إدارة الأزمة (مقاربة التراث .. والآخر)

الأستاذ الدكتور / عبد الله إبراهيم الكيلاني

صفحة جزء
2- سوء الإدراك والتحليل >[1]

بحيث تصل المعلومة ولكن تفهم بشكل خاطئ. وعلاج الحالة يكون بالإحاطة علما بالمسألة والتمكن منها، وقد ينشأ سوء الإدراك من خلل فكري وغياب الرؤية الكلية، أو حالة نفسية، أو اختلاف ثقافات.

ومن صـور سـوء الإدراك الناشئ عن خلل فكري ما نبه إليه الحديث النبوي في تحذيره من الفتن: ( يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئا، وينظر في القدح فلا يرى شيئا، وينظر في الريش فلا يرى شيئا، ويتمارى في الفوق ) >[2] ، ومعنى الحديث أنهم يقرأون ولكنهم لا يفقهون في قلوبـهم، ولا يتكون لديهم رؤية لمقـاصد القرآن الكلية، فربما تمسكوا بحديث واحد أو نص واحد وتركوا ما يفسره ويبينه من مخصص ومقيد، فهم يقرأون ولكن القرآن لا يتجاوز حناجرهم، فأدى بهم هذا التعامل التجزيئي مع النصوص إلى أن يكونوا سبب أزمة.. ويشبه الحديث خروجهم من الدين بخروج سهم شديد يخترق الطائر، ولا يرى أثر دم الطائر على أجزاء السهم: النصل والقدح والريش [ ص: 51 ] ويتمارى الرامي في الفوق وهو موضع السهم من الوتر. أي يتشكك: هل بقي فيها شيء من الدم؟ وهو تعبير يقصد به أن ارتباط هؤلاء القوم بحقيقة الدين غدا موضع شك >[3] .. وأدى بهم هذا الخلل الفكري إلى عدم الإدراك لقيمة الأخوة وقيمة المحافظة على التراحم داخل المجتمع، فتجرأوا على دماء المسلمين، كما ورد في بعض الروايات.. فمنشأ الأزمة من عدم إدراك مقاصد النصوص على نحو كلي.

كما ينشأ سوء الإدراك عن حالة نفسية أو ذهنية، فالحالة النفسية للغضبان تجعله يدرك الوقائع على صورة مغايرة لما يدركها الإنسان في غير حالة الغضب، ومن هنا ينبغي تجنب اتخاذ القرارات في لحظات تشويش الذهن، ولذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان ) >[4] ، وفي الحديث أيضا: ( إذا استشاط السلطان، تسلط الشيطان ) >[5] ؛ ذلك أن الغضب يمنع دقة التحليل، وتكون النتائج متأثرة بالحالة النفسية، وليست معتمدة على الحقائق الموضوعية، ومن هنا إذا تلهب السلطان وتحرق غضبا «تسلط الشيطان، أي تغلب عليه، فأغراه بالإيقاع بمن يغضب عليه حتى يوقع به فيهلك، فليحذر السلطان من تسلط عدوه [ ص: 52 ] عليه، فيستحضر أن غضب الله عليه أعظم من غضبه، وأن فضل الله عليه أكبر، وكم عصاه وخـالف أمره ولم يعاقبه، ولم يغضب عليه، وليرد غضبه ما استطاع، ويتيقظ لكيد الخبيث فإنه له بالمرصاد» >[6] .

ويفهم من الحديث أن السلطان لا يعاقب من استحق العقوبة حتى يتروى ويزول سلطان غضبه؛ لئلا يقدم على ما ليس بجائز، ولهذا شرع حبس المجرم حتى ينظر في جرمه، ويكرر النظر، فقد قال بعض المجتهدين: ينبغي للسلطان تأخير العقوبة حتى ينقضي سلطان غضبه، وتعجيل مكافأة المحسن، ففي تأخير العقاب إمكان العفو، وفي تعجيل المكافأة بالإحسان المسارعة للطاعة» >[7] .

ومن أسباب عدم الإدراك الناشئ عن اختلاف الثقافات ما حصل مع عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في طريقه لاستلام بيت المقدس، فلما وصل «أذرعات» وقف في طريقه المهنئون يقدمون أنواعا من اللهو، وكان هذا عرفا لأهل تلك البلاد يقدمون الاحتفالات بين يدي الملوك قبيل توقيع الصلح، ولم يدرك عمـر في البداية دلالة هذه الألعاب فأمر بردهم فنبهـه أبو عبيدة، رضي الله عنه، إلى دلالته، وأن ردهم يفهم من جانبهم على أنه يضمر شرا نحوهم، فشكر عمر لأبي عبيدة، رضي الله عنهما، صنيعه، وقال: فعمر وآل عمر بأمر أبي عبيدة. [ ص: 53 ]

وفي هذا يقول القلقشندي: عن عبد الله بن قيس الهمداني قال: كنت فيمن تلقى عمر بن الخطاب مقدمه الشام والجابية، نريد قسم ما فتحنا من الأرضين، قال: فتلقيناه خلف أذرعات مع أبي عبيدة بن الجراح، قال: فبينما هو يسـاير أبا عبيدة إذ لقيه المقلسون من أهل أذرعات فأنكرهم عمر وأمر بردهم، فقال أبو عبيدة: إنها بيعة الأعاجم، فإنك إن تمنعهم من هذا يرون أن في نفسك نقضا لعهدهم، فقال عمر: دعوهم، عمر وآل عمر في طاعة أبي عبيدة >[8] .

وترى في النص السابق كيف كان عدم إدراك عمر، رضي الله عنه، لدلالة الفعل بسبب اختلاف الثقافات والعادات سببا في اتخاذ موقف رافض، فلما أدرك دلالته تقبله.

التالي السابق


الخدمات العلمية