إدارة الأزمة (مقاربة التراث .. والآخر)

الأستاذ الدكتور / عبد الله إبراهيم الكيلاني

صفحة جزء
- نماذج من أدوات التنبؤ لمواجهة الأزمة مما عرفه التراث الإسلامي

أ- المؤسسات الفكرية

وهي التي تعطي الإدارة تصورا عن نقاط الضعف في المؤسسة، وتصورا عن الأزمات المتوقعة نتيجة لذلك، ثم تحلل مكونات الأزمة فأسباب الأزمات متنوعة، فمنها ما ينشأ بسبب اختلاف فكري، فلا بد من دراسة القيم الفكرية لمن نتعامل معهم ثم نتوقى عوامل الأزمة. وهناك أزمات متوقعة بسبب عامل اقتصادي، وهنا يأتي دور المؤسسات الفكرية في تحليل عناصر الأزمة ومكوناتها، ومن هذا القبيل ما نجده من بيان الجويني لكيفية التعامل [ ص: 84 ] مع أهل البدع >[1] ، ثم تحليله كيفية التعامل مع أزمة عجز الموازنة وبيان الحلول الفقهية المقترحة، وهو ما نعرضه لاحقا، بإذن الله تعالى.

ب- ديوان البريد

وهي مؤسسة عرفها التاريخ الإسلامي، تزود رئيس الدولة بالمعلومة وتحللها، وقد اعتنى الخلفاء بالديوان، ووضعوا لنظام البريد أحكاما تضمن سرعة وصول المعلومة ودقتها.

وكان في كل ولاية عامل بريد، يكتب إلى المركز العام لديوان البريد كل ما يحصل في الولاية، ويكتب عن الخراج، ومعاملة الوالي للرعية، وحال الزرع، والأطعمة، والأسعار، ويجمع صاحب البريد هذه الرسائل والتقارير المرسلة من الولايات، وينظمها، لتقديمها إلى الخليفة أو الوزير >[2] ، ويذكر بعض المصنفين أن صاحب البريد لا يتبع أحدا في الولاية، لكنه يتصل مباشرة بالخليفة، وينقل إليه الأخبار >[3] .

وإليك ما ينقله (ابن قدامة) عن نموذج للمهام المطلوبة من صاحب البريد، كما يدل عليها عهد ولاية البريد، أي كتاب التكليف: «هذا ما عهد عبد الله فلان أمير المؤمنين إلى فلان بن فلان حين ولاه أعمال البريد بناحية كذا، أمره بتقوى الله وطاعته واستشعار خوفه ومراقبته في سر أمره [ ص: 85 ] وعلانيته، وأن يجري أمره فيما استكفاه أمير المؤمنين إياه بحسب ما بدا من الاصطناع وقدره عنده من الكفـاية والإطـلاع، وأمره أن يوثر الصدق فيما ينهيه والحق فيما يعيده ويبديه، وأن يختار من يستعين به في عمله ويشركه في أمانته من يثق بصناعته ونـزاهته وطيب طعمته وتحريه الصدق فيما يصدر عن يده ولهجته، وأن يكون من يستعمله من أهل الكفاية والغناء دون من يستعمل منهم على العناية والهوى.

وأمره أن يعرف حال عمال الخراج والضياع فيما يجري عليه أمرهم، ويتتبع ذلك تتبعا شافيا، ويستشفه استشفـافا بليغا، وينهيه على حقه وصدقه، ويشرح ما يكتب به منه، وأمره أن يمتنع وجميع أصحابه في النواحي وخلفائه عليها من أن يكونوا سببا في محاباة أحد بالشفاعة له أو التوصل إلى دفع حق يجب عليه.

وأمره أن يعرض المرتبين لحمل الخرائط في عمله ويكتب بعدتهم وأسمائهم ومبالغ أرزاقهم وعدد السكك في جميع عمله وأميالها ومواضعها، ويوعز إلى هؤلاء المرتبين بتعجيل الخرائط المنفذة على أيديهم وفي الموقعين في إثبات المواقيت وضبطها حتى لا يتأخر أحد منهم عن الأوقات، التي سبيله أن يرد السكة فيها، وأن يفرد لكل ما يكتب فيه من أصناف الأخبار كتبا بأعيانها، فيفرد أخبار القضاة وعمال المعادن والأحداث وما يجري مجرى ذلك كتبا، وبأخبار الخراج والضياع وأرزاق الأولياء وما يجري من دور الضرب والأسعار وما يقع فيه الحل والعقد والإعطاء والأخذ كتبا، ليجري [ ص: 86 ] كل كتاب في موضعه، ويكتب في بابه، فيحصل العمل ويملك نظامه. هذا عهد أمير المؤمنين إليك، فكن به متمسكا، ولما مثله لك ذاكرا، وبه آخذا، وعليه عاملا، والله يوفقك لما يحمده أمير المؤمنين فيك ويرضاه من فعلك ويعلم به صواب اختياره إياك» >[4] .

نلاحظ من النص السابق سعة الرقابة التي يمارسها ديوان البريد، بحيث تشمل سائر مرافق الدولة، وتتبع أسـلوب التعرف لما هو ظاهر بالتتبع الشافي، والاستشفاف البليغ لما لم يظهر من خلال ربط الأحداث وتحليلها، والأخذ بالقرائن المعلمة. ويقتصر دور البريد على هذا الحد. أي أنه لا يملك إجراء عمـليا للنهـي والزجر، فيرفع الأمر بعد ذلك لرئيس الدولة؛ ليمارس الرئيس بدوره محاسبة معاونيه «فكانوا يكتبون إلى الخليفة بسعر القمح والحبوب وبسعر كل ما يؤكل، فإذا وردت كتبهم نظر فيها، فإن رأى الأسعـار على حالهـا أمسك، وإن تغير شيء منها كتب إلى الوالي وسأل عن العلة» >[5] .

ويفهم من النص السابق عدد من المفاهـيم الإدارية المتعلقة بإدارة الأزمة وهي: [ ص: 87 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية