التفكير الموضوعي في الإسلام

الدكتور / فؤاد البنا

صفحة جزء
3- استحالة امتلاك أحد للحقيقة المطلقة:

الفكر هو خلاصة التفاعل بين الإنسان الناقص والدين الكامل، فهو إذن طريقة البشر في فهم حقائق الدين وتطبيقهم لها في الواقع. وبالتالي فإنه يقترب من الدين بهذا المستوى أو ذاك القدر، لكنه لا يمكن أن يصل، في كل الأحوال، إلى حد التطابق مع الدين؛ لأن منبع هذا الفكر هو العقل، وهو إجمالا يمتلك استعدادات الصواب والخطأ، ثم إن هناك فروقا فردية كبيرة في دائرة الصواب ومثلها في دائرة الخطأ. هذه الفوارق النسبية تجعل من المستحيل إمكانية امتلاك أي فرد للصواب الكامل، أو احتكار الحقيقة المطلقة.

لابد من النسبيـة في الفكر البشري، ولو كان هذا الفكر مرتبطا بالدين الإسلامي؛ لأن الناس يتفاوتون في امتلاك أزمة التفكير ومقاليد الاجتهاد، ويتفاوتون في فهم الواقع، ويتفاوتون في كيفية تنزيل النصوص على الوقائع والأحداث.

وحتى لو افترضنا أننا أتينا بمجموعة من المفكرين المتشابهين في القدرات العقلية، فإن أفكارهم لن تصل إلى حد التطابق، وخاصة في القضايا المعقدة والشائكة، فستختلف رؤاهم وفقا للزاوية التي ينظر كل واحد منهم من خلالها إلى الحقيقة، بمعنى أن الحقائق غالبا ما يكون لها أكثر من وجه، وبالتالي فإن الرؤى ستختلف وفقا لاختلاف الزوايا التي ينظر من خلالها المفكر والفقيه. [ ص: 189 ]

إن الثبات يكون للحلال البين والحرام البين، أما المنطقة الواسعة الممتدة بينهما فهي نسبية، تتغير ألوانها بتغير الناظرين إليها، وباختلاف الظروف الزمانية والمكانية التي توجد فيها.

تقوم الطبيعة البشرية على الجمع بين المتضادات، فالإنسان يحمل بفطرته إمكانات الخير والشر ( فألهمها فجورها وتقواها ) (الشمس:8) ، ( وهديناه النجدين ) (البلد: 10)، ويحمل استعدادات الصواب والخطأ، التذكر والنسيان، القوة والضعف، الإقدام والإحجام، الحركة والثبات. وهذا ينطبق على كل أحد من البشر، باستثناء الأنبياء عندما يكونون في مقام النبوة والرسـالة، فإن مدد الوحي الآتي من صاحب الكمال المطلق يمنعهم من الخطأ (العصمة).

أما عندما (يفكر) الأنبياء ببشريتهم البحتة، فإنهم يصيبون ويخطئون، وقد أخطأ جميعهم في هذه الدائرة وتابوا، وتعرضوا لعتاب الله. وتكمن عصمتهم في أنهم لا يمكن أن يخطئوا في الدائرة المرتبطة بالنقل (الوحي) ، وإذا أخطأوا في الدائرة المرتبطة بالعقل (التفكير والاجتهاد)، فإن الوحي ينـزل ليصحح الخطأ أمام الأتباع حتى لا يكون هذا الخطأ محلا للتأسي والاقتداء، ومن هنا فإن قمة الكمال البشري والرسالي وهو محمد صلى الله عليه وسلم قد تعرض مرارا للتوجيه القرآني تارة، والعتاب تارة ثانية، والتحذير تارة أخرى، وهو درس عظيم، لو كنا نفقه، في تأكيد استحالة امتلاك الفرد للحقيقـة المطلقـة؛ بل حتى الجماعات لا تمتلك الحقيقة المطلقة، وحدها هي الأمة بأجمعها تمتلك هذه الحقيقة إذا أجمعت على أمر ما، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إن أمـتي لا تجتمع على ضلالة ) >[1] ، [ ص: 190 ] وفي رواية: ( على خطأ ) ؛ وفي رواية للحاكم: ( لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبدا، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار )

إن النظر إلى الحقيقة من زوايا متعددة هو ما يدل عليه القرآن الكريم، فقد عاب تعالى، وهو يتحدث عن علل التدين عند أهل الكتاب، على اليهود والنصارى الذين ادعى كل طرف منهم أنه على الحق الكامل وأن غيره على ضلال مبين، كما نقل القرآن عنهم ذلك في قوله تعالى: ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) (البقرة:113).

وهكذا بصريح القرآن فإن احتكار الحقيقة وتسفيه (الآخر) هو ديدن الجهلة في كل زمان ومكان: ( قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ) !

العلم يساعد على معرفة كل أبعاد الحقيقة، ومن ثم يقضي على النـزاعات، ويجفف منابع الفرقة الفكرية. والنظر إلى الحقيقة من كل الزوايا يساعد على اكتشاف الثغرات وحراسة الثغور وإتقان الصنعة، واكتشاف مناطق الاتفاق مع (الآخر)، وإمكانات الاستفادة من نقاط قوته في سد ثغراتنا، وهي قمة الموضوعية ( الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ) (الزمر:18)، حيث النـظر إلى القول وليـس إلى القائل، كما أسلفنا في بيان ذلك.

إن ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة ينبني على خللين أو أحدهما: علة نفسية تدفع صاحبها إلى تزكية ذاته واتهام الآخرين؛ وخلل فكري ناتج عن رؤية [ ص: 191 ] الحقيقة من وجه واحد، وهو مرض عضال حذر منه أصحاب الفكر السوي، قديما وحديثا.

وتبقى، النسبية من أسس الموضوعية؛ ومن مقتضيات النسبية النظر إلى الحقائق بكل أبعادها ومن كل زواياها، وهذا لا يستطيعه فرد مهما أوتي من علم، فالعلم محدود بحدود إمكانات صاحبه وحواسه.

التالي السابق


الخدمات العلمية