الحضارة الإسلامية جذور وامتدادات

الدكتورة / سعاد رحائم

صفحة جزء
المبحث الثاني

حضارة العلم

إن بلوغ الأهداف والمرام رهن برسم طريق الحياة وفق منهاج سليم وغايات نبيلة، ولا يتم ذلك إلا بحدود معينة من العلم والمعرفة.

ومصطلحا «العلم» و «المعرفة» شـاملان وواسعـان لا يحـدهما زمـان ولا مكان ولا عبارات؛ لأن تعريفهما ليس مخصوصـا بكتب اللغة أو كتب الفلسفة أو كتب علم النفس أو الاجتماع، وحتى إذا وقفت على أحد التعريفات لمصطلح «علم» فلن يعرفك صاحبه إلا بجانب من جوانبه، أي بنوع معين من أنواع العلوم، فلا يستوفيها جميعا.

لكن تبقى صفة «العلم» المطلقة لله عز وجل؛ لأنها صفة من صفاته واسم من أسمائه، فهو العليم كما في قوله تعالى: ( ... هو الخلاق العليم ) (الحجر:86) ،

والعالم كما في قوله تعالى: ( ... عالم الغيب والشهادة ... ) (الحشر:22)

والعلام كما في قوله تعالى: ( ... علام الغيوب ) (المائدة:109) ،

والمعلم كما في قوله تعالى: ( وعلم آدم الأسماء كلها ... ) (البقرة:31) .

ويعرف «الجرجاني» العلم: بأنه «الاعتقاد الجازم المطابق للواقع» >[1] ، وفي قول الحكماء: هـو حصول صورة الشيء في العقل، وهو زوال الخفاء من المعلوم؛ والجهل نقيضه. [ ص: 36 ] والعلم بمفهومه الواسع هـو حصول الملكة والمعرفة، قال أبو البقاء : «كل معرفة وعلم فإما تصور وإما تصديق فوحدة المحمول تدل على الترادف» >[2] .

- الإسلام دين العلم

إن إسناد مهمة الخلافة للإنسان في الأرض هـو من الشرف والتكريم العظيم، الذي ناله الإنسان من لدن رب العزة: ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ... ) (البقرة:30) ،

( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ... ) (الأنعام:165) ،

( يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ... ) (ص:26) .

إنها نيابة عظيمة ومهمة خطيرة تحملها الإنسان لكي يكون خليفة الله في أرضه، يعمرها إعمارا ماديا ومعنويا، ووهبه ربه الأسباب والمؤهلات اللازمة لتحقيق هـذه المهمة، من العلم والعقل والسمع والبصر والحس والإرادة والحرية.

ثم إن الحياة البشرية في الأرض إنما قامت على أساس من العلم والمعرفة، فقد مكن الله سبحانه وتعالى آدم ، عليه السلام ، أبا البشر، من معرفة أسماء كل شيء، وهيأ له مناخ العيش والتأقلم مع جو الأرض حتى يكون إنسانا نافعا، وأمده بالأساليب الحضارية لتحقيق هـذه الخلافة،

قال تعالى: ( وعلم آدم الأسماء كلها ... ) (البقرة:31) ،

وفي تفسـير هـذه الآية يقول ابن كثير ، رحمه الله: [ ص: 37 ] «والصحيـح أنه علمه أسماء الذوات وأفعـالها، مكبرها ومصغرها، كما أشار إليه ابن عباس ، رضي الله عنهما ، >[3] ويتأكد علم آدم ، عليه السلام ، من لدن العـلم اللدني حيث خاطبه ربه قائلا: ( قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) (البقرة:33) ،

ويتجلى ذلك في الرسالات النبوية كلها، قد انبنت على العلم، وتأسست دعوة الرسل جميعهم على المعرفة بأسباب الأمور ومقاصدها.

وبالعلم افتتحت خاتمة الرسالات النبوية، حينما نزل جبريل ، عليه السلام ، مخاطبا أصفى الخلق محمد صلى الله عليه وسلم بدعوته إلى العلم، يقول تعالى: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ) ، ويقول تعالى في معرض وصفه للكتاب بالعلم: ( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم ... ) (الأعراف:52) ،

ويقول: ( فلنقصن عليهم بعلم ... ) (الأعراف:7) ،

( بل هـو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ... ) (العنكبوت:49) .

كما لقـد وردت أحـاديث وأخبار تؤكـد دعوة الإسـلام إلى العـلم والتعـلم، وترشد إلى فضـله وفضيلته، ( يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ) >[4] ، وفي رواية أخرى: ( ويلهمه [ ص: 38 ] رشده ) >[5] ، ( وقال صلى الله عليه وسلم : إن العلماء ورثة الأنبياء ) >[6] ، ومعلوم أنه لا رتبة فوق النبوة ولا شرف فوق الوراثة لتلك الرتبة >[7] .

( وقال صلى الله عليه وسلم : خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت ولا فقه في الدين ) >[8] . وعلق أبو حامد الغزالي على هـذا الحديث قائلا: «ولا تشكن في الحديث لنفاق بعض فقهاء الزمان، فإنه ما أراد به الفقه الذي ظننته.

وأدنى درجات الفقيه أن يعلم أن الآخرة خير من الدنيا، وهذه المعرفة إذا صدقت وغلبت عليه برئ بها من النفاق والرياء» >[9] .

( وقال صلى الله عليه وسلم : الناس معادن كمعادن الفضة والذهب، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ) >[10] ، ( وقال صلى الله عليه وسلم : فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ) >[11] .

( وسئل رسـول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأعمـال أفضل؟ فقـال: العلم بالله عز وجل . فقيل: أي العمل تريد؟ قال صلى الله عليه وسلم : العلم بالله سبحانه. فقيل له: [ ص: 39 ] نسأل عن العمل وتجيب عن العلم! فقال صلى الله عليه وسلم : إن قليل العمل ينفع مع العلم بالله، وإن كثير العمل لا ينفع مع الجهل بالله. ) >[12] . نستشعر من خلال هـذه الآثار فضيلة العلم ومكانة العلماء بين سائر الناس، وكيف أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل رتبتهم بعد رتبة الأنبياء؛ لأن العلم هـو روح الحضارات وروح الحياة، ولا معنى لعمل بدون علم. وفي هـذا الصدد " قال علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، ناظما:

ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء     وقدر كل امرئ ما كان يحسنه
والجاهلون لأهل العلم أعداء     ففز بعلم تعش حيا به أبدا
الناس موتى وأهل العلم أحياء

>[13] " لذلك نجد أن الصحابة، رضوان الله عليهم، دأبوا على تحمل أمانة الدين ورسالة العلم، فحفظوا القرآن الكريم وبينوه، وحفظوا السنة النبوية وبلغوا معانيها علما وعملا للناس، ومن بعدهم التابعون الذين اشتغلوا في الحديث النبوي الشريف.

كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن: «اكتب إلي بما ثبت عندك من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحديث عمرة، فإني قد خشيت دروس العلم وذهابه» >[14] [ ص: 40 ] وكتب عمر بن عبد العزيز أيضا إلى أهل المدينة أن «انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبوه، فإني قد خفت دروس العلم وذهاب أهله» >[15] .

لقد نشطت الحركة العلمية في حياة الصحابة والتابعين، وجدوا في طلب العلم، ورحلوا المسافات البعيدة طلبا للحديث الواحد قصـد سماعه من راو ثقة وإن كان محفوظا من طريق واحـد أو من طريق طالت فيه سلسلة الرواة >[16] .

واعتمدوا في جمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتصنيفه منهجا علميا دقيقا تحروا فيه الضبط والعدالة في الراوي وأهليته لتحمل العلم وأدائه، وهو منهج عرف بعلم الجرح والتعديل.

وظهرت بعد ذلك المصنفات في علم الحديث النبوي الشريف، وأصبحت تتدارسها الأجيال بعد الأجيال، واعتمدت مصدرا رئيسا في هـذا العلم الراقي، الذي صدر عن نبي مرسل لا ينطق عن الهوى.

نذكر منها الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري ، المتوفى سنة 256 هـ؛ ثم كتاب صحيح مسلم للإمام أبي الحسن بن الحجاج بن مسلم القشيري ، المتوفى سنة 261 هـ.. ثم كتب السنن، كسنن أبي داود سليمان بن الأشعت الأزدي ، [ ص: 41 ] المتوفى سنة 275 هـ؛ وسنن النسائي والحافظ محمد بن عيسى بن سورة السلمي ، المتوفى سنة 279 هـ.

ومن آثار مدارسة القرآن الكريم والسنة النبوية ابتكار كثير من العلوم الإسلامية، التي تفنن العلماء المختصون في تصنيفها وتبويبها.

وصفوة القول: إن الإسلام دين العلم والحياة ومنبع الحضارات، فقد راعى مطـالب الفكر والنفس والجسد في حدود طريق الخير والنفع العام لكل الإنسانية.

- العلم والتمكين الحضاري

إن دعوة الإسلام إلى العلم ( طلب العلم فريضة ) >[17] ، كما قال صلى الله عليه وسلم ، هـي في الحقيقة دعوة لإحياء القلوب والعقول، وتحريرها من قيد الجهل والجحود. فالعلم حرية وتحرر نحو السير في الأرض لأجل النظر والتفكر في ذات الله عز وجل: ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ... ) (فصلت:53) .

ولقد مكن الله سبحـانه وتعالى الإنسـان من أدوات العلم والمعرفة من سمع وبصر وفؤاد وعقل،

قال تعالى: ( ... إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا ) (الإسراء:36) ، وقال تعالى: ( والله أخرجكم [ ص: 42 ] من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ) (النحل:78) .

فأهله بذلك لما دعاه إليه من إعمال الفكر والنظر والتبصر «والاستفادة من كل نافع، وطلب كل مفيد، فانطلق المسلمون ينظرون في كل شيء، ويبحثون في كل فج، ويستفيدون بكل حديث وقديم، ينقبون عن كل علم، ويسيرون وراء كل حكمة، يأخذون العبرة من الماضي، وينطلقون للمستقبل، يستفيدون من القديم ويبنون الجديد، في الأخلاق وفي الفلسفة والطب والهندسة وسائر العلوم والمعارف الأخرى.

ولم يدخر المسلمون جهدا في البحث عن تراث الأمم السابقة في العلوم المختلفة، رغم صعوبة ذلك، لتقادم العهد بها، وعدم معرفة قدرها عند مقتنيها وإهمالها.

وكلما طالت الشقة في الزمان بين عصر المصنف وعصر الباحث زادت الصعوبة وتضاعف الجهد» >[18] واجتهد المسلمون في إطار حرصهم على كل مفيد في الإطلاع على ثقافات (الآخر) ونشر المفيد منها، حسب تقديرهم، رغم اختلاف اللغات وتعدد اللهجات، فجدوا في طلبها عن طريق تعلم لغات القوم وترجمة مؤلفاتهم إلى اللغة العربية، فقاموا بمراجعة نقولها وتنقيحها وتصحيح ما فيها [ ص: 43 ] من تصحيف واستدراك ما فات أصحابها من علوم قيمة تأسست بفعلها حضـارة مكنت أصحابـها من النفوذ العلمي النافع في أرجاء مختلفة من أنحاء العالم.

والعلم لا يكون نافعا إلا إذا استوعب حامله روحه وجسده، وفهم أن العلم الذي لا تنقضي حضارته ولا تندرس معالمه هـو العلم الذي رسم شروطه وأساليبه الوحي في آيات القرآن الكريم وأكدته جوامع الكلم من السنة النبوية المطهرة.

«روي عن عبد القادر بن عبد العزيز أنه كان رجلا صالحا ورعا وكان يسأل الشافعي ، رضي الله عنه ، عن مسائل في الورع والشافعي، رحمه الله، يقبل عليه لورعه، وقال للشـافعي يوما: أيها أفضـل: الصـبر أو المحنة أو التمكين؟ فقال الشافعي، رحمه الله: التمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التمكين إلا بعـد المحنة، فإذا امتحن صبر وإذا صبر مكن، ألا ترى أن الله عز وجل امتحن إبراهيم عليه السلام ثم مكنه؟ ثم امتحن موسى عليه السلام ثم مكنه؟ وامتحن أيوب عليه السلام ثم مكنه؟ وامتحن سليمان عليه السلام ثم مكنه وآتاه ملكا.. والتمكين أفضـل الدرجـات، قال الله عز وجل : ( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ... ) (يوسف:56) ، وأيوب عليه السلام بعد المحنة العظيمة مكن، قال الله تعالى: ( وآتيناه أهله ومثلهم معهم ) (لأنبياء:84) . [ ص: 44 ] فهذا الكلام من الشافعي، رحمه الله، يدل على تبحره في أسرار القرآن وإطلاعه على مقامات السائرين إلى الله تعالى من الأنبياء والأولياء، وكل ذلك من علوم الآخرة.

وقيل للشافعي ، رحمه الله: متى يكون الرجل عالما؟ قال: إذا تحقق في علم الدين فعلمه، وتعرض لسائر العلوم فنظر فيما فاته، فعند ذلك يكون عالما ، فإنه قيل لجالينوس : إنك تأمر للداء الواحد بالأدوية الكثـيرة المجتمعة فقال: إنما المقصود منها واحد، وإنما يجعل معه غيره لتسكن حدته؛ لأن الإفراد قاتل.. فهذا وأمثاله مما لا يحصى يدل على علو رتبته في معرفة الله تعالى وعلوم الآخرة» >[19] .

إن السيادة والتمكين إنما يكون لأهل الإيمان والعلم والتقوى والورع.

ولقد كان القضـاة والولاة في العصور الذهبية للإسلام فقهاء وأهل فتيا. ولا يتصدر هـذه المهمة إلا من جمع بين الديانة والرواية، وكانوا أهلا للقضاء بين الناس، فيحكم القاضي الورع بما أنزل الله، يتوسم الحكمة والعدل ونصر المظلومين ورد الحقوق إلى أصحابها. [ ص: 45 ]

ورد في تهذيب الكمال: «عن الوليد الموقرى عن الزهري -وكان من أوعية العلم ومن كبار التابعين- قال: «قدمت على عبد الملك بن مروان ، فقال: من أين قدمت يا زهري؟ قال: قلت: من مكة ، قال: ومن خلفت يسودها وأهلها؟ قلت: عطاء بن أبي رباح ، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فبم سادهم: قال: قلت: بالديانة والرواية، قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا. قال: فمن يسود أهل اليمن ؟ قلت: طاوس بن كيسان ، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي؟ قال: فبم سادهم؟ قلت: بما ساد به عطاء، قال: إنه لينبغي ذلك.. قال: فمن يسود أهل مصر ؟ قلت: يزيد بن حبيب ، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل الشام ؟ قلت: مكحول ، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، عبد نوبي أعتقته امرأة من هـذيل، قال: فمن يسود أهل الجزيرة ؟ قلت: ميمون بن مهران ، قـال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهل خراسان ؟ قال: قلت: الضحاك بن مزاحم ، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال فمن يسود أهل البصرة ؟ قال قلت: الحسن البصري ، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: ويلك، ومن يسود أهل الكوفة ؟ قال: قلت: إبراهيم النخعي ، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من العرب، قال: ويلك يا زهري، فرجت عني، والله لتسودن الموالي على العرب في هـذا البلد حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها. قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هـو دين، من حفظه ساد ومن ضيعه سقط» >[20] . [ ص: 46 ] أوردت النص بطوله لأدل به على أن السيادة آلت إلى أهل العلم من الفقهاء والعلماء الورعين، وهؤلاء جميعهم كانوا من أئمة التفسير، يفهمون مراد الله ومقاصده، اهتدى كثير من العلماء بهديهم، وكان كل واحد منهم مدرسة في التفسير والفقه، وأيضا قدوة في الدين والخلق.

- العلم طريق إلى العمل

لقد تحدثنـا قبل قليل عن أسباب التمكين في الأرض، وذكرنا أن الرواية والديانة أحد هـذه الأسباب، بل هـي الأسباب كلها، لذلك قال سبحانه وتعالى: ( ... يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ... ) (المجادلة:11) .

فرسالة الإسلام انبنت على دعائم رئيسة أساسها العلم والإيمان، لذلك افتتحت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) هـي دعوة إلى العلم عن طريق المنهج اللدني والوحي الرباني.

وفي آيات أخرى اقترن الإيمان بالعمل الصالح، هـذا الأخير الذي أنار نبراسه العلم النافع، قال تعالى: ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ... ) (النور:55) .

وفي هـذا الصدد نستشهد بصورة حقيقية لانتصار الإيمان والعمل بالعلم على القوة والكثرة والجبروت، حيث شهد لنا التاريخ بالعديد من الإنجازات [ ص: 47 ] الكبرى لمؤمنين خلص آمنوا بالحرية والعدل، ذلك «أن الذي وقف في معارك الإسلام الكبرى مؤمنا صابرا صامدا مناضلا من أجل الحق والحرية ورسالة السماء إنما هـو المسلم الحقيقي، وهو ومن ماثله روعوا هـرقل إمبراطور الرومان وفزعوه في حروبهم في الشام ، فلما خرج منهما مهزوما مدحورا ووصل إلى أنطاكية وأقبلت فلول جيوشه إليه محطمة ذليلة أمر بعقد مجلس حربي أعلى وصاح في كبار قواده:

ويلكم، أخبروني: هـؤلاء القوم الذين يقاتلونكم أليسوا بشرا مثلكم؟ فردوا عليه: بلى، فقال لهم: فأنتم أكثر أم هـم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافا في كل موطن. قال لهم الإمبراطور: فما بالكم تنهزمون؟ فسكتوا، وأجابه قائد من كبار قواده قائلا: «أيها الملك انتصروا وهزمنا من أجل أنهم يقومون بالليل، ويصومون بالنهار، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويتناصفون بينهم، ومن أجل أنا نشرب الخمر، ونزني، ونرتكب الحرام، وننقض العهد، ونضل، ونأمر بالسخط وننهى عما يرضي الله، ونفسد في الأرض» >[21] إن التاريخ الإسلامي مليء بالاستشهادات التي أنارت طريق العمل بالعلم والإيمان، وأشرقت في ربوع أرجاء كثيرة نور الحضارة الإسلامية، وانتصر الحق على الظلم والعدل على الجور. [ ص: 48 ] وشهد لهذا التألق الحضاري عند علماء المسلمين كثير من علماء أوربا، الذين قدروا هـذه النتائج والانتصارات القوية في ترجمة النظريات الفكرية والعلمية إلى واقع العمل المؤسس لحيـاة الإنسان، وفي هـذا الصـدد يقول «ول ديورانت» ، أحد رواد الفكر الغربي: «إن ابن سينا أعظم من كتب في الطب في العصور الوسطى، وإن الرازي أعظم أطبائها، والبيروني أعظم الجغرافيين فيها، وابن الهيثم أعظم علمائها في البصريات، وجابر بن حيان أعظم الكيميائيين فيها.

تلك أسماء خمسة لا يعرف عنها العالم المسيحي في الوقت الحاضر إلا القليل. وأن عدم معرفتنا إياها ليشهد بضيق نظرتنا وتقصيرنا في معرفة تاريخ العصور الوسطى. إن العلوم العربية التي كانت وليدة الطريقة التجريبية العلمية هـي أهم أدوات العقل الحديث وأعظم مفاخره، ولما أعلن «روجر بيكن» هـذه الطريقة إلى أوروبا بعد أن أعلنها جابر بن حيان بخمسمائة عام، كان الذي هـداه إليها هـو النور الذي أضاء له السبيل من عرب الأندلس. وليس هـذا النور نفسه إلا قبس من نور المسلمين في الشرق» >[22] وقال العالم الأوربي «ولز J.G.Wells» : «إن العقل العربي الإسلامي تأجج في تألق لا يفوقه فيه غيره، فأحيا من جديد بحث الإنسان وراء العلم، فمن العرب المسلمين وليس عن طريق اللاتين تلقى العالم العصري تلك المنحة من النور والقوة» >[23] [ ص: 49 ] والسبب الرئيس في ازدهار العلم لديهم «أنهم قابلوه بروح جديدة في البحث كانت هـي السبب المهم في تطوره، ودفعوه دفعة قوية إلى الأمام، ولولا هـذه الدفعة لما عاش، ولما اعترف به مؤرخو العلم في أوربا أدنى اعتراف، لقد كان بيدهم المنهج الاستقرائي الذي اكتشفوه أول عهدهم في دائرة الفكر الإسلامي... وهذا المحتوى الغني بالثقافة الإسلامية، وهذه الأبعاد الحضارية الممتدة للعلم الإسلامي في آفاقه الإنسانية، كل ذلك يقوم دليلا على أن الثقافة الإسلامية تزدهر حيثما يتوفر المناخ الفكري والاجتماعي، وتتكامل الأسباب الداعية إلى النهوض.

لقد قدمت هـذه الثقافة إلى التاريخ الإنساني من العلوم والمعارف والإضافات العميقة ما لا نظير له في تاريخ الثقافات على وجه الإطلاق.

ولقد أقام الإسلام نهضته المبكرة على أساس العلم والمعرفة والثقافة في أبعادها المتنوعة.

وكانت الثقافة الإسلامية غنية بالمضامين والدلالات التي تجعل منها ثقافة البناء الحضاري وثقافة الفعل الإنساني المؤثر في مسار تاريخ الشعوب والأمم التي احتكت بها وتفاعلت معها» >[24] إن العمل المستهدي بالعلم هـو العمل الذي يشيد صرح الحضارة، ومن صفاته أن يكون جادا متقنا، مخلصا فيه: ( إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ) ؛ ( ... من غشنا فليس منا ) >[25] [ ص: 50 ] والله عز وجل يثيب على العمل الصالح، بمفهومه العام،

يقول تعالى: ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ... ) (التوبة:105) ،

ويقول: ( ... كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ... ) (المؤمنون:51) ،

ويقول: ( فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ... ) (آل عمران:195) .

وقد دلت الأحاديث النبوية على إثابة صاحب العمل الصالح، الذي يجمع في عمله بين العلم بمقاصد الشريعة والإخلاص في العمل، وفي حديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، وهو حديث مشهور >[26] في الصحيحين وغيرهما، أنه لما انطبقت عليهم الصخرة ( قالوا: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه.. فقال أحدهم: اللهم إني كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت أخرج فأرعى ثم أجيء فأحلب فأجيء بالحلاب فآتي به أبوي فيشربان ثم أسقي الصبية وأهلي وامرأتي، فاحتبست ليلة فجئت فإذا هـما نائمان.. قال: فكرهت أن أوقظهما، والصبية يتضاغون عند رجلي، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهما حتى طلع الفجر، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة نرى منها السماء.. قال: ففرج عنهم.. وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني كنت أحب امرأة من بنات عمي [ ص: 51 ] كأشد ما يحب الرجل النساء، فقالت: لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار، فسعيت فيها حتى جمعتها، فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركتها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة.. قال: ففرج عنهم الثلثين.. وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني استأجرت أجيرا بفرق من ذرة فأعطيته وأبى ذاك أن يأخذ فعمدت إلى ذلك الفرق فزرعته حتى اشتريت منه بقرا وراعيها، ثم جاء فقال: يا عبد الله، أعطني حقي.. فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها فإنها لك، فقال: أتستهزئ بي؟ قال: فقلت: ما أستهزئ بك ولكنها لك، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا.. فكشف عنهم ) >[27] . ومن جهة أخرى ينبغي أن يدرك كل من يحمل رسالة الإسلام على عاتقه أن عمارة الأرض هـي جزء من عبادة الله، وابتغاء الرزق جزء من عبادة الله، واستخدام الزينة الطيبة جزء من عبادة الله، وتذوق الجمال والبحث عنه في ملكوت الله جزء من عبادة الله، وتعلم الصنائع المختلفة جزء من عبادة الله >[28] . والجمـع بين العبادة والعمل خصلة حميدة يحدثنا عنها القرآن الكريم في قوله تعالى:

( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين قل إن صلاتي ونسكي [ ص: 52 ] ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) (الأنعام:161-163) . فمفهوم العبادة ليس فقط القيام بالشعائر التعبدية من صلاة وزكاة وصدقة وصيام وحج، بل هـو كل حركة يتحركها الإنسان في حياته الدنيا، أي في كل محياه، لذلك فكل عمل يقوم به الإنسان وقلبه متوجه إلى الله، شاكر لأنعمه، فهو عبادة له.

وكل حركة في هـذا الكون هـي ابتغاء من فضل الله. وما اصطلح عليه بالعبادات هـي في حقيقتها شعائر وعلامات ظاهرة متميزة ومميزة للفرد والجماعة، وهي في تعاليم الإسلام موقوفة محدودة تشير وتدل على عبادة شاملة وتقوى لله في كل زمان ومكان، وهي تريح النفس وتشفيها، وتصون الطاقة وتزكيها، وتقوي المؤمن على مواصلة الجهد والصبر على مشقة العمل وفتنة الظفر والفشل وإيذاء البشر وإغوائهم >[29] .

هكذا شهد المنصفون والعارفون والعلماء في سائر المعارف أن الفكر الإسلامي قام على «النظر والتفكير وإعلاء أمر العقل، ورفع شأنه، وعمل على إزالة العوائق من طريقـه، حتى يلتقي مع الفطرة ويتصل بالوحي والحقيقة واليقين» >[30] . [ ص: 53 ] ولقد فسح القرآن الكريم المجال أمام الفكر البشري ليفهم قواعد الإسلام وأحكامه ومقاصده؛ لأنها أحكام تتطابق مع مقتضيات الفطرة البشرية ومع الإدراكات العقلية؛ لأجل ذلك تكرر لفظ العلم ومشتقاته في القرآن الكريم، وأكثرها تدعو إلى النظر وإعمال الفكر ودراسة مختلف العلوم الحضارية ( فهل من مدكر ) ؟

ومتى تعود الأمة إلى منابعها الأصيلة من القرآن والسنة، لتنـزع عنها هـذا الجهل المطبق، وتسترشد بروح الإسلام وينابيعه الصافية في الدعوة إلى العلم الموصول بالعمل؛ لتؤكد أنها بالفعل تنتمي إلى حضارة الإسلام الخلاقة، حضارة الخير والنماء، بعيدا عن كل أنواع الخمول المستشري في عقول الأمة، شيبها وشبابها، ممن ضيعوا الرسالة الإسلامية واكتفوا بالتقليد لمظاهر خداعة كرست تبعيتهم لـ (لغير) ، وعمقت جهلهم بأمور الدين والدنيا، فتعطلت مدارك العلم والعمل لديهم، فلم يعد هـناك جد واجتهاد بل اجترار وتقليد أعمى.. إن مستقبل الأمة يتجلى في التخلص من هـذه الأدران والامتثال لروح العمل الجاد والمتواصل. [ ص: 54 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية