المشروع الحضاري لإنقاذ القدس

الأستاذ / محمد عبد الفتاح حليقاوي

صفحة جزء
تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله، الذي ناط الوراثة الحضارية بتوفير شروط وظروف بناء الإنسان الصالح المصلح، كمحور للنهوض، وإقامة المجتمع ميدان الفعل وثمرة الفاعلية الحضارية، وجعل ذلك معـايير ثابتة وخـالدة في قيم النبوة وسنة ماضية في تاريخ الأمم، يستوي في ذلك الوراثة الدينية والثقافية والحضارية وتحقق الشهود الحضاري بشكل أعم،

فقال تعالى: ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون * إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين * وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء:105-107) ؛

وجعل قيم الرحمة وإشاعة التراحم، وليس التلاحم والمواجهة، هو روح الحضارة وهدفها والغاية النهائية من النبوة الخاتمة،

قال تعالى: ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) .

وتبقى معادلة النهوض، أو سؤال النهضة ملحا وقائما: كيف نبني الإنسان الصالح المصلح ونقيم المجتمع، وكيف نبني الحضارة ونصل إلى [ ص: 5 ] تنمية الحس الحضاري للتطلع والعمل والتسامي للوصول إلى إشاعة قيم الرحمة وإدراك عطائها، على مستوى الفرد والمجتمع، ودورها في التوسع بدوائر الخير والبر في واقع الناس وتحقيق الأمن النفسي، واعتمادها الهدف الذي يتمحور حوله نشاط الإنسان، ووسيلة الخلاص لجميع معاناة وعذابات البشر؟

وفي الطريق إلى النهوض والنمو والمحاولات المستمرة لبناء مجتمع الغد الصالح، الذي يسوده التراحم، تتعدد وجهات النظر والرؤى وتتفاوت حياة المجتمعات، بين التظالم والعدالة والمساواة والتراحم والتلاحم والارتقاء والتسامي، وهكذا تمضي في الناس سنة المدافعة، وتتحقق من خلال سيرورتها سنة التداول ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) (آل عمران:140)،

وتقوم حضارات وتسقط أخرى، ويظهر أفراد وجماعات تشكل خمائر النهوض تقدم الأنموذج المثير للاقتداء.

وهـذه جدلية الحيـاة، من بدء الخلق وحتى ينشئ الله النشأة الآخرة:

( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) (الملك:2)،

وشاهد الحياة القائم والدائم يتمثل في نبأ ابني آدم، حيث يقول تعالى: ( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين ) (المائدة:27)، مصداقا لقوله تعالى: ( ثم أورثنا [ ص: 6 ] الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ) (فاطر: 32).

والصلاة والسلام على الرسول القدوة، الذي جاءت نبوته الخاتمة ورسالته الإنسانية نقطة تحول وتغيير نوعي في التاريخ الإنساني العام ومثالا يحتذى في كيفية التعامل مع السنن الجارية في الحياة والأحياء، ومنعطفا في تغيير حال وواقع العرب، الذين مثلوا القاعدة البشرية الأولى، من الشرك إلى التوحيد؛ التوحيد بمفهومه الشامل الذي يعني الانعتاق من الظلم والتسلط وتوفير الحرية والمساواة؛ ومن الجهل والخرافة إلى العلم والمعرفة الحقيقية؛ من الإيمان بالأوهام واعتماد الخوارق أو السنن الخارقة والأساطير وما يترتب عليها من مجازفات سلبية وتبديد طاقات إلى استيعاب السنن الجارية وكيفية التعامل معها وحسن تسخيرها ومغالبة قدر بقدر؛ حيث سنته صلى الله عليه وسلم في بناء التحول وسيرته في التغيير والنهوض كانت وما تزال مصدر عطاء خالد، ومنجما إنسانيا لا ينضب، وتجربة حضارية لم ينطفئ توهجها على الرغم من كل التجارب والمحاولات البشرية، التي قد تقترب أو تبتعد عنها.

لقد تبلور في دعوته صلى الله عليه وسلم ورسالته، وتجلياتها في سيرته، التأكيد أن مشاريع النهوض لا بد أن تخضع لسنن جارية ومطردة في الحياة والأحياء، [ ص: 7 ] وأن التغيير إنما يتحقق من خلال عزمات البشر وقدراتهم واستطاعاتهم حتى ولو كان على رأس قيادتهم نبوة معصومة، إلا أنها النبوة القدوة، المتعاملة مع السنن الجارية، الخاضعة لقوانين الاجتماع البشري، المبصرة بكيفية التعامل معه، ليكون ذلك دليل العمل مع الحياة للسائرين على الطريق بعد توقف الوحي.

لقد أسست النبوة الخاتمة لآليات النهوض، فكرا وفعلا، فالتغيير منوط بإرادة البشر، فالله أراد لهم أن يريدوا؛

يقـول تعالى: ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) (الرعد: 11)،

فالله سبحانه وتعالى من خلال سننه الجارية لا يأذن بحدوث التغيير إلا عندما تتوفر إرادة الجماعة، التي تمتلك أهلية التغيير وأدواته، فالتغيير يبدأ من بناء الإرادة من داخل النفس، من تغيير الفرد فالجماعة فالأمة.

فالتغيير كمشروع منوط بفعل وفاعلية الأمة كلها ( حتى يغيروا ) ،

وليس ببطل أو فرد أو زعيم أو نبي أو قديس أو زعيم ملـهم أو جمـاعة أو طائفة مهما عظم شأنها.. لقد أسست النبوة لمنهج التغيير؛ فليس التمحور حول البطل كشخص، حيث ينحصر الإنقاذ في ذاته ويتوقف على حضوره وإنجابه وإنجازه، وإنما أسست ليكون هذا التمحور والتعظيم منصرفا إلى البطولة كقيمة يمكن لكل أفراد الأمة مقاربتها ومحاكاتها والنـزوع إليها، وهكذا سائر الفضائل المطلوب توفرها للنهوض والإنجاز الحضاري. [ ص: 8 ]

فالخصائص المطلوبة للنهوض في قيم النبوة وعطائها لم تتمحور وتنحصر في الفرد الممتاز وإنما جعلت متاحة للأمة بعمومها، ولا يخرج الفرد عن أن يكون دليلا وأنموذجـا على إمكانية تجسيد هذه القيم في حياة الإنسان، وبذلك يتحول الفرد الصالح المصلح إلى أنموذج حضاري يشكل محرضـا حضـاريا يمنح الرؤية والإمكانية والممكن والدليل، ويبقى التغيير العام منوطا بإرادة الجماعة والأمة، وهذه سنة الله وقدره وإرادته، فهو الذي أراد للأمـة التي تنشد التغيير أن تريد وتعمل على تحقيق إرادتها بكل شرائحها ومن كل مواقعها وليس المكوث في غرفة الانتظار ليظهر الإمام، أو ينـزل الفارس من كوكب آخر، أو يخلق الزعيم الملهم، أو يأتي المهدي المنتظر ليملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا.

ومسيرة التاريخ الحضاري العام والتاريخ الإسلامي، كثمرة لتجارب تاريخ الأمم والنبوات، هي دليل على اطراد السنن الجارية، فكثير من الأنبياء بعثوا ولم يؤمن بهم أحد، فلم يحدثوا تغييرا؛ ولئن كان هذا دليلا من بعض الوجوه على أهمية الثبـات على الحـق، على المبدأ، وأن الحياة لا تخرج عن كونها موقفا مهما تضاءل أتباعه، فإنه من وجه آخر دليل على أن التغيير يبدأ من عند تغيير الفرد كخميرة نهوض وينتهي ليكون مشروع أمة كامل. [ ص: 9 ]

وبعد:

فهذا «كتاب الأمة» الثلاثون بعد المائة: «المشروع الحضاري لإنقاذ القدس» للأستاذ محمد عبد الفتاح حليقاوي ، في سلسلة «كتاب الأمة»، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية في دولة قطر ، في محاولتها لاسترداد الفاعلية، ومعاودة إخراج الأمة وبناء خيريتها، التي كانت بها خير أمة أخرجت للناس، تقوم برسالتها التغييرية في تحقيق إنسانية الإنسان، وتخليصه من الظلم والتسلط والهيمنة بكل صورها وأشكالها، القديمة والمستحدثة، وإلحاق الرحمة به، وتأهيله لحمل الأمانة وحسن أداء الرسالة، وتصويب رؤيته للكون والإنسان والحياة، وتأهيله لكيفية التعامل مع قيم الوحي، في الكتاب والسنة، واستصحاب السيرة النبوة وسيرة خير القرون، في محاولة بعث تجديدية تشكل دليل الحياة وكيفية التعامل معها، وضبط مسيرتها وفق هدايات الدين وإبداعات العقل.

إن إحياء الاجتهاد لتحقيق خلود القيم الإسلامية وتأكيد قدرتها على العطاء وتوليد الرؤي والأحكام التي ترشد الناس وتردهم إلى طريق الحق أصبح من المهام الكبرى للعلماء والخبراء، من مختلف التخصصات والمؤسسات ومراكز البحوث والدراسات؛ وبدون ذلك فلا سبيل للنهوض، في كل زمان ومكان، وفك قيود التقليد التي كبلت العقل المسلم وأوقفته عن العطاء وحاصرت امتداد القيم الإسلامية في حياة الناس بذريعة درء المفاسد، الأمر الذي أنتج المفسدة الكبرى وهي خروج شريعة [ ص: 10 ] الله من بناء حياة الناس، وإحداث الفراغ الكبير أمام كل وافد لدخول الفساد والإفساد.

إن الإصابة الكبرى، التي لحقت بالأمة وحالت دون امتدادها ومعاودة إخراجها، والحكم عليها بالموت مع وقف الدفن، هي في إغلاق باب الاجتهاد، وبذلك تعطلت العقول عن النظر والاجتهاد، وتوقف المجتمع عن الامتداد والتفكير في وسائل النهوض، وكأن الله الذي أنزل الشريعة الخاتمة الخالدة، وأعلى مرتبة الاجتهاد وتوليد الأحكام والاستجابة لكل قضايا الحياة إلى أن يكون أحد مصادر التشريع للأحكام، بعد القرآن والسنة، لا يعلم فساد العصور وتقلبات الأيام، وكأن من تذرعوا بالإغلاق خوفا على الدين من العبث هم أكثر غيرة على الإسلام والقرآن من خالق الإنسان ومنـزل القرآن، الذي رضي الإسلام دينا للناس في كل عصر وآن (!)

ولعلنا نقول هنا: إن الأسباب الحقيقية لإشكالية التخلف واستعصاء النهوض تتمثل في إغلاق باب الاجتهاد، وبذلك إقالة العقل من وظيفته، واعتبار أن النظر والتفكير والاجتهاد وتوليد الأحكام للاستجابة لمستجدات الزمان والمكان مروق من الدين وإثم وخطيئة وتطاول على شرع الله قد يصل إلى حد الكفر بالله، والعياذ بالله.

لقد أدخل العقل المسلم، الذي يشكل أهلية التكليف ومحل التلقي لخطاب الله ووسيلة فهم الوحي وإدراك أحكامه والنظر والاجتهاد في [ ص: 11 ] كيفية الاستجابة له، وتعدية الرؤية والحكم الشرعي لكل مستجد ونازلة، في غيبوبة لم يستفق منها، وبذلك دخلت الأمة معه حالة العجز والعقم التي لما تنفلت منها أو تنفك عنها بالشكل المطلوب حتى الآن، حيث أصبح ديدن الكثير من العقلاء والمفكرين الفرار والهرب من مجتمع المسلمين، الذي تحول إلى معسكرات للأسر والمصادرة لإنسانية الإنسان وكرامته وعقله على المستوى السياسي والثقافي وحتى الشرعي ليجدوا أنفسهم عند (الآخر)، ويجدوا حريتهم عند (الآخر)، وإبداع عقولهم عند (الآخر)، ومناخ إنتاجهم وتميزهم في مجتمعات غير مجتمعاتهم.

وما دامت هذه العقلية أو هذه الصورة من الاستبداد السياسي والتدين المغشوش والكهانة الدينية هي التي تحكم الحياة فإن ذلك سـوف ينتهي، كما هو واقع الحال، إلى تكريس وتنمية التخلف والتراجع الحضاري، وليس تخلف عملية التنمية واستعصائها؛ وتزداد الخطـورة أكثر فأكثر، كما هو الحال في كثير من بلاد المسلمين، عندما تتشكل الكهانات الدينية وتتحالف مع الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي ، بحيث تغادر الأمة قيمها ومعاييرها وأفكارها وتجربتها التاريخية الحضارية لتصبح وقفا على الأشخاص الذين يشكلون آلهة العصر، ووقفا على طبقة رجال دين تتحدث وحدها باسم الله وتجرم كل من يفكر بغير عقلها، كما يجرم الدكتاتور والمستبد السياسي كل صاحب رأي وعقل غير رأيه وعقله. [ ص: 12 ]

لقد أنزل الله من فضله كتابه للناس جميعا، وجاء خطابه ميسرا لكل إنسان، ليكون محرضا عقليا وفكريا،

يقول تعالى: ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) (القمر: 17)،

لذلك فمن حق كل إنسان أن يقرأ ويفكر ويتأمل وينظر ويعتبر ويدكر ويجتهد ويستجيب للتكليف بحسب قدراته واستطاعاته؛ وهذا الفضاء المفتوح في كتاب الله وتكليفه أمام العقل قد يلحق بعض الإصابات بسبب من الجهل والجراءة على القول بدون علم والغلو والانتحال وسوء النوايا والتحريف، وكل شيء في المجال الفكري الاجتهادي وارد، وكل احتمال أكثر من طبيعي في هذا المجال، لكن ليس العلاج إغلاق باب الاجتهاد وإلغاء العقل والنظر والتفكير والاعتبار والعودة إلى الأمية وإلغاء وظيفة الوحي باسم الحرص على الوحي.

فالاعتبار والنظر والوعي المطلوب لقارئ القرآن، المأمور به الإنسان، سوف يؤدي به إلى استخلاص العبرة ومن ثم العبور إلى إبصار المستقبل في ضوء رؤية الماضي؛ والتدبر الذي أمرنا به سوف يؤدي بصاحبه إلى امتلاك ملكة التدبير والنظر في الأمور، وهذا من الاجتهاد.

نعاود القول: ليس العلاج لما يحتمـل من إصابات في إلغاء العقل وما يتولد عنه من النظر والاجتهاد والاعتبار (الذي يعني الغياب الشرعي والغيبوبة العقلية بكل أبعادها)، وإنما العلاج بفتح باب الاجتهاد والتفكير والتفاكر والتثاقف والتقويم والمراجعة على مصراعيه؛ هذه العمليات [ ص: 13 ] الفكرية هي دون سواها وسيلة التصويب ورد الأمور إلى نصابها، وبناء حالة التوازن والتوسط والاعتدال، والحيلولة دون الجنوح؛ وتلك مهمة العلماء العدول في كل خلف وجيل من الأمة، وهذه هي جدلية الحياة، التي تعني ديمومة عملية ضرب الحق والباطل، ليذهب الزبد ويمكث في الأرض ما ينفع الناس،

يقول تعالى ( كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال ) (الرعد: 17).

إن أي تفكير بمشروع للنهوض، أو أي تفكير بالإجابة عن سؤال النهضة دون البدء في إحياء النظر والاجتهاد هو نوع من الرسم بالفراغ، واستنبات للبذور في الهواء، والضرب في الحديد البارد، وتسجية للوقت، وإلهاء لجماهير الأمة بأوهام وشعارات لا نصيب لها من الحق والواقع، حتى ولو كانت لافتات إسلامية.

ونستطيع أن نقول: إن حالة الركود والاستنقاع واستمرار سؤال النهضة مشروعا وملف النهوض مفتوحا كان ولا يزال أمرا موازيا وملازما لإغلاق باب الاجتهاد، ذلك أن الإغلاق أدى إلى الاستغلاق، وانتهى بالأمة إلى إعفاء نفسها من المسئولية ودخول غرف الانتظار طلبا للمخلص والمنقذ والفارس والبطل والإمام المنتظر، الذي سوف يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا وظلما، الذي يأتي من الكواكب [ ص: 14 ] الأخرى، وتكريس الاعتقاد والتفكير الأعوج أن المزيد من الانحطاط والظلم مدعاة لسرعة حضوره.

وقد نستغرب، أو لا نستغرب، في حالات التخلف والتراجع الحضاري، أن يصبح الإغراق في الانحطاط والتخلف من أعلى أنواع التدين، والانسحاب من المجتمع والهروب من تحمل المسئولية وأداء الأمانة دليل الزهادة في الدنيا والإعراض عن مفاتنها وزينتها، حتى انتهى الأمر إلى شيوع تفسيرات للقيم الإسلامية عجيبة وغريبة ومريضة، فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحذر النساء من سوء العشرة، ويخبر أنهن من أكثر أهل النار، بسبب كفران العشير وعدم إدراك مسئوليتهن الاجتماعية والأسرية، وأن ذلك الترهيب إنما ورد ليدعو إلى الاستقامة والانسجام الأسري واستشعار المسئولية في بناء الحياة الأسرية على التوازن والتفاهم والانسجام والإحساس بالتبعة، أدى الفهم والتفسير لهذا الحديث عند صاحبات العقل المتخلف إلى أن درء الدخول في النار إنما هو بعدم الزواج، على ما في ذلك من مخالفة السنة والفطرة!

وأغرب من ذلك الفهم والفقه والتدين محاولة تسويغ المعاصي والإصرار على فعلها بمسوغ شرعي،

فقوله تعالى: ( يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك ) (الانفطار:6-7)،

يتحول ليصبح عند بعضهم فهما معوجا، فيقول: «غرني كرمك ورحمتك وعفوك»! وهكذا تتحول بعض الفرق من الصوفية المنحرفة إلى لون من [ ص: 15 ] ممارسة الإباحية وإسقاط التكاليف الشرعية باسم الدين؛ وتلك الانحرافات كلها إنما تراكمت بسبب إيقاف الاجتهاد وما يترتب على ذلك من ضرورة تصويب العلماء العدول وإقامة الكتاب والميزان في حياة الأمة.

إن إغلاق باب الاجتهاد، الذي لا يخرج عن كونه وجهة نظر واجتهاد، أدى إلى انطفاء فاعلية الأمة، التي تعتبر المحرك والمحرض الحضاري الذي يصنع القلق السوي، الذي يدفع إلى النظر والتحري والتجربة والملاحظة والاختبار ومحاولة تلمس سبل التغيير؛ يدفع إلى التدبر الذي يورث ملكة المقايسة والمقارنة والمقاربة والعبرة من الخطأ، والقدرة على تجاوزه، وعدم السقوط في الحفر نفسها، كما هو حال الأمة اليوم.

ولم يقتصر إغلاق باب الاجتهاد على إقالة العقل من وظيفته؛ بل حصل ما هو أكثر من ذلك، انتهى إلى التخويف من الاقتراب من العقل والعقليين، على الرغم من أنه، شرعا ووحيا، هو مناط التكليف ووسيلة تلقي الوحي وفهمه والاستجابة لتعاليمه والاجتهاد في تنـزيله على واقع الناس، لذلك نعاود القول: إن سؤال النهضة كان ولا يزال قائما، والمحاولات كلها للإجابة، على مستوى الفكر والعقل، لم تغير ساكنا، حيث ما زلنا نراوح عند فتح الملف ونعيش الشتات الثقافي لغياب المنهج والقاعدة والمنهجية، ونتوهم العافية، وتضيع أعمارنا بتعليق آمالنا فيمن كان شحمه ورما، فيصدق فينا قول الشاعر: [ ص: 16 ]


أعيذها نظرات منك صادقة أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم



ولعل من أخطر نتائج إغلاق باب الاجتهاد، الذي يعني التوقف وتعطيل التفكير والتطلع إلى وسائل النهوض وإبداعها: غياب العقل الناقد، واعتباره لعنة، وممارسته مروقا من الدين، وعلى أحسن الأحوال القول في الدين بالرأي، والخروج على الوحي، والاعتراض على أحكام الله وتكاليفه، الأمر الذي أدى إلى الجمود على الفهوم السابقة، التي اجتهدت لعصرها، ومحاصرة للشريعة عن الامتداد، وإيقاف للخلود الذي يعتبر من أخص خصائصها- حيث لا يخرج الخلود الذي ندعيه وننادي به عن القدرة على تعدية الرؤية وتوليد أحكامها في كل زمان بكل مستجداته- ورمي كل تفكير وإنتاج وإبداع وعطاء بالابتداع ( وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ) (أخرجه النسائي ).

وقد تكون الخطورة، كل الخطورة في إلباس هذه العطالة اللبوس الديني، وممارستها تحت شعار التقوى والورع والخوف على دين الله والتزام السنة والاقتداء بسلف الأمة، حيث أصبح هذا شعارا نرفعه في وجه كل ابتكار وإبداع دون وعي وبصيرة وتمييز وفهم لدلالة مصطلح «البدعة» في الدين وانحصار مجالها في عبادة الناس.

وكل ذلك قد يهون أمام ما أورثت وأفرزت عطالة العقل من الفهوم المعوجة حول القدر والحرية ومسئولية الإنسان عن عمله، حيث المسئولية -كما هو معلوم- فرع الحرية، وشيوع مذاهب الجبرية والقدرية في [ ص: 17 ] الأمة، وإعفاء النفس من رسالتها ووظيفتها وتكليفها بالتغيير والارتقاء والتصويب بمعاذير ومسوغات دينية، والإلقاء بالتبعة على القدر، فالله خلقنا وما نعمل، مستدلين بقوله تعالى: ( قال أتعبدون ما تنحتون ) (الصافات: 95)،

علما بأن الآية وردت في مجال خلق الله للناس والحجارة، التي ينحتونـها ويتخذونها أصناما تعبد من دون الله بما لا يليق بعاقـل، والاعتقاد أنه القـدر النازل من السماء -والعجيب الغريب أن يكون القدر مختصا بالأمة المسلمة دون غيرها!- وأن أي محاولة لتغيير الحـال هـو اعتراض على إرادة الله وقدره في الناس وقضائه في العباد، وفي ذلك عودة بالفرد والمجتمع والأمة إلى الطفولة العقلية، إلى العقل الخوارقي الأسطوري، الذي ينتظر حصول المعجزة لإنقاذه مما هو فيه، والذي ما كان الوحي إلا لخلاص الناس من هذه الإصابات العقـلية وحفظ كرامة الإنسان وحماية عقله وسلامة تفكيره.

ولعل من المستغرب أيضا أن يتوافق ذلك مع ما تمتلئ به أدبياتنا وكتاباتنا ووعظنا وخطبنا من أن الله لم يخلق الدنيا عبثا وإنما خلقها طبقا لنظام محكم يليق بالله سبحانه ويدعو للإيمان بالخالق المبدع، حتى لقد اعتبر (دليل النظام) هذا أحد الأدلة الأساس في الاستدلال على وجود إله لهذا الكون، الذي لم يخلق عبثا؛ وكثيرا ما نتلو الآيات، ونكرر تلاوتها، التي تستنكر حال من لا يدركون نظـام الكون وخضوعه للسنن [ ص: 18 ] والقوانين ولا يدركون حرية الإنسان في الفعل والترك ومسئوليته عن الإيمان بهذا النظام ومسئوليته عن التعامل معه وتسخيره،

من مثل قوله تعالى: ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) (المؤمنون: 115)

فالكون يحـكمه نظـام ويسير وفق سنن وقوانين وأقدار مطردة، والله تعالى يقول : ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) (آل عمران: 137)

ويقول: ( سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا ) (الأحزاب: 38)

فأقدار الله هي سننه في الكون، ويقول تعالى: ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين * هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ) (آل عمران: 137-138)،

سنن اجتماعية وقوانين وأقدار مطردة تخضع لها مسيرة الحياة؛ فهل نعي هذه القوانين ونحسن التعامل معها وتسخـيرها، وبذلك يتحقـق انسجام الإنسان مع نظـام الكون وسنن الحيـاة فننتج حضارة متميزة تحمل الرحمة للناس؟

فالإنسان (العدل) صانع الحضارة أمل النهوض هو الذي يعي ويدرك سنن الكون والحياة ويحسن التعامل معها ويغالب قدرا بقدر؛ والإنسان (الكل) هو المعطل المتخلف المنطفئ الفاعلية، العاجز عن إدراك السنن، المنتظر الخوارق والمعجزات. [ ص: 19 ]

والعجيب في حال هذا الأمة ما انتهى إليه كثير من أبنائها من التلبس بالتدين المغشوش والفهم الأعوج لقيم الدين والذهاب إلى انتظار الخوارق والمعجزات لحل مشكلاتهم وتغيير حالهم(!)، فالمعجزة كما هو معلوم: الأمر الخارق للعادة، أي الخارق للأسباب، مما يعني - من بعض الوجوه- أن الحياة والكون والإنسان خاضعة لأسباب وسنن مطردة.. وكون المعجزة خرقا للأسباب من قبل الله دليل على اطراد تلك الأسباب والسنن، وأن عطاء المعجزة، بقيادة الموحى إليه، تحقق من خلال عزمات البشر في التزام الأسباب والسنن، وقدمت أنموذجا وقدوة للنهوض ودليلا للسقوط من خلال حسن التعـامل مع السنن أو الخطأ في التعامل معها، ولم تأت في إقامة الحضارة وبناء العمران ونهوض المجتمع بالخوارق والاصطدام بالسنن، الأمر الذي يكرس عطالة الإنسان وعجزه.

لقد خضعت المسيرة الإسلامية النواة بقيادة النبوة لكل الأحوال، وفي شتى المجالات، للتعامل مع السنن من خلال الطبيعة البشرية نفسها، سقوطا ونهوضا، لتكون دليل العمل والتعامل والتسخير؛ فالتحول عن السنن الجارية وانتظار السنن الخارقة نوع من البله العقلي والتدين الفاسد، لذلك ومن هنا نقول: إن هذه الثقافة أو هذه العقلية يمكن أن تعتبر السبب الرئيس في استمرار العجز وفشل مشروعات النهوض وارتكاسها وقصورها في الرؤية وبقاء سؤال النهضة مغلقا وملفها مفتوحا؛ والأخطر من ذلك أن يحول هذا التدين الفاسد دون المراجعة والنقد والتقويم واكتشاف مواطن الخطأ ودراسة أسبابه وأخذ الحيطة والحذر والعبرة لعدم تكرارها. [ ص: 20 ]

وقد نلاحظ أن من أعظم إنجازات هذا التدين المشوه -إن صحت تسميتها إنجازات- ما يحملنا عليه من النخوة والانفعال وسرعة الاستجابة لترميم آثار الإصابات(!) أما التفكير في أسبابها وبيان الخطأ والتقصير واستدراك ذلك في قابلات الأيام؛ فذلك اعتراض على قدر الله وتحكيم للعقل وإبعاد للوحي، الذي اعتبر القدر من أركان الإيمان(!).

إن إغلاق باب الاجتهـاد شكل المناخ لهذه الفهوم الفاسـدة، التي لا ينتجها إلا العقل البليد؛ فإذا حـرم الإنسان من التفكير والمقاربة والمقارنة والاجتهاد في تنـزيل القيم على واقع الناس، بحسب تغير أحوالهم وتفاوت استطاعاتهم، وما قيم الدين إلا لصناعة الدنيا وبناء السلوك والمجتمع الفاضل، فمن أين يأتي الإنتاج كثمرة للعقل محرك النهوض، ومن أين يتكون العقل الناقد لهذا الإنتاج الغائب؟ فالعقل الناقد المجتهد هو ثمرة وجود اجتهاد وإنتاج وعمل وعطاء، فكيف وحالتنا هذه نطلب حضور العقل الناقد القادر على التقويم والمراجعة والمناقشة والمقارنة والمقاربة وبيان كيفية الاقتداء؟ لذلك نعتقد أن تكرار الإصابات واستمرار حالات العجز والتخاذل والخزي أكثر من طبيعية.

ولعل من عجائب الأمور وإفرازات الذهنية التي تلقي بالتبعة على القدر لتعفي نفسها من المسئولية هو شيوع فلسفة الجبر أو عقلية الجبر، التي قد تعتبر اليوم، عند بعض المسلمين، من أعلى أنواع التدين، [ ص: 21 ] وتستخدم لذلك إسقاط بعض الآيات على هذه الحالة الشاذة المتناقضة مع كل عقل ووحي،

من مثل قوله تعالى: ( بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) (النساء: 65)،

( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) (الأحزاب: 36)،

وهكذا يستدل بالآيات مقطوعة عن سياقها ومقاصدها، مع أن الرسـول صلى الله عليه وسلم يقـول: ( احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ) (أخرجه مسلم )،

والله تعالى ناط العمل والتغيير والارتقاء وإقامة العمران بإرادة الإنسان وفعله، ورتب على ذلك المسئولية والجزاء ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى ) (النجم: 39-41) ؛

فالله هو الذي أراد للإنسان أن يريد، أن يكون حرا، وشرع له السنن الجارية، وطلب إليه تسخيرها لتحقيق مصلحته وفق مقاصد الدين، وقدم له نماذج من النبوة على كيفية التعامل معهـا،

فقـال تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ،

حيث ناط الله فعـله بالتغيير بإرادة المجتمع، الناس، القوم، -كما أسلفنا- الذين يدركون السنن فيتعاملوا معها، ويغالبوا قدرا بقدر، ولعل كلمة ابن القيم ، رحمه الله، وهو العالم السلفي النصي المجدد، يمكن أن تشكل الرؤية الدقيقة والشرعية في هذا المقام عندما يقول: « ليس المؤمن الذي يستسلم للقدر، وإنما المؤمن الحق من يغالب القدر بقدر أحب إلى الله » (مدارج السالكين) [ ص: 22 ] وهذا الفهم هو المهماز الحضاري ودليل النهوض ومحرك الفاعلية.

إن عملية التغيير أو مشروعات النهوض بشكل عام مشاريع تتطلب استيعاب الأمة جميعا لها وانخراطها بها بحيث تستنفر طاقاتها وتجمعها وتنفر لإنجازها، كل من موقعه، ذلك أن مشاريع النهوض غالبا ما تكون من تفكير نخبة وإنجاز أمة.. فالله سبحانه وتعالى في سننه وقوانينه للتغيير قال: ( حتى يغيروا ) فواو الجماعة هنا لها دلالة واضحة، حيث تبدأ إرادة التغيير واستيعاب التغيير والتأهل للتغيير بتغيير ما بالنفس من عند الفرد، وتتراكم إرادات الأفراد وتتعاظم لتشكل مجرى التغيير العام القاصد، عندها يحدث التغيير والنهوض، الذي يشارك فيه الأفراد جميعا، وينعكس على الأفراد أو على الأمة جميعا.

لذلك نقول: إن أي مشروع نهوض لا تفقه الأمة ثقافته ولا ينـزل إلى مستوى تعبئة الأمة ولا تتفاعل معه ولا تنخرط فيه ولا تبصر أهدافه ووسائله بوضوح وتستشعر المسئولية تجاهه محكوم عليه بالفشل والسقوط، فدور الرواد والأبطال والزعماء والنخب هو قدح الشرارة، وإيقاد الشمعة، وإنارة الطريق، وتحريك الفاعلية، وتحديد الأهداف العامة الواضحة والمرحلية، واختيار الوسائل واختبارها وتحويلها لتكون رؤية نخبة وبطل وزعيم وعبقري وإنجاز أمة؛ وحتى رسل الله الكرام عملوا على [ ص: 23 ] تثبيت الإيمان في الفرد فالأمة، فتحولت بذلك الإيمان إلى أمة قادرة على أن تجمع طاقاتها وتستشعر مسئولياتها تجاه واجبها ودورها الرسالي.

ولعل في دروس السيرة، حيث معرفة الوحي وتنـزيلها على واقع الناس وتسديد الوحي ومراجعته لكل خطأ وبيانه لكل خلل، ما يؤكد لنا هذه الحقيقة، ذلك أن النبوة لم تعتمد السنن الخارقة والمعجزات وتعفي نفسها والمؤمنين بها من التبعة والمسئولية، وإنما تعاملت مع الحياة والأحياء من خلال السنن الجارية وعزمات البشر، وخضعت بكل تاريخها إلى عوامل وقوانين السقوط والنهوض والنصر والهزيمة، والصحة والمرض والوهن والتمكين، وهذا الذي يرشحها لأن تكون المنطلق ومصدر الرؤية ومحل التأسي والاقتداء.

فالخضوع للسنن الجارية والقوانين الاجتماعية وعوامل السقوط والنهوض والقيام بعمليات التقويم والمراجعة واكتشاف مواطن الفشل والقصور وأسبـاب التقصـير وبناء العقـل الناقد واعتماد الاستطاعة، أو ما يسمى في علم السياسة بـ«فن الممكن»، كان دائما هو وسيلة التصويب، وإمكانية التسخير للسنن، ومغالبة قدر رضي الله عنهما بقدر، وروح الارتقاء والنهوض، وسبيل الصمود والاحتماء من السقوط، فالشعار كان دائما، للحركة الإنسانية، للسقوط والنجاح: ( أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير ) (آل عمران: 165)،

( حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ، (الرعد: 11) وحتى لو وجد في [ ص: 24 ] المجتمع بعض الأفراد الممتازين الموهوبين النخبويين الأبطال، والجماعات والأحزاب لكنهم عزلوا أنفسهم وعجزوا عن التفاعل والانفعال مع الأمة فلن يستطيعوا التغيير.

ولعل قول الله تعالى: ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) (الأنفال: 25)،

والحديث الذي ترويه أم المؤمنين زينب بنت جحش ، رضي الله عنها، عندما سألت الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث ) (أخرجه البخاري )، ما يشكل إضاءة واضحة أو معلما حضاريا على طريق السقوط والنهوض، وأنه لا يتحقق إلا من خلال أمة بكل مقوماتها.

لذلك، فالحديث عن إشاعة ثقافة السنن الخارقة والبطل الخارق والزعيم الملهم والقائد الفذ والإمام المنتظر هو نوع من التعطيل والتخدير وتكريس التخلف، أو تنمية التخلف، والقضاء على كل أمل في النهوض، حتى لو استطاع بعض تلك الزعامات تحريك جماهير الأمة ودهمائها وتحقيق انفعالها وعجز عن تقديم رؤية واضحة وبرنامج عمل مدروس، فسوف تتحول إلى هياج غوغائي طائش السهم بعيد عن أي إنجاز، بل على العكس قد يكون في مصلحة العدو، الذي يتخذ من ذلك ساحة للدراسة والمعرفة واكتشاف أزرار الضغط على الأمة لتحريكها، ووسيلة لاختبار ذهنيتها، وبناء خططه في المواجهة في ضوء هذه الخبرات المتحصلة. [ ص: 25 ]

ولعل من أبرز خصائص وصفات القيادة الناجحة هي القدرة على التأثير والإقناع والبصارة المنفعلة، وحسن تقدير العواقب والمآلات وإدارة الأزمات وإشراك الأمة في هذه البصارة، وإدماجها جميعا في مشروع النهوض، ووضعها على جادته، وترشيد خطاها في ضوء الاستطاعات مناط التكليف، بعيدا عن الغوغائية والحماس والمجـازفات غير المحسوبة، لا شرعا ولا عقلا، حيث ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) (البقرة: 286)،

والتطاول إلى ما لا تستطيع وانتظار السنن الخارقة دون اعتماد السنن الجارية والأسباب والتزام حدود الاستطاعة، التي تعتبر في مقدمة شروطها ولوازمها.

فآيات القرآن ونصوص الحديث وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم كلها تؤكد أن التعامل والعمل إنما هو من خلال السنن الجارية في الحياة والأحياء، وليس من خلال الخوارق والمعجزات، بل قد نجد نصوصا كثيرة تؤكد ذلك وتوضحه،

ولعل في قوله تعالى: ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم ) (محمد: 4)،

ما يؤكد ذلك ويزيل أي لبس ويجعله تكليفا من التكليف.

فالقيادة في أخص خصائصها إدراك أسلحة العصر الفاعلة، والعمل على إقامة مجتمع المعرفة والتخصص والحكمة والتكامل، وبناء الخبرة، وتوزيع العمل، وحسن اختيار أهل الحل والعقد- ولكل قضية مطروحة [ ص: 26 ] أو لكل إشكالية أهل حلها وعقدها من الخبراء والمتخصصين-والتأسيس والتأصيل لذلك، لتتحول من شعار إلى فعل، وذلك بإقامة مراكز البحوث والدراسات، ومؤسسات الإحصاء وتحديد وقياس الإمكانات، ومراكز استشراف المستقبل واستطلاع توجهات الرأي العام، والقدرة على التبادل المعرفي، والإفادة من تجربة (الآخر)، والقدرة أيضا على استشراف الماضي واستصحاب عبرته وليس الانحباس ضمن أسوار زمانه ومشكلاته وأشخاصه، القدرة على تجريد تجربة الماضي من إطار الزمان والمكان والقدرة على توليدها في زماننا ومكاننا، لنضيف أعمارا إلى عمرنا وتجارب إلى تجربتنا، ونبني أهلية التحليل والتقويم والدراسة المعمقة لكل حدث وظاهرة وفشل ونجاح وسقوط ونهوض، ونكتشف أسباب نجاحنا ونعمل على تنميتها، ونحدد أسباب فشلنا وسقوطنا فنحاصر امتدادها ونتقوى بعبرتها، حتى لا نعاود السقوط، فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.

وليس من مؤهلات القيادة جهورية الصوت وإلهاب الحماس وتهييج الجماهير وسماكة الحناجر وبناء السواعد على حساب الأدمغة والعقول (زعامة الخطب) ومن ثم تترك الجماهير الغاضبة الملتهبة حماسا واتصالا لتلقى مصيرها وتعاني من الإحباط، وتتحول إلى وسيلة إيضاح للعدو لدراستها والتعرف على قيم وإمكانات قيادتها دون رؤية واضحة الخطوات مبصرة البرامج مدركة الاستطاعات. [ ص: 27 ]

فالعاقل الذي يعتبر بغيره، والأحمق هو الذي يكون عبرة ومحل تجريب لغيره؛ فكم نرتكب يوميا من حماقات بإصرارنا على الخطأ والقراءة بأبجدية خاطئة لأحداثنا وتجاربنا وممارساتنا، بنوع من الصلف والاستكبار؟!

وكان المطلوب بعد كل محنة وإصابة أن نراجع فعلنا ونفحصه ونحدد سلبياته و ( كل ابن آدم خطاء ) (أخرجه الترمذي ) ونتعود ممارسة التوبة السياسية والفكرية والسلوكية، إلا إذا كنا مجتمع ملائكة؛ ذلك أن التوبة في حقيقتها هي عود على الفعل وإلى الفعل وتقويم له والعزيمة على عدم الوقوع بالخطأ مرة أخرى، نقرأ أنفسنا وكسبنا، ونقرأ عدونا، ونخلص إلى نتائج دقيقة من خلال السنن والقوانين التي تحكم الحياة والأحياء؛ أما أن تستمر العطالة ونكتفي بلعق جراحنا ونعاود حياتنا وكأن شيئا لم يكن، وخصمنا يدرس أداءنا، ويتعرف إلى مواطن ضعفنا، ويقرأ ذهنيتنا، ويعد العدة للتعامل معنا في ضوء تلك المعطيات جميعا، فأمر يدعو للحزن (!) وليس ذلك فقط، بل قد نفعل الأسوأ والأخطر وذلك بممارسة التضليل، والقراءات المعكوسة، وتحويل الهزائم إلى انتصارات، واستدعاء الخوارق، وتكريس الأوهام، والتأهل لهزيمة ومحنة جديدة، ومدافعة القتل بمزيد من القتلى، والتحول إلى مخزن للتضحيات تستخدم وقت اللزوم (!) وأوراق على لعبة الشطرنج.

إن النـزوع إلى الشهادة والموت في سبيل الله وتقديم التضحيات بالنفس والمال لا شك أنها من القيم الكبرى، لكن لا بد أن يصاحبها فقه [ ص: 28 ] سديد بأن ذلك كله من الوسائل لإرضاء الله وإزاحة الطغاة من أمام نشر الدعوة وإقامة المجتمع الإسلامي، الذي يحمل الخير للناس جميعا ويسوي بينهم وينقذهم من الظلمات إلى النور، مجتمع يتمثل الإسلام في حياة أبنائه وسلوكهم وعلاقاتهم، وليس الموت، مهما كانت أهدافه، فالدم المسلم أكرم على الله من البيت الحرام، أو إجادة صناعة الموت، الأمر الذي سوف يحولنا إلى مخزن للتضحيات قد يستخدمها (الآخر).

وقد تكون الإشكالية أننا نتعلم كثيرا فضل الموت في سبيل الله وثوابه العظيم، وهذا أمر طيب، لكننا لا نتعلم إلا قليلا كيف نحيا في سبيل الله، وما هي مقومات الحياة في سبيل الله والقيام بعبادته وحمل الرحمـة للعالمين، الغـاية التي من أجلها كانت رسالة الرسل، عليهم السلام:

( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء: 107)،

وندرك أن المسلمين في عهد النبوة وقيادة النبوة منعوا من القتال في سبيل الله لحفظ حياة طائفة بسيطة مؤمنة في المجتمع الكافر المعادي،

يقول تعالى: ( هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ) (الفتح: 25).

فالمجاهدة إنما تكون في الميادين جميعها؛ ومشروع النهوض هو مشروع أمة بكل فئاتها ومواقفها ومسئولياتها؛ والجهاد، بمعنى دفع العدوان [ ص: 29 ] وإزالة المعوقات من طريق الدعوة ونشر الحرية، جانب أساس في مشروع النهوض بكل أدواته، لكن لا بد لنا أن نعرف أين نضع أقدامنا، لا بد من التخطيط ودراسة الجدوى ومعرفة الإمكانات الذاتية وإمكانات الخصم وخططه والتمتع بوضوح في الرؤية والهدف ونظافة الوسيلة، وكل ذلك من الجهاد، بمعناه العام، ( فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ومن قاتل تحت راية عمـية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبة أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهلية ) (أخرجه مسلم ).

فالقضية إيمان وبصر وبصيرة وإحاطة، وفكر وفعل وممارسة، واستشعار بالمسئولية، والتزام بآداب الجهاد وارتباط بأهدافه، وضبط لأدواته، وليس مجرد توثب روحي وحماسات وغضب عارم وحناجر سميكة وخطب رنانة ورايات عمية قد يتسلمها أو يحركها العدو فتقود الأمة إلى حتفها، حتى ولو كان ظاهرها يرفع شعار الإسلام.

ولعلنا نقـول هنا: إننا نكاد نكون الأمة الوحيـدة التي لم تتعـلم ولم تنتفع بتجاربها وتبصر أبعاد الحركة والساحة التي تعمل فيها، وهذا من الغباء والبلاء.

ويمكن القول: إن تاريخ التردي والتراجع أصبح إرثا اجتماعيا، وفلسفة الهزائم أصبحت من أهم أدبياتنا من أكثر من قرن، من حين أطلق العرب: «الفرس الشقراء» ورفعوا شعار: «طاب الموت يا عرب»، ومن حينها ما تزال معركة الشعارات هي التي تحكمنا وتجلب لنا الكثير من [ ص: 30 ] الويلات، وفي مقدمتها ما كان من بلاء الاستعمار القديم والحديث وتقسيم أرض العرب المسلمين (بمعاهدة سايكس بيكو) وذهاب فلسطين وتقاسمها بين من حرضونا على إخواننا في الدين وقاتلوا فينا، وما تزال هذه ذهنية سارية فينا وإرثا نضاليا، وما نزال مخزنا للتضحيات تستدعى وقت اللزوم، وما حديث أفغانستان عنا ببعيد، حيث استخدام الجهاد والمال والمجاهدون في قتال الاتحاد السوفيتي ، ومن ثم وبعد قضاء المهمة تحول الجهاد إلى إرهاب والمجاهدون إلى إرهابيين يطـاردون، وليس ذلك فقط بل أصبح المسـلم، أيا كان، إرهابيا (!)

وقد لا يتسع المجال للإتيان على ذكر الكثير من الحماسات والارتجال الذي دفع إلى دخول المعارك الخطأ غير المحسوبة بدقة، والقيام بمجـازفات لم تحمل لنا إلا الفشل وخيبة الأمل والحسرة، والسعي بكل ما نمتلك لترميم آثارها وما يستدعي ذلك من التنازلات والخضوع للضغوط أو الابتزاز والتذرع بالظروف والضرورات الملجئة، بحيث يصير غاية ما نصبوا إليه استعادة حالنا السابق، داعين لموتانا بالرحمة، وما ذلك إلا بسبب من عدم استيعاب سنـة الله وافتقاد الرؤية الاستراتيجية ووجود القيادات المؤهلة والخبراء المتخصصين في تقديم الرأي النضيج والحساب الدقيق.

وهكذا نستمر في طحن الماء وقبض الريح والتراجع، حيث مشاريع التنمية اقتصرت عندنا على نمو القدرة على صناعة المسوغات وفلسفة الهزائم. [ ص: 31 ]

لقد أصبحنا وقودا لطبخات لا نصيب لنا فيها، فالقدرة على الموت والتضحية هي -من بعض الوجوه- كالقدرة على الدفن وحمل الجنائز والبكاء على الميت والتبرع السخي لترميم آثار الحرب والعجز عن دراسة أسبابها، وانعكاس ذلك على واقعنا ومستقبلنا، وتستمر فينا رحلة البكاء ليصبح نسيجـا ذهنيا وإرثا اجتمـاعيا، كما أسـلفنا، دون أن نغيـر ما بأنفسنا، وليست النائحة كالثكلى، فالشعوب التي تخادع بالشعارات وتحرك بعواطفها وانفعالها وصدقها اليوم هي الثكلى، والأنظمة هي النائحة، التي توهم الجماهير بحمل همها ومعـالجة قضـاياها، والحقيقة أنها تأكل بدمائها، وتقدمها قرابين لأسيادها.

وكم نتمنى أن تتوجه تربيتنا وتعليمنا وإعلامنا ومناهجنا في الأسرة والمدرسة والنادي والجامعة والمجتمع ووسائل الإعلام -كونها تعليما مستمرا- إلى بناء العقل الناقد، القادر على الفحص والاختبار والمراجعة والاكتشاف والملاحظة والمقاربة والمقارنة والمقايسة، العقل القادر على رؤية الصواب ورسم ملامح الطريق وتقديم الأنموذج خاصة وأننا نمتلك معايير النقد والتقويم والمراجعة من خلال معرفة الوحي المعصوم وتجلياتها في السيرة، لكنها عطلت وتحولت إلى مجال للتبرك والتفاخر والمساهمة السلبية بتكريس وتسويغ الاستبداد السياسي وتشكيل الكهانات الدينية؛ وكم كنا نتمنى أن تكون حركات التغيير ومشاريع النهوض محل دراسة، [ ص: 32 ] بل دراسات تحليلية تفكيكية، وتحديد جوانب الفشل وأسبابه، وكيفية استدراكه في قابليات الأيام، إذ ليس من المعقول ونحن نعيش حالة الفشل والإخفاق البائسة، خاصة وإن معظم مشروعاتنا لم تحقق هدفها، ومع ذلك فنحـن مبرأون من الخطأ والمسئولية، وإذا حوصرنا وفقدنا الإجابة نعلق ذلك على قدر الله، الذي يستهدفنا دون غيرنا (!)

وعلى الوجه الآخر للإشكالية، كم كنا نتمنى أن يقدم من تصدوا للاضطلاع بمشروعات النهوض وأقاموا لها المؤتمرات والندوات غير الخطب والحماسات والخطاب الوعظي فيما يجب فعله دون القدرة على تقديم الكيفيات للوصول إلى هذا الـ «يجب»، أو من تصدوا للعملية النقدية والتنظير دون أن يقدموا دراسات وقراءات خاضعة لمنهجهم الذي رأوه واكتشفوه ويبشرون به، لكن للأسف الشديد لقد تحول النقد في واقعنا الحزين إلى نوع من البكائيات، التي لم تزد الأمة إلا حزنا وحسرة وبعثرة وخبالا وانعدام ثقة بمشروعات النهوض وأصحابها، أو إلى رؤى قادمة من وراء الحدود، تفتقد إلى المرجعية وتجافي معادلة الأمة الاجتماعية، فتحولت رؤاهم إلى صيحة في واد، هذا في الوقت الذي قرئ تاريخنا وحضارتنا قراءة فعلية من خصومنا، وأخضع لمناهج وفلسفات خارجة عن طبيعته وسياقه ومرجعيته وقيمه، من اشتراكية ويسارية وليبرالية ورأسمالية ، وقدمت لذلك نماذج عملية أوقعت في شركها الكثير [ ص: 33 ] من أبناء المسلمين، بسبب غياب القراءات المستهدية بهداية الوحي ومسالك خير القرون.

وليس مستغربا أن يحاول أصحاب المذاهب والفلسفات كلها الدخول على الأمة من خلال تراثها، والعمل على أسرها وارتهانها وإيهامها أنهم أولاد شرعيين لحضـارتنا، إلا نحن الذين خرجنا من تراثنا أو جمدنا عليه تقليدا وتقديسا واكتفينا بذلك.

ونخشى أن نقول في محصلة هذا الواقع وهذه المعطيات: إن النقد على مختلف المستويات أصبح يدور في فراغ، ويجتر الماضي ويدور في إطاره دون توليد لخطوة النهوض، ويساهم بشكل سلبي بتنمية التخلف، حيث إننا نعاني في معظم أنشطتنا من نتيجة التخلف والتراجع بدل تخلف التنمية وكيفية النهوض بها.. لقد تحول النقد إلى ساحات لتنفيس الاحتقان وامتصاص القلق وتزجية الأوقات والمحافل، وإعادة إنتاج الإشكاليات، التي لم تزد الأمة إلا ضياعا، ومحصلتها في أحسن الأحوال صناعة نوع من القلق المرضي.

لقد استطاع النقـد الإعـلامي أو الردح الإعلامي هدم بعض الأبنية لفسـادها، لكن بعد تكسـير الأسوار وفضح الفسـاد وبيان الخلل يجيء السـؤال الكبير: ماذا بنى هذا النقد، وماذا قدم، وما هو الحصاد لهذا الضجيج الإعلامي والثقافي، الذي يخطف الأبصار ويصادر [ ص: 34 ] الآذان والعيون، ويقف عند حدود ذلك؟ إنه استطاع وأحسن الهدم وهز بعض الثوابت وكسر الأسوار، لكنه مع الأسف عجز عن البناء، لذلك فمحصلته النهائية، شاء أم لم يشأ، تنصب في عملية تكريس التخلف وإصابة الأمـة بحـالة اليأس والإحباط وأي أمل في النهوض.

لقد أصبح النقد وسيلة شك وتشكيك، وإعادة إنتاج الثنائيات التي شكلت فخاخا أوقعت الأمة في شراكها، وأنهكت قواها، وبعثرتها إلى فرق وطوائف من مثل الدنيا والآخرة، والعروبة والإسلام، والعلم والإيمـان، والشـورى والديموقراطيـة، والفصحى والعـامية، والدولة أم التربية، والمؤسسة أم الفرد... من أين نبدأ؟ علما بأن هـذه الثنائيات التي وضعت على سبيل التقـابل وأعجزت الناس عن الخيار الصعب هي في حقيقة النظر قائمة على التكامل وليس التقابل؛ وليس أقل من ذلك خطورة الثنائيات المعاصرة اليوم من التقدم والتأخر، الأصالة والمعاصرة، العرب والغرب، العلم والدين، والعقل والنقل...إلخ، حتى افتقد فكر النهضة أي تجانس وانسجام وسقط في مآزق كثيرة، وكان المأمول أن يقود الشك والنقد إلى اليقين، وإلى تقديم الأنموذج والمثال المحتذى بعد مناقشة لجدلية النهوض.

ونقول بكل الصراحة: إن كثيرا ممن دخلوا ساحة النقـد والتنظير لم يستطيعوا، وعلى أكثر من مستوى، أن يقدموا أنموذجا بديلا أو قراءة [ ص: 35 ] أخرى إيجابية للتاريخ والواقع تشكل دليل عمل ووسيلة نهوض، سواء كان ذلك في التاريخ أو العلوم الاجتماعية والإنسانية أو حتى على مستوى العلوم الشرعية، التي توقفت ولم يستطع أصحابها تجاوز مثال الأقدمين، وكأن تلك القواعد العامة التي من المفترض أن تنتظم الكثير من الأمثلة والجزئيات وتكون ممتـدة متولدة في كل زمـان ومكان لم تقعد إلا لمثال واحد ما يزال ينقل من كتاب إلى آخر.

وبعد؛

فلقد أحسن المؤلف في هذا الكتاب، الذي نقدمه، طرح إشكالية النهوض بشكل عام، واستدعاءها للتفكر والمثاقفة، حيث اعتبر تحرير بيت المقدس هو ثمرة لمشروع نهوض كامل، وحاول أن يستحضر ويستصحب بعض الرؤى النقدية عند الحديث عن التاريخ بشكل عام وتاريخ القدس بشكل خاص، لكن يبقى المطلوب: كيف نستطيع أن نتقدم خطوة وأن نوظف هذا التاريخ وهذه الرؤى بشكل إيجابي ونحولها إلى برامج وخطط لتصبح دليل عمل؟

لا شك أن القدس كانت ولا تزال محور الصراع العالمي الديني والعرقي والقومي الحضاري عبر التاريخ، فهي أرض النبوات جميعا، منذ فجر التاريخ، وقبلة الأنبياء وأتباعهم؛ فلقد كانت المحرك للجيوش والتمويل والتضحيات، منذ أقدم العصور، وأكثر بقع الأرض ضحـايا؛ [ ص: 36 ] ولا تزال قضية قابيل وهابيل، التي أشار إليها القرآن في قوله تعالى: ( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين ) (المائدة: 27)، تتكرر وتدور على أرضها.

ولعل مما يلفت أن الله بعد أن قص قصة ابني آدم، منذ النشأة الأولى، وبين نزوع الإنسـان إلى الفسـاد وسفك الدماء شرع عقوبة الردع، ولم يوكل الناس إلى ضمـائرهم،

فقال: ( من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ) (المائدة: 32)،

وكان بنو إسرائيل هم وسيلة الإيضاح.

ولعلنا نقـول: إن الفترة الوحيـدة، التي نعمت فيهـا القدس بالسلم والأمن وإشـاعة الاطمئنان والحرية على مستوى عالمي ولأبناء الأديان جميـعا هي فترة الحكم الإسلامي، حيث الشعار والشعيرة والممارسـة ( لا إكراه ) (البقرة: 256) فعاش أصحاب الأديان وأماكن العبادة في أمان وسلام.

ولعلنا نقول أيضا: إن العهدة العمرية، التي تولدت عن مشروع حضاري تغييري جاءت به النبوة الخاتمة، على الرغم من مرور هذه القرون الطويلة عليها، يمكن أن تشكل دستورا معاصرا لإدارة القدس [ ص: 37 ] وحكم القدس وخلاص البشرية من الأحقاد الدينية والعنصرية والتعصب المذهبي، فالعمق الديني، شئنا أم أبينا، يبقى هو المحرك الحضاري للشعوب والأمم، مهما غيب، لذلك نرى حتى الملاحدة ومنكري الأديان يلجأون إليه لتحريك الجماهير في السلم والحرب، يستخدمون القيم الدينية ويستحضرون المعارك الدينية في التاريخ؛ وأن منهج قابيل في الفساد والإفساد ما يزال ساريا في عروق المحتلين، الذين يمارسون قتل الناس جميعا.

ومن ميزة هذا الكتاب أيضا أنه يجيء في هذه الظروف، حيث يشتد الصراع الدولي والإقليمي حول القدس ، وعلى الأخص بعد حقبة التهويد ومعاودة الفساد وما أثارت من الأحقاد والحروب والمواجهات، الأمر الذي يؤكد دائما أنه لا خلاص لمشكلة القدس إلا بالإسلام، وتاريخها الطويل شاهد على ذلك.

فالقدس كانت ولا تزال محور الصراع ومفتاح السلام العالمي، وهي معيار الحضارة وشاهد الهمجية.

ولله الأمر من قبل ومن بعد. [ ص: 38 ]

التالي


الخدمات العلمية