موقع المرأة النخبوي في مجتمع الرسالة

الدكتورة / ليلى رامي

صفحة جزء
مقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه نستغفره ونستهديه، ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئآت أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة وكشف الغمة وجاهد في سبيل الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، وبعد،

فلقد خلف الرسول صلى الله عليه وسلم لنا مجتمعا نموذجيا، تولى بنفسه مهمة السهر على تنظيمه وتسييره وفق الشريعة، التي ارتضاها الله عز وجل شرعة ومنهاجا للمسلمين. ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يتولى هذه المهمة بوحي خيـاله أو ذكائه، وإنما كان بتوجيه من الله عز وجل عن طريق الوحي ( وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى ) (النجم:3-4). ولقد أجمع علماء الأمة، قديما وحديثا، على أن القرآن والسنة هما المصدران الأساسيان للتشريع. وإذا سلمنا بذلك فليس من المنطقي أو المعقول أن نأخذ بهذا التشريع منفصلا عن التنظيم الذي على أساسه بني أو أقيم ذلك التشريع، وعلى رأس هذا التنظيم البنية التركيبية للمجتمع.

فلقد احتوى هذا المجتمع على فئات نخبوية، أنكر الرسول صلى الله عليه وسلم بعضها وبارك غيرها وشجعها. فنخبة السحرة مثلا عرفت عبر التاريخ كيف كانت تصنع القرارات، جنبا إلى جنب مع الفئة الحاكمة، فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يضع نهاية لهذه الفئة وأثر موقعها السلبي في المجتمع، هذه الفئة التي اتخذت من الكذب والشياطين مصدرا لتشريعاتها. لذلك كانت عقوبة الساحر عقوبة قاسية وهي قطع الرأس. [ ص: 25 ]

وبارك الرسول صلى الله عليه وسلم النخبة التي اتخذت القرآن والسنة، والعقل، الذي يحافظ عليهما، مصدرا لتشريعاتها.

وتعد النخبة المثقفة العقل المفكر والباحث عن حلول للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية، التي يعاني منها أي مجتمع كان، وعليه كون النبي صلى الله عليه وسلم صفوة من الصحابة في بداية طريقه الدعوي، قبل أن يجهر بالدعوة إلى الإسلام في مكة، واستمر في ذلك حتى بعد تأسيسه للدولة الإسلامية. وبقيت تلك النخبة تسير مع النبي صلى الله عليه وسلم تتعلم منه وتتأسى بأفعاله. وكان ضمن تلك النخبة نخبة نسوية، على رأسهن السيدة عائشة، رضي الله عنها، تجلت أدوارهن خاصة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم .

ونظرا لأهمية هذا الموقع في سير حركة التغيير الاجتماعي نحاول من خلال هذا الكتاب التأصيل لموقع المرأة النخبوي في الإسلام، من خلال النماذج النظرية التي خلفها المجتمع النبوي. وللقيام بهذا العمل تناولت بداية مفهوم النخبة، وأهمية هذه الوظيفة التكليفية والتشريفية في المجتمع. ثم تعرضت إلى بيان موقع المرأة النخبوي في التجربة الإسلامية من خلال الشخصيات التي كانت سببا في نـزول بعض الآيات في القرآن الكريم، ثم عرض موقع نماذج من الصحابيات في الوسط النخبوي من خـلال السنة الشريفة، مع التركيز على أم المؤمنين عائشة، المرأة النخبوية النموذجية، وذكر الظروف التي أحاطت بهن لأداء أدوارهن في المجتمع، وكيف استطعن أن يخلفن إسهامات بارزة في المجتمع بقيت آثارها إلى يومنا هذا على رغم التزامهن بوظائفهن الطبيعية. [ ص: 26 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية