استجابة المفحـوص. وبطبيعة الحال من الممـكن أنه لم يجر هـذا الاختبار أصلا!

الثاني: أهمية صحة التفسير. فالباحث يرتكب خطأين ؛ فعيناته فرد أو فردان (إن كان قد أجرى الاختبار) ، ثم يقـفز من استجابة العينات إلى الحكم بأن اللغة هـي السبب. كيف عرف أن اللغة هـي السبب؟ لماذا لم تكن القضية فردية أصلا؟ هـل اللغة هـي التفسير الوحيد الممكن؟ هـل أجرى اختبارات مماثلة لأناس يشابهون العرب في وضعهم اللغوي (وهم كثر، لأن وضعنا هـو القاعدة، وليس العكس، كما سنرى في الفصلين القادمين) . فإذا صعب تفسير الإساءة إلى الطفل، فلماذا يسهل التفسير بتأثير اللغة؟ وكيف يجرؤ على التلميح إلى إصابة ملايين بالفصام (الشيزوفرينيا) مستندا إلى اختبار شخص أو شخصين؟

10- يبدي الكاتب جهلا كبيرا باللغة. فهو لا يدرك أن هـناك عادات لغوية للمتكلمين وقد تختلف من لهجة إلى أخرى. فلهجة الكوكنيCocKney في لندن تميل إلى استعمال السجع الآن، وإلى المبالغة [ ص: 67 ] مثلها مثل العاميات الأخرى >[8] . والإنجليز يكثرون من استخدام الأسئلة الذيلية question tags (أليس كذلك؟ هـل الأمر كذلك؟ wasn"t heا does heا Isn"t itا...إلخ) وكأن المتـكلم يطـلب تأكيدا أو موافقة من المسـتمع. ومن ثم تلـجأ الإنجـليزية إلى التأكيد كمـا تلجأ العربية ولغات البشر، ولها أساليبها المتمثلة في التأكيد «emphasis» والإبراز «foregrounding» وترتيب الكلمات «word order» وغير ذلك، فأين الضرر في ذلك؟ وتستخدم الإنجليزية، في الكلام خاصة، تعابير مثل: you Know, well. وهذه عادة الناس في الكلام، ولكننا نلاحظ اختفاء معظم هـذه الظواهر في الفصحى. وهذه التفرقة لم يلتفت إليها الكاتب فخلط بين العامية والفصحى. أما كلامه الذي يوحي بأن النكات القائمة على التلاعب بالألفاظ، والقافية تقتصر على العربية فأمر غريب. لأن التورية pun من الأساليب المعروفة >[9] وكذلك القافية. ويندرج ضمن جهله الفاضح باللغة هـو ما يوحيه كلامه بانفراد العربية بالفصحى في كونـها مستودع الأدب والكتابات الراقية، وأنها لا يمكن أن تكون بمتناول الإنسـان الأمي مثلا. وهل يستطيع هـو، أو غيره أن يزعم أن كتابات عمالقة الأدب الإنجليزي ( شكسبير ، ملتون ،..) مفهومة [ ص: 68 ]

لكل من هـب ودب من الإنجـليز؟ وأستطيع أن أزعم أن مسافة شعر المتنبي عن العربي، الذي أنهى الدراسة الإعدادية (ما قبل الجامعة) أقل من مسافة شعر شكسبير عن الإنجليزي بالمستوى الدراسي نفسه (وهناك أدباء إنجليز أصعب من شكسبير بكثير) ، فلماذا لا يصابون هـم بما يزعم أننا مصابون به؟

إن خـلاصة الخـلاصة في هـذا كـله لا يزيد عـلى الدعـوة إلى إلغاء الفصـحى تمـاما؛ لأنها -على زعمـه- تعيق الفهم (وهو موضوع الفصل القادم) . ولا أدري لماذا لا يبدأ بدعوة الأمريكان ليبادروا هـم بإلغاء الأمريكية العامة (التي سنأتي على ذكرها) ؟ لقد حاول هـذا الرجل إضفاء الطابع السيكولوجي على دعوته، كي يصدقها من لا يعرف حقيقة الأمر.

11- وما ذكره عن الترجمة فليس صحيحا. فهناك آلاف الكتب التي ترجمت وتترجم إلى العربية في مختلف ميادين المعرفة، ومنها العلوم والآداب وغيرهما.

وبالرغم منذ ذلك، لا يخلو كلامه من إغفال لجوانب أساسية. فهناك عدم استقرار المصطلح، لاختلافات فردية وإقليمية، بحيث إن «هيلكوبتر»، مثلا، قد نجد لها أكثر من مقابل عربي (مروحية، حوامة، عمودية، سمتية...) . فضلا عن عدم ترسخ أصول الترجمة، كالخطأ في [ ص: 69 ] معاملة الكلمة، وليس الجملة، وحدة للترجمة، وعدم مراعاة الترابط بين الجمل، وعدم التخصص....إلخ >[10] .

12- يبدو أن ما قـاله عن الذات الواقعـية والذات المثالية أقرب ما يكون إلى الشـتم الصريح من كونه حقيقة علمية. وأود أن أشير إلى أن وكالات الأنبـاء نقلت عن صحف أمريكية أن الجنود الأمريكيين، بعد غزوهم للعراق سنة 2003، قد سرقوا من العوائل العراقية التي داهموا بيوتـها مبالغ تقدر بثلاثة مليارات دولار على شكل حلي ومدخرات...إلخ، وذلك في أول سنتين من الغزو. والسؤال هـو:

هل كانت الذات المثالية لهؤلاء الجنود متطابقة مع الذات الواقعية، أي أنهم سراق في النظرية والتطبيق، أم أن ذاتهم المثالية كانت مختلفة عن ذاتهم الواقعية، بحيث إنهم كانوا يسرقون وحناجرهم تصدح بالهتاف للحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان؟ ألا ما أصدق الحديث النبوي الشريف: ( إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ) >[11] . [ ص: 70 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية