فقه التوسط (مقاربة لتقعيد وضبط الوسطية)

الدكتور / نوار بن الشلي

صفحة جزء
الجمود في المنقولات أبدا ضلال في الدين

هذه القاعدة مقتضى كلام الأئمة المحققين، والمراد بها أن في نصوص الشريعة ما ليس قطعيا ولا ثابتا بإطلاق، فيحتاج في فهمه وتنـزيله إلى مراعاة المقاصد والكليات، ولو أدى ذلك إلى أن تختلف نتيجة الحكم المستنبط منه عما تقرر من قبل. فإذا التزم الفقيه حرفية النص وظاهره غافلا عن غايات الشريعة وما تقتضيه من تحقيق المصالح، كان مجانبا للعدل بعيدا عن التوسط.

وقد يعبر بعض العلماء عن هذا المعنى بثبات الأحكام ومرونتها في الشريعة، وهو أحد المعاني المترتبة عن التفريق بين القطـعيات والظنيات، كما شاع التعبير عنه على ألسنة الفقهاء بأنه: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان.. قال الشيخ القرضاوي ، في معالم وضوابط الاجتهاد المعاصر >[1] :

«.. لا ينبغي أن نجعل أكبر همنا مقاومة كل جديد، وإن كان نافعا، ولا مطاردة كل غريب وإن كان صالحا، وإنما يجب أن نفرق بين ما يحسن اقتباسه وما لا يحسن، وما يجب مقاومته وما لا يجب، وأن نميز بين ما يلزم فيه الثبات والتشدد، وما تقبل فيه المرونة والتطور.

ومعنى هذا أن نميز بين الأصول والفروع، بين الكليات والجزئيات، بين الغايات والوسـائل، ففي الأولى نكون في صلابة الحديد، وفي الثانية نكون في ليونة الحرير، كما قال إقبال ، رحمه الله: «مرحـبين بكل جديد نافع، محتفظين بكل قديم صالح». [ ص: 188 ] ومن هنا يجوز لنا أن نقتبس من أنظمة الشرق أو الغرب، ما لا يخالف عقيدتنا وشريعتنا، مما يحقق المصلحة لمجتمعاتنا، على أن نصبغه بصبغتنا، ونضفي عليه من روحنا، حتى يغدو جزءا من نظامنا، ويفقد جنسيته الأولى، كما رأينا ذلك فيما اقتبسه المسلمون في العصور الذهبية من الأمم الأخرى».

يقرر الفقهاء أن الأحكام الشرعية قابلة للتغيير والتبديل، فما كان جـائزا بالأمس قد يمنع اليوم، وما هو ممنوع اليوم قد يجـوز غدا إذا دعت الحاجة إلى ذلك. وقد عبروا عن هذا المعنى بقولهم: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان» >[2] ، وإذا كان الإقرار بإمكانية تبدل الأحكام مدعاة لدخول الهوى والانحراف عن جادة الشـريعة -باتخاذه مطية للمخالفة- كما يمكن أن يتصوره بعض الفقهاء، فإنا نبادر إلى القول: إن هذا التغـير ليس على إطلاقه، بل أحكام الشريعة نوعان كما يقرر الإمام ابن القيم : «نوع لا يتغير عن حالة واحدة، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم، ونحو ذلك، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد مخالف لما وضع عليه.

والنوع الثـاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالا، كمقادير التعزيرات وصفاتها، فإن الحكم يتنوع فيها بحسب المصلحة» >[3] ، وهذا النوع الثاني هو الذي عناه سيدنا عمر بن عبد العزيز [ ص: 189 ] بقوله: «يحدث للناس من الأقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور» >[4] ، وعليه أغلب مدار القاعدة الأصولية في أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما.

والذي يدعو إلى هذا التغير في الغالب ويقتضيه هو تبدل الزمان واختلاف الأمكنة والأعراف وانتقال أحوال الأشخاص وأوضاعهم من حال إلى أخرى، كما في كلمة ابن القيم السـابقة. فمثال الأحكام التي تغيرت لتبدل الـزمان: ما جاء في صحيح البخاري وغيره من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التقاط ضوال الإبل >[5] ؛ لأنها لا يخشى عليها ما يخشى على غيرها من الضياع، فلما كان عهد عثمان أمر بالتقاطها وبيعها على خلاف ما أفتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها >[6] ؛ وذلك لأنه رأى الناس قد امتدت أيديهم إلى الحرام، فقطع ذلك بهذا التدبير الذي يصون الحقوق لأصحابها.

ومثال الأحكام التي تغيرت لاختلاف الأمكنة، وهو ما يعنونه بتغيير الأعراف في الغالب، أنه لما قال محمد بن الحسن يعفي عن رشاش البول وخالفه أبو يوسف: قـال: لو رأى صاحبي مرو وما عليه سكانها لوافقني >[7] . [ ص: 190 ] ومن أشهر الأمثلة في هذا الباب، ما يذكر عن الإمام الشافعي من تغييره لآرائه العراقية لما نـزل مصر حتى صار مقررا في مذهبه أن منه القديم والجديد، وذلك لاختلاف بيئة العراق ، حيث الحضارة والخلافة عنها في مصر حيث بساطه الحياة والبداوة >[8] .

ومن أمثلة الأحكام التي تغيرت لتبدل أحوال الناس وظروفهم المعيشية أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن وعلوم الدين ونحو ذلك القربات من أذان وإمامة،لم يكن الأمر عليه في الصدر الأول، بل عرف عنهم النهي عن ذلك وكراهته، يدل له ما رواه عبد الرزاق أخبرنا معمر " عن قتادة : «أحدث الناس ثلاثة أشياء لم يكن يؤخذ عليهن أجر: ضراب الفحل، وقسمة الأموال، والتعليم " >[9] ، قال الحافظ ابن حجر معلقا: «...وهو يشعر بأنهم كانوا قبل ذلك يتبرعون بها، فلما فشا الشح طلبوا الأجرة، فعد ذلك من غير مكارم الأخلاق، فتحمل كراهة من كرهها على التنـزيه» >[10] .

إن ملحظ الفقهاء في تقرير حقيقة تبدل الأحكام قام على التوسط والاعتـدال، فإنهم يمضون الأحكام التي بنيت على علل وعوائد ما دامت تمضي لهم وتحقق المصالح وتستقيم بها حياة الناس، حتى إذا تخلفت مقاصدها ونتائجها توقفوا، لما في الاستمرار على تمضيتها من قبح ومفسدة، وهذا عدل ونظر يوازن بين الأحكام والأسس التي تم عليها بناؤها من جهة وبين نتائج الحكم وغاياته من جهة ثانية، وبيان ذلك من أوجه: [ ص: 191 ] 1- أن الأحـكام الاجتـهادية إنما تتقرر وتبنى على أسس وأصول، فإذا حدث وأن تغيرت هذه الأسس أو زالت، فإن المنطق والعقل يقضي بزوال تلك الأحكام أو تغيرها، فإن ما لا أساس له لا يثبت، وهذا مشاهد حتى في الحسيات.

2- أن في تخلف مقصد الحكم وغايته عنه وعدم استتباعه إياه ما يشعر بالانحراف والخلل، فإن الباعث على الحكم إذا لم يتحقق أشعر ذلك بوجود خلل ما، ولما كان العقل يقضي بسلامة الباعث في الغالب دل ذلك أن الحال إنما اعترى الحكم وهو المطلوب.

3- أن تمضية الأحكام وطردها رغم تغير عللها والعوائد التي بنيت عليها هو في الحقيقة غلو موقع في الحرج والضيق، وقد علم أن من أغراض الشريعة رفع الحرج عن الناس، فلو لم تتأثر الأحكام المبنية على المصالح والعوائد بظروف الناس وأحـوالهم وبيئاتهم لما كانت مناسبة لهم ولشـعروا بالضيق وصارت الشريعة مجانبة للغرض الذي بنيت عليه.

وقد عبر عن هذه الحقيقة أكثـر من واحد من محققـي علماء الشـريعة، وتواردت عباراتهم على وصف هذا الغلو في طرد الأحكام «بالجمود» ووصف صاحبه بالضلال أو الفسق >[11] . . وكلها عبارات تؤدي معنى واحدا هو خروجه عن سنن الاعتدال والوسط. [ ص: 192 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية