حرية الرأي في الاسلام (مقاربة في التصور والمنهجية)

الدكتور / محمد عبد الفتاح الخطيب

صفحة جزء
الخاتمة

وبعد،

فتلك كانت -إذن- مجرد مقاربة لحرية الرأي، من خلال قراءة في التصور الإسلامي لها، ومنهجيته في ممارستها، وفي ختام تلك المقاربة، أريد أن أؤكد النقاط الأربع التالية:

أولا: أن حقوق الإنسان في التصور الإسلامي هـي ( منح إلهية ) عظم الإسلام أمرها، وحرم مصادرتها أو الإعتداء عليها أو انتهاكها، واعتبر الإعتداء على أي منها جريمة كبرى، أوجب الشرع العقوبات عليها.

ثانيا: أن الإسلام في تقريره لحريات الإنسان وحقوقه يقوم -بخلاف التصور الغربي- على مرتكزات تضمن بقاء الهدف أو السير به إلى ذروته الممكنة، وهي مرتكزات نابعة من منظومة الفكرية والقيمة.

ثالثا: أن ( حرية الرأي مبدأ أصيل في التصور الإسلامي، باعتبارها مدخلا منهجيا مهما، يمثل أحد المسالك الأساسية في تكوين الشخصية المسلمة المنفتحة الواعية، التي كان يجسدها الرسول صلى الله عليه وسلم في سيرته قولية وعملية، ومنطلقا من منطلقات التربية الإسلامية في كثير من المجالات، التي يمكن بلورتها في مستويين، هـما: ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) و ( الشورى ) ، ففيهما لا تعد حرية الرأي حقا من حقوق الإنسان، ينبغي إتاحته له فحسب، بل هـي فيهما واجب وفريضة ينبغي للمسلم أداؤها، [ ص: 177 ] ولا يجوز له التفريط في ذلك، كما أن حرية الرأي في المنظور الإسلامي وسيلة مهمة من وسائل الشهود الحضاري للأمة، ومن ثم لا نعجب حينما نرى الإسلام يربط بين إنهيار الأمم والتفريط في تلك الحرية!!

رابعا: أن الرأي -في التصور الإسلامي- محكوم بضوابط الدين، ومنهج وفق محدداته الشرعية، التي تضبط مساره الكلي، من خلال ( مدونة أخلاقية ) تمثل قيما ضابطة، وأطرا مرجعية، تتحكم في ممارسته، ولا يجوز للفرد أن يتعداها، أو يتخطاها مطلقا، فلا تبيح له أن يمارس تلك الحرية على وجه يؤدي إلى الإفساد الخلقي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، أو السياسي، أو غيرها؛ حفاظا للعقيدة، وحماية للمجتمع، مما يجعل حرية الرأي -في الرؤية الإسلامية- منطلقا للنظام لا للفوضى.

ولعل ذلك سبب تفوق الإسلام -في إقراره مبدأ ( حرية الرأي ) وممارسته وفق أطره القيمية والمرجعية- على سائر التشريعات الوضعية والنظم الدستورية المعاصرة؛ لأمرين:

1- أن تلك القيم التي تضبط حرية الرأي، في الرؤية الإسلامية، قيم مستمدة من ( الوحي الإلهي ) وتهدف إلى صالح الإنسانية جميعها، فلا مصالح خاصة ولا مصالح سياسية، إذ أنها صادرة من رب الأرباب، فلا تختلف باختلاف المصالح، وإنما ينظر إلى المصلحة من خلالها، وتخدم بها الأمة على أساسها؛ فليست ( قيودا ) بقدر ما هـي ( ضوابط ) تدعم الرأي وتثريه وتوجهه نحو الغايات والأهداف المثلى من جهة، وتحفظه من الضلال [ ص: 178 ] والإضلال من جهة ثانية، فهي حرية لا تقيدها إرادة المخلوق، ولا تخرج عن إرادة الخالق.

وذلك بخلاف حرية الرأي في الأنظمة الغربية التي تدعي الديمقراطية، فهي حرية قائمة على قيم مستمدة من المثالية البشرية، وهي مثالية قاصرة من جهة، وتتجه نحو مصالح فئة بعينها من جهة ثانية؛ إذ إنها تقوم على مبدأ ( النظام العام ) وهو مبدأ غامض متغير، يضيق تفسيره ويتسع بحسب الأغراض والأهواء، لذلك لا تنضبط الأمور بها في إطار ثابت؛ ومن ثم " تعاني حريات الرأي من أزمة حقيقية في الدول الغربية، ذات الأنظمة الديمقراطية. وهذه الأزمة لها جانبان: الجانب الأول: يتمثل في السيطرة والاحتكار، اللذين تمارسهما رؤوس الأموال في هـذه الدولة... والجانب الثاني: يتمثل في القيود الكثيرة التي تفرضها الإدارة على حريات الرأي في هـذه الدول، بحجة المحافظة على الأمن، والنظام العام، وهذه القيود تستهدف تحقيق غايات سياسية، مثل تمكين سيطرة الحكام " >[1] . إلى حد كادت تضيق معه شقة الخلاف بين النظم الديموقراطية المعاصرة، وبين الديكتاتوريات >[2] .

وهذا ما يؤكده نعوم تشومسكي في كتابه: ( إعاقة الديمقراطية: الولايات المتحدة والديمقراطية) >[3] ، إذ يقول: [ ص: 179 ]

" إن المثل الأعلى للديمقراطية، في بلادنا وفي الخارج، بسيط، ولا لف فيه ولا دوران: أنت حر، أنت تفعل ما تشاء، طالما كنت تفعل ما نشاؤه نحن " !! ثم يتناول حقيقةحرية الرأي في أوربا ، كاشفا خداع الأنظمة الديمقراطية حول حرية التعبير، قائلا: " لا يزال الوضع في أوروبا أكثر بدائية، ففرنسا حالة صارخة، بالنظر إلى التناقض المذهل بين الخطب الرنانة في تهنئة الذات، وبين التطبيق القمعي الذي هـو من الشيوع بحيث لا يلاحظ. وفي إنكلترا حماية محدودة لحرية الكلام، فهي تتسامح حتى مع أمر مخز كقانون التجديف ( قضايا التشهير ضد العقائد والأديان ) - ويجدر بالذكر خاصة رد الفعل تجاه مسألة سلمان رشدي .. فقد اتهم رشدي في المحاكم بالقذف التحريضي والتجديف، ولكن المحكمة العليا قررت أن قانون التجديف لا ينطبق إلا على المسيحية ، وليس على الإسلام - وأنه لا يشكل قاذفا تحريضيا إلا الهجوم الكلامي، ضد صاحبة الجلالة، أو حكومتها، أو مؤسسات الدولة الأخرى " >[4] ، مما يجعل الإنسان، يعتقد، جازما، أن هـذه الحرية التي يتشدق بها كثير من دعاة الديمقراطية الغربية، ما الهدف منها إلا إطلاق شهوات الإنسان وملذاته، بعيدا عن أي رقابة، دينية أو أيديولوجية، ما دامت بعيدا عن نظام الحكم !!

2- أن الشريعة جاءت بعدة مجالات دعت من خلالها -بل أوجبت في كثير من أحوالها- إلى ممارسة حرية الرأي ( أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، وجدالا بالحسنى في أمر الدعوة والدين، ثم شورى ونصيحة خالصة لله في [ ص: 180 ] شئون الحياة وقضايا السلطة ) وجعلت ذلك من أصول الدين التي يحاسب العبد على التقصير فيها، ولم تقتصر على ذلك، بل حررت الإنسان من أي سلطان سوى سلطان الله؛ مما يعطيه الشجاعة، فيتجرأ على قول الحق، وإبداء الكلمة، وأخضعت ذلك كله لمجموعة من القيم والآداب الأخلاقية، كالصدق، والإحسان، والعدل.. فهى - في الرؤية الإسلامية - قائمة على مفاهيم الحق والعدل، وليس على أساس الهوى والميول

( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ) ( المؤمنون:71) ،

مما أعطى حرية الرأي مكانها الرفيع بين سائر الحقوق والحريات، بشكل متميز عن الفقه الوضعي، الذي يقتصر على وضع النص، ثم يترك للناس والسلطة إمكانية تطبيقه، وطريقة تنفيذه وملائمته للواقع >[5] وتلك صفة الإسلام الخالدة: مخاطبة الإنسان المسلم من خلال واقعه المتحرك المضبوط... لا من خلال المفاهيم فحسب.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، رسوله المبعوث إلى كل وارث وموروث. [ ص: 181 ]

السابق


الخدمات العلمية