التفكير الموضوعي في الإسلام

الدكتور / فؤاد البنا

صفحة جزء
6- عدم غمط المسيئين حسناتهم:

ولا يكتفي الإسلام بما سبق في مجال فقه الإعذار، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، فهو دين للناس جميعا، والبشر كلهم من أمة محمد، وغاية ما يذكر في هذا الإطار أن أمة محمد تنقسم إلى قسمين: أمة الإجابة وهم المسلمين، وأمة الدعوة وهم بقية البشر.

هذا يعني أن المسلمين معنيون بتوسيع مساحات الخير في أوساط البشر جميعا، بطرق شتى، ومنها إثابة من أحسن على قدر إحسانه حتى ولو كان كافرا ومعاديا للمسلمين.

ومما يؤصل لهذا الكلام عموم الآيات، التي تحث على جزاء العاملين والمحسنين دون تحديد لهوياتهم. وبجانب هذه الآيات وهي عامة وكثيرة يمكن الاستدلال بما يلي:

- روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عمه العباس أثناء أسره في بدر في ثوب خلق، فبحث له عن ثوب يناسبه، فأعطاه عبد الله بن أبي ذلك الثوب، وعندما مات بن أبي لم ينس له صلى الله عليه وسلم ذلك الجميل رغم أنه زعيم المنافقـين، حيث كفنه صلى الله عليه وسلم بثوبه >[1] .

- روي أن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه اقترح على رسول الله صلى الله عليه وسلم مكافأة واحد من أسرى المشركين يوم بدر، لأنه ذكر الإسلام بخير قبل ذلك >[2] . [ ص: 104 ]

- عن جبير بن مطعم رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أسارى بدر: ( لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له ) >[3] . الجدير بالذكر أن المطعم مات على الشرك، لكنه كان قد أجار الرسول صلى الله عليه وسلم وحماه عند عودته من الطائف قبل الهجرة، وكان أحد القلائل الذين مزقوا الصحيفة القرشية التي حوصر بموجبها المسلمون مع بني هاشم في شعبهم بمكة قبل الهجرة أيضا.

- عن حكيم بن حزام رضي الله عنه : ( أنه أعتق في الجاهلية مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، فلما أسلم حمل على مائة بعير، وأعتق مائة رقبة، قال: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت: يا رسول الله، أرأيت أشياء كنت أصنعها في الجاهلية، كنت أتحنث بها يعني أتبرر بها، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أسلمت على ما سلف لك من خير ) >[4] .

وهذا يعني أن أعمال الخير المرتبطة بالبر، أي بحقوق الناس، تكتب للكافر إذا أسلم، بل وذهب بعض العلماء إلى أن تلك الأعمال قد تنفعه بالآخرة جزئيا، من خلال تخفيف العذاب، لكن موته على الكفر يجعله مخلدا في النار، واستدلوا بأدلة كثيرة أهمها ما يرتبط بأبي طالب، كما في الحديث التالي:

- عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه : أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : ( ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك، قال: "هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار ) >[5] . [ ص: 105 ]

فإن وقوف أبي طالب مع النبي صلى الله عليه وسلم نفعه، فهو أخف الناس عذابا في النار، لكن موته على الشرك أدخله النار وخلده فيها؛ لأن الشرك لا يغفر أبدا: ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) (النساء:48).

- "روي أن فرعون قبل أن يدعي الألهية بنى قصرا وأمر أن يكتب "بسم الله" على بابه الخارجي، فلما ادعى الألهية وأرسل إليه موسى، عليه السلام، ودعاه فلم ير به أثر الرشد، قال: إلهي كم أدعوه ولا أرى به خيرا، فقال تعالى: يا موسى لعلك تريد إهلاكه، أنت تنظر إلى كفره، وأنا أنظر إلى ما كتبه على بابه" >[6] .

وهكذا فإن مفردات فقه الإعذار في الإسلام كثيرة، وكفيلة لو فقهت بأن تنشر السلام والتسامح والمودة بين الناس عموما والمسلمين خصوصا.

الجدير بالذكر أن الله تعالى خلق الإنسان للابتلاء: ( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور ) (الملك:2)؛ والابتلاء يمكن أن يتحقق خلال سنوات قليلة من عمر الإنسان بعد البلوغ، لكن الله يطيل أعمار الناس كنوع من الإعذار، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة ) >[7] . [ ص: 106 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية