التفكير الموضوعي في الإسلام

الدكتور / فؤاد البنا

صفحة جزء
2- التعميم مرفوض دينا وعقلا:

إن العقائد والأفكار تتعدد وتتنوع كالألوان، فالطبيعة لا تنحصر في اللونين الأبيض والأسود، وكذلك فإن الحياة ليس فيها شر محض وخير محض، بمعنى أن الشر فيه تفاوت وتعدد واختلاف، مثلما هو حال الخير.

وهذا ما ينبغي أن نتعلمه من القرآن، فإنه لا يستخدم الألفاظ الحدية والمطلقة، بل يستخدم الكلمات المنضبطة والمصطلحات التي تعبر عن الحقائق والوقائع بدقة متناهية، مثل مصطلح "أكثر" ومشتقاته، فقد ورد في (البقرة: 100، 109، 243)، (آل عمران:110)، (النساء:114)، (المائدة:15، 32، 49، 59، 62، 64، 66، 68، 71، 77، 80، 81، 103)، (الأنعام: 37، 91، 111، 116، 119، 137)، (الشعراء: 8، 67، 103، 121، 139، 158، 174، 190، 223)، ووردت هذه المفردة في سور أخرى هي: الأعراف، التوبة، إبراهيم، الروم، يس، ص، الحجرات، نوح، يوسف، الإسراء، الصافات، غافر، سبأ، النحل، القصص، الزمر، العنكبوت، النمل، لقمان، فصلت، الدخان، الطور، الأنبياء، المؤمنون، الفرقان.

وفي المقابل وردت ألفاظ (القليل) في اثنين وسبعين موضعا من القرآن الكريم. إذن، عندما يورد القرآن مصطلحي الكثرة والقلة، فلا مكان هنا للإطلاق والتعميم في الحديث عن الناس والأشياء والظواهر جميعا، فلا يصح أن يضع المرء كل شيء في خانة واحدة. [ ص: 183 ]

وعندما يتحدث القرآن عن الآخـر (غير المسلمين وغير المؤمنين) فإنه لا ينسب إليهم كل رذيل مرة واحدة، نازعا منهم كل خير، ولا يضع الجميع في سلة واحدة، ولكنه غالبا ما يستخدم كلمة ( منهم ) للتبعيض والتفريق، ونجد مثل ذلك في سور كثيرة: (البقرة:75، 100، 101، 146، 188)، (آل عمران:23، 78، 100، 199)، (النساء:77)، (التوبة:117)، (النحل:54)، (النور:47-48)، (الروم:33)، (الأحزاب:13)، (الأنفال:5)، (سبأ:20).

ويضع القرآن مبدأ عاما في التعامل مع (الآخر)، وهو يتحدث عن اليهود الذين يمثلون الرقم واحد في سلم العداوة للمسلمين، حيث يقول تعالى: ( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون * يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين ) (آل عمران: 113- 114)؛ ويقول تعالى: ( ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ) (آل عمران :75) .

فإذا كان عنوان التعامل الفكري والفعلي مع أعدى أعداء المسلمين ينطلق من قاعدة قرآنية عامة ( ليسوا سواء ) فكيف يكون الأمر مع الآخـرين، سـواء كانـوا أحـزابا وجمـاعـات أو فرقـا وطوائف، أو مذاهب وتيارات؟ [ ص: 184 ]

إن الناس مختلفون، عقليات وأفهاما وطبائع وأمزجة ومستويات متباينة، ومن ثم فإن كل إنسان مسؤول عن نفسه ( ألا تزر وازرة وزر أخرى * وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) (النجم:38 -39)، فمن أين جاءت الأفهام التي تسوي بين الجميع؟ وعلام يستند من يحكم على الجميع بذات الحكم؟

وهل من العدل والمنطق في شيء أن يضع المسلم اليهودي الذي يحارب النظام الصهيوني الاستعماري بجانب القاتل الصهيوني الغازي؟

إن الملايين من المسيحيين، التي خرجت في شوارع لندن ونيويورك وروما وباريس ومدريد وبرلين، تعارض الحرب على العراق، تؤكد أن رؤية القرآن ( ليسوا سواء ) هي الأبرز والأوضح والأصدق والأعدل! فليس كل يهودي صهيونيا، وليس كل مسيحي صليبيا، وليس كل هندوسي معتديا، وهكذا.

إن التعميم لا يجوز في المنطق الإسلامي، حتى في الدعاء، فلم يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا على أي من الكفار لكفرهم، لكنه دعا على المعتدين منهم، وهنا لن تجد أي مجتمع يتصف بصفات الاعتداء برمته، فهناك دوما من يكرهون ذلك.

ولتقرير حقيقة المسؤولية الفردية وحرمة التعميم جاء في الحديث الشريف أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( قرصت نملة نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح ) >[1] . [ ص: 185 ]

وفي سياق تحريم التعميـم أورد القرآن أنه حـتى في إطـار الجمادات لا يصح هذا التعميم، فمخلوق مثل الحجارة الصماء، ليست بذلك السوء الذي يظنه المشاهد لها، لاشتمالها على صور من الخير، كما قال تعالى: ( وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله ) (البقرة:74) ، وقال: ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ) (الحشر:21).

وبين لنا القرآن أن هناك استثناءات صالحة في دوائر الفساد نفسها، حيث لا وجود للشر المطلق والخير المحض، قال تعالى: ( والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) (الشعراء:224-227).

وعندما تحدث عن الخمر والميسر، وهما من الكبائر في الرؤية الإسلامية، أشار القرآن إلى أنهما ليسا شرا محضا بل فيهما بعض المنافع، قال تعالى: ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ) (البقرة:219) .

ورغم أن غير المسلمين يطلق عليهم من حيث المبدأ مصطلح "الكفار"، ورغم أن "الكفر ملة واحدة"، لكن ذلك لا يعني الإطلاق إلا من حيث [ ص: 186 ] الحكم العام، فهناك فروق فردية، وهناك تمايزات بين سائر الملل والنحل. وقد رتب القرآن هذه الملل من حيث عداوتها للمسلمين، كما قال تعالى: ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون ) (المائدة:82).

ولإدراك المسلمين الأوائل لهذه الفروق، فقد حزنوا عند هزيمة الروم، وهم أهل كتاب، أمام الفرس الذين كانوا يعبدون النار، فنـزلت سورة "الروم" تبشر المسلمين بأن الروم سينتصرون خلال مدة لن تتجاوز التسع سنوات، قال تعالى: ( الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ) (الروم:1-5).

لا يوجد الشر المحض، فقد قال بعضهم: حتى الساعة المتوقفة عن العمل يمكن أن تكون مصيبة خلال اليوم مرتين ! ولهذا فإن النار دركات.

وفي المقابل لا وجود للخير الخالص والصواب الكامل، فقد قسم الله تعالى المصطفين من عباده إلى ثلاثة أصناف رئيسة، كما قال جل وعلا: ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم [ ص: 187 ] مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ) (فاطر:32). ولهذا فإن الجنة درجات، وما بين الدرجة والأخرى كالفرق بين السماء والأرض!

وليست هذه الفوارق النسبية من نصيب عامة المسلمين فقط، بل هي موجودة حتى في أوساط أفضل جيل عرفته الخليقة منذ آدم عليه السلام حتى قيام الساعة، وهم الصحابة الكرام، فقد قال تعالى عن هؤلاء في غزوة تبوك: ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ) (التوبة:117) ، فقد كان إيمان بعض الصحابة من الضعف بحيث كادت قلوبهم أن تزيغ!

وفي (أحد) عرفنا كيف حاقت الهزيمة بذلك الجيل القرآني الفريد، بسبب المعاصي التي ارتكبها بعضهم وأدت إلى نزول المتوسط الإيماني العام، فكانت الهزيمة، قال تعالى: ( أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ) (آل عمران :165)، وقيل مثل ذلك في حنين، مما يؤكد أن لا وجود للمطلق في (التدين) الإسلامي، سواء كان فكرا أو سلوكا، فالنسبية هي المتسيدة دوما، والكمال هو لـ"الدين"؛ لأنه جاء من عند الله مالك الكمالات كلها، أما (التدين) فهو نسبي، حيث يقترب بهذا القدر من (الدين) أو ذاك. [ ص: 188 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية