منهج النظر المعرفي بين أصول الفقه والتاريخ (الشاطبي وابن خلدون أنموذجا)

الدكتور / الحسان شهيد

صفحة جزء
مقدمة

الحمد لله الذي بفضله تبدأ المكرمات وتنتهي، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمـد كما ينبغي لجـلال وجهه، وعظيم سـلطانه، وبما يليق بعزته وكبريائه.

والصلاة والسلام على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والقدوة المعطاة، سيدنا محمد النبي الأكرم، علمه سبحانه ما لم يعلم، وأرسله للناس خير معلم، بعثه بجوامع الكلم، وخصه ببدائع الحكم، وميزه بفضائل النعم، أرسله ليخرج أمته من ظلمات الجهل إخراجا، ويجعل لها من سبيل النور شرعة ومنهاجا، لتسلك به الطريق المبين، وتعلم الحق من الباطل علم اليقين؛ وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد:

فقد تعددت الدراسات العلمية والمعرفية لأصول البحث عند كبار النظار كالإمام الشاطبي والعلامة ابن خلدون على الخصوص، إلى حد يتعذر إحصاؤها لمن أراد عدها، غير أن العناية بالشق المنهجي وخصوصا في بعده "التكاملي" يبدو في حكم النادر، ولعل النظر في مقارنة منهجية بينهما، من حيث الشاكلة والخطاب، ستفيد لا محالة في فقه الأسس المنهجية، وإدراك مدى التكامل المعرفي بين الخطابين، الأصولي والتاريخي.

قد لا أجد علمين رائدين في هذين العلمين يمثلانهما أحسن تمثيل أفضل من أبي إسحاق الشاطبي وعبد الرحمن ابن خلدون، وذلك لاعتبارات كثيرة سيتم بيانها في متن هذه المكتوبة. [ ص: 19 ]

فأبو إسحاق الشاطبي لم يكتب في علم أصول الفقه على سبيل النظر والمتابعة لما سبق بل منح له بعدا فلسفيا تحليليا، وابن خلدون هو الآخر في كتابه "المقدمة" نحا النحو نفسه مع علم أصول التاريخ، الذي كتب في فلسفته والأسس العلمية للكتابة التاريخية.

هذه التوافقات المنهجية أعتبرها مدخلا تأسيسيا للنظر في البعد التكاملي للمعرفة الأصولية والتاريخية وتطوير فوائدها.

تقوم هذه الدراسة في أغلب مباحثها وإشاراتها على النظر في "يتيمة" الشاطبي "الموافقات"، وفي "تحفة" ابن خلدون "المقدمة"، وذلك بالقصد الأول والتركيز المباشـر؛ لأنـهما قـد حازا جماع الأمر وغاية الموضوع، وما عداهما فعـلى سبيل الاستـكمال والقصد التبعي كـ"الاعتصام" وكتاب "العبر".

كما أن أبعاد الاختيار العلمي المرتبط بشخصيتي الشاطبي وابن خلدون تنتهي عند رمزية الإمام والعلامة بالنسبة لعلم أصول الشريعة وعلم أصول التاريخ، مع الوضع الاعتباري للانعطاف التاريخي الذي رسماه لعلميهما ليشكل كل منهما بذلك خطابا نوعيا جديدا، لا زالت آثاره باقية إلى الوقت المعاصر، هذا إضافة إلى المرتكزات الأخرى التي سيتم بيانها في أسس الاختيار التكاملي بين المعرفة الأصولية عند الإمام والمعرفة التاريخية عند العلامة.

والله ولي التوفيق. [ ص: 20 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية