قيم السلوك مع الله عند ابن قيم الجوزية [الجزء الأول]

الأستاذ الدكتور / مفرح بن سليمان القوسي

صفحة جزء
التمهيد

ترجمة موجزة للإمام ابن قيم الجوزية

أولا: عصر ابن قيم الجوزية

بما أن الإنسان يتأثر كثيرا بأحوال عصره، وبما أن البيئة التي ينشأ فيها لها أثر بالغ في تكوين شخصيته، وتوجيه نهجه ومسلكه، وتحديد نمط حياته، فإني سأوجز -فيما يلي- أحوال العصر الذي نشأ وعاش فيه ابن القيم، من النواحي السياسية والاجتماعية والعلمية.

1- الحالة السياسية

ولد ابن القيم في مطلع العقد الأخير من القرن السابع الهجري، وعاش حتى منتصف القرن الثامن الهجري، وقد كان العالم الإسلامي - بصفة عامة وبلاد العراق والشام ومصر بصفة خاصة - في هذه الحقبة الزمنية مليئا بالقلاقل، مشحونا بالاضطرابات السياسية، حيث اكتنفته أحداث وظروف عديدة، تمثل أهمها في الغزو التتري الشرس على العالم الإسلامي بقيادة (هولاكو خان) ، الذي دمر الحضارة الإسلامية في مساحات شاسعة من الأرض تمتد من حدود الصين والهند إلى بلاد العراق والشام، حيث أزال المغول معالم الحضارة في البلاد التي تعرضت لغزوهم، وقتلوا قسما كبيرا من [ ص: 31 ] السكان، ودمروا كثيرا من مظاهر العمران، واجتاحوا (بغداد) عاصمة البلاد الإسلامية ومقر الخلافة واستولوا عليها عام 656هـ، وقتلوا خليفة المسلمين (المستعصم بالله) ، وقاموا فيها بأعمال التخريب والقتل والتدمير، حتى صارت آنذاك بحرا من الدم من كثرة القتلى، وقد تغير ريحها وفسد هواؤها من كثرة الجيف الملقاة في الطرقات >[1] .

ثم توجه التتار إلى الشام فاستولوا على بعض مدنها، وعاثوا فيها فسادا، فقتلوا ونهبوا وسبوا ودخلوا المساجد وفعلوا المنكرات >[2] ، ثم عزموا على دخول مصر فبادرهم المماليك بجيوش من مصـر يقـودها المظـفر قطز (ت 658هـ) ، فهزموهم في عين جالوت >[3] سنة 658هـ شر هزيمة >[4] .

ثم كانت وقعة شقحب >[5] سنة 702هـ، التي هزمت فيها جيوش الشام ومصر التتار هزيمة مرة >[6] ، فحدت من طغيانهم وحسرت من نفوذهم، [ ص: 32 ] وأزالت خطرهم عن المدن الإسـلامية في الشام ومصـر إلى حد بعيد، بينما بقيت العراق والمشرق في قبضتهم يعيثون فيها فسادا >[7] .

ولقد توزعت كلمة المسلمين بعد سقوط الخلافة العباسية في بغداد، وضعفت شوكتهم، وأصبحت البلاد الإسلامية عبارة عن ممالك صغيرة يحكمها أمراء المماليك، ولم يكن للخلافة في ذلك الحين في مصر غير الاسم والرسم >[8] ، فالسيادة الفعلية كانت للمتغلبين من المماليك يعزلون من يشآءون ويولون من يريدون، وكان طابع السياسة لديهم انتهاز فرصة القفز على الحكم، فالأمير يقتل الأمير، بل وصل الأمر إلى أن يغدر الأخ بأخيه في سبيل الظفر بالولاية والحكم >[9] .

ومما يدل على هذا الاضطراب السياسي أنه تعاقب على السلطنة في حياة ابن القيم وحده أربعة عشر سلطانا، أولهم: الأشرف خليل بن الملك المنصـور قـلاوون (689-693هـ) وآخرهـم: الناصر أبو المحاسن حسن بن الناصر محمد (748-752هـ) >[10] . [ ص: 33 ] ومن الأحداث البارزة أيضا لهذا العصر: أن الصليبيين الأوربيين أغاروا على ساحل الشام ونـزلوا به واستـولوا على معظم مدنه، وأسقطوا (عكا) وقتلوا من بها من المسلمين، ودخلوا بيت المقدس وهدموا أركانه وفعلوا به المنكرات.

وقد سعى السلاطين المماليك إلى تطهير بلاد الشام من فلول الفرنجة وبقايا الحروب الصليبية، فاستعادوا (عكا) سنة 690هـ، كما استعادوا مدينة (صور) - بعد بقائها مائة واثنتين وسبعين سنة في أيدي الفرنجة- وكذا (صيدا) و (عثيلة) و (انطرطوس) و (جبيل) ، ولم يبق بسواحل الشام معقل للإفرنج إلا واستعاده المسلمون، منهين بذلك ما كان من صراع مرير مع الصليبيين دام قرنين من الزمان >[11] .

2- الحالة الاجتماعية

لاشك أن الحالة السياسية في أي أمة لها أثر بالغ في مجريات الحياة الاجتماعية، ولذا فقد أدى سوء الحالة السياسية في عصر ابن القيم إلى اضطراب الحالة الاجتماعية في البلاد.

فقد نشطت مختلف الفرق المنحرفة عن المنهج الحق، كفرق الجهمية والمعطلة والجبرية والمعتـزلة والقدرية، وأشغلت المجتمع بعقائدها المختلفة، وكان هناك نشاط واسع للمتصوفة المنحرفة باتجاهاتها الفلسفية وطرائقها [ ص: 34 ] البدعية، كما كان للرافضة شأن في دولة التتار في العراق وخراسان، وسعى أهل الذمة من اليهود والنصارى إلى إظهار دينهم ونشر معتقداتهم، ولا سيما أيام استيلاء التـتار على أجزاء من بلاد الشام، وكثر النـزاع المذهبي والتفرق العقدي مما جر على البلاد الخراب والدمار، وأوقع بها الكثير من المصائب والويلات >[12] .

وفي أواخر سنة 694هـ وفي مستهل السنة التي تليها حصل في الديار المصرية قحط شديد ووباء مفرط، فتوفي عدد كبير من الناس، إلى حد أنه كان يدفن في الحفرة الواحدة الفئام من الناس، وأصبحت الأسعار في غاية الغلاء، والأقوات في غاية القلة، وامتد الغلاء إلى بلاد الشام، ثم زال في منتصف تلك السنة >[13] .

وفي سنة 748هـ مر على الناس في دمشق وبعض مدن الشام شدة وبلاء وغلاء شديد بسبب تأخر المطر >[14] ، وعم الجدب والقحط، وكثرة [ ص: 35 ] اللصوص وقطاع الطرق واستفحل أمرهم، وشاع السلب والنهب في البلاد، وعمد كثير من الناس إلى الغش في البيع والتطفيف في المكيال والميزان واحتكار الأقوات >[15] .

وأوغل كثير من المسلمين في الظلم والفواحش والفجور والغلو والبدعة في الدين >[16] ، وشاع الغناء وكثرت مجالس الطرب، وانتشر البغاء وتعاطي الحشيش المخدر، وعرف به قوم سموا بـ (الحشاشين) .

وقد تصدى العلماء الصادقين والدعاة المخلصين لهذه العلل والأدواء الاجتماعية، فقاموا بواجبهم في المحافظة على تماسك المجتمع وشيوع الفضيلة ومحاربة الرذيلة، وإزالة المنكرات وتأديب أهلها والأخذ على أيديهم، ودعوا إلى التسعير وإلى إلزام أرباب السلع ببيع سلعهم بقيمة المثل وألفوا كتبا ورسائل في ذلك، كما قاموا بمناقشة أصحاب الفرق المنحرفة والرد على باطلهم >[17] .

وأسهم الصراع مع الغزاة من الصليبيين والتتار في إذكاء روح الجهاد في الأمة، كما كان للشدة التي عانى الناس منها بين حين وآخر أثر في توجيه القلوب إلى الله وخضوعها له، وظل الاعتـزاز بالدين -بالجملة- سائدا في أبناء ذلك العصر، ولا أدل على ذلك من دخول الأمة الغازية المتغلبة من التتار في دين الإسلام. [ ص: 36 ]

3- الحالة العلمية

رغم عدم استقـرار الحالتين السياسية والاجتماعية - كما تقدم - فقد ازدهرت الحياة العلمية في الشام ومصر في القرنين السابع والثامن الهجريين إلى حد بعيد، ولاسيما بعد الغزو التتري، فظهر في ذلك العصر الكثير من المؤلفات القيمة في علوم الشريعة المختـلفة >[18] ، وصنفت الكثير من الموسوعات والمطـولات في اللغـة العربية والتاريخ والتراجم >[19] ، واشتهـر جمع كبير من العلمـاء البارزين، أمثال: العلامة ابن دقيق العيد (ت سنة 702هـ) ، وشيخ الإسلام ابن تيمية (ت728هـ) ، وبدر الدين ابن جماعة (ت سنة 733هـ) ، وابن سيد الناس (ت سنة 734هـ) ، والحافظ المزي (ت742هـ) ، والحافظ الذهبي (ت748هـ) ، وابن هشام (ت761هـ) ، وابن مفلح (ت763هـ) ، وغيرهم كثير، وانصرفت جهود هؤلاء العلماء إلى التدريس والخطابة والوعظ والتأليف.

وأسهم السلاطين المماليك في هذه النهضة العلمية -ليقينهم بأن العلم سياج الدولة- فقربوا العلماء وشجعوهم، وعنوا بالوظائف العلمية، كالقضاء والخطابة والإفتاء. [ ص: 37 ] ووجدت الحلقات العلمية المنتظمـة في الجامع الأموي بدمشـق وجـامع الحـاكم بمصـر، وانتشرت المدارس في ذلك العصـر >[20] ، واهتم بها الأمراء، ورصدت لها الأوقاف، فأسهمت كثيرا في تنشيط الحركة العلمية، ويسرت سبل التحصيل العلمي للراغبين فيه، إلا أن وقف كل مدرسة على مذهب فقهـي معـين أذكى روح التقليد في المشتغلين بالعلم في ذلك العصر.

ولذا يمكن القول: إن التقليد كان السمة البارزة آنذاك، ومما يؤكد ذلك ما لقيه الأئمـة المجتهدون، كشيخ الإسـلام ابن تيميـة وابن القيم وابن كثير وغيرهم >[21] من محن بسبب بعض اجتهاداتـهم وفتاويهم المتحررة من ربقة التقليد.

ولغلبة التقليد وضعف روح الابتـكار والتجـديد توجهت جهود أكثر العلمـاء إلى تراث المتقدمـين؛ دراسـة لـه، وشرحا لمختـصراته، أو اختصارا لمطولاته. [ ص: 38 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية