فقه التوسط (مقاربة لتقعيد وضبط الوسطية)

الدكتور / نوار بن الشلي

صفحة جزء
ينظر في الخلافيات لما قيل، لا لما قال

هذه القاعدة تعبير عن إنصاف الفكر الإسلامي وموضوعيته، فلا قداسة لرأي مادام أن الخطأ من سمات البشر مهما علوا رتبة في العلم، ومن مقررات الفكر الفقهي أن الأقوال يحتج لها ولا يحتج بها، ولذلك اشترط العلماء في الخلاف المعتد به أن يقو مدركه «فإن ضعف ونأى عن مأخذ الشرع كان معدودا من الهفوات والسقطات لا من الخلافيات المجتهدات»، أي أنه زلة عالم أو هفوته فلا يلتفت إليه، ولا يعتبر في ميزان النظر، لأنه تفريط خارج عن سنن الوسـط، وقديما قالوا: «لكل عالم هفوة..»، فإذا ضعف دليل القول ومأخذه فإنه لا ينظر إلى قوة من قاله، ولا إلى علمه ومرتبته فيه، وهذا ما قـرره الإمام ابن السـبكي بقوله: «فمن قوي مدركه اعتد بخـلافه وإن كانت مرتبة في الاجتهاد دون مرتبة مخـالفه، ومن ضـعف مدركه لم يعتد بخـلافه وإن كانت مرتبته أرفع» >[1] .

فالميل إلى القائل بإطلاق غلو وإفراط يأباه الشرع، الذي قرر أن العصمة للنبي صلى الله عليه وسلم وحده أو لمجموع الأمة، ومن ثم تقرر عند العلماء المحققين أن الإنصاف في الخلاف يقتضي النظر لما قيل، لا لمن قال، وأن الحق يعرف بالحق لا بالرجال. غير أن هاهنا معنى يجب التنبيه عليه وهو أنه إذا تقرر أن الوقوف مع الدليل لا مع القائل، فإن ذلك لا يعني بحال إهدار اعتبار العلماء بإطلاق إذ هم الأدلاء على الحق، وإنما ذلك يعني نبذ التعصب والتقليد، إذا ظهر الدليل ووضح الحق في الطرف المخالف. [ ص: 137 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية