فقه السياسة الشرعية (الجويني أنموذجا)

الدكتور / عمر أنور الزبداني

صفحة جزء
المبحث السابع

واجبات رئيس الدولة

كان حديث الجويني عن مهام الإمام من أوفق ما قرره في فقه السياسة الشرعية عموما، حيث أفاض في التأصيل لواجبات الإمام، واستغرق ذلك منه ربع الكتاب تقريبا، واعتبر مضمون هذا المبحث المقصد الأساس والأهم من كتاب الإمامة >[1] .

وقد بين الجويني جملة من المهام والواجبات الرئاسية، لخصها في إيجاز شاف، فقال: "طلب ما لم يحصل، وحفظ ما حصل" ؛ فحفظ دولة الإسلام، وحمايتها داخليا وخارجيا، بما يحقق لها الأمن والاستقرار، ونشر دعوة الإسلام، هما الواجبان الأساسان اللذان ينبغي على الإمام القيام بهما. وقرر أولا: أن المقصد من إقامة الأئمة إقامة الدين في الدنيا؛ ولما كانت الدنيا سبيلا لتحقيق ذلك، فقد جرت "من الدين مجرى القوام، والنظام من الذرائع إلى تحصيل مقاصد الشرائع". [ ص: 79 ]

وقرر ثانيا: أن مقصود الشرائع من العباد الاستمساك بالدين، ودعوة الناس إلى مكارم الأخلاق؛ إذ لما كانت النفوس مجبولة على حب الشهوات، وتقديم ما هو عاجل على ما هو آجل، فقد استدعى الأمر إقامة الأئمة؛ "ليوفروا الحقوق على مستحقيها ... ويشيدوا مباني الرشاد، ويحسموا معاني الغي والفساد، فتنتظم أمور الدنيا، ويستمد منها الدين الذي إليه المنتهى".

وفي ضـوء هـذين المقصدين، يكون المقصد الأساس من نصب الأئمة "استيفـاء قواعد الإسلام، طوعا أو كرها، والمقصد الدين، ولكنه لما استمد استمراره من الدنيا كانت هذه القضية مرضية مرعية" >[2] ، وهذا جامع القول في المقصد من الإمامة.

أما واجبات الإمام المتعلقة بالدين فتنقسم - بحسب الجويني- إلى قسمين: واجبات نحو أصل الدين، وهي من أهم ما يجب على الإمام التوجه إليه، والاعتناء به؛ وواجبات نحو فروع الدين.

- أولا: واجب الإمام نحو أصل الدين:

تتلخص واجبات الإمام نحو أصل الدين في مقصدين: حفظه على أهله؛ ودعوة الناس إليه.

فيما يتعلق بالمقصد الأول، يحدد الجويني واجب الإمام بدفع الشبه وقمع البدع، وليس للإمام بحال من الأحوال ترك أهل البدع والأهواء [ ص: 80 ] يصولون ويجولون من غير الأخذ على أيديهم؛ إذ في هذا المسلك ما يفصم عرى الدين، ويفضي الأمر إلى فساد عظيم. ومن هنا يحذر الجويني ولي أمر المسلمين من فسح المجال أمام المذاهب الفكرية المنحرفة، التي تخالف مذهب أهل الحق. وينتقد الخليفة المأمون لسماحه لأهل المذاهب بنشر أفكارهم، وبث ضلالاتهم.

أما الاعتقاد الذي ينبغي على الإمام حمل الناس عليه، فهو مذهب السلف الصالح؛ حيث كانوا، رضي الله عنهم "ينهون عن التعرض للغوامض، والتعمق في المشكلات ... ويرون صرف العناية إلى الاستحثاث على البر والتقوى، وكف الأذى، والقيام بالطاعة حسب الاستطاعة". والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ( ... إن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة ) >[3] . وفي رواية: ( ما أنا عليه وأصحابي ) >[4] .

وليس للإمام أن يتعرض لأحد بسبب اجتهاد اجتهده في فروع الشريعة، أو بسبب رأي رآه على خلاف ما رآه غيره؛ لأن الاختلاف في [ ص: 81 ] الفروع أمر مشروع، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( اختلاف أمتي رحمة ) >[5] ؛ فالحديث يدل على أن اختلاف الأمة في فروع الشريعة أمر مشروع، بل ربما كان محمودا، وعليه "درج السلف الصالحون، وانقرض صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأكرمون". بخلاف الحال في الاختلاف في أصول الدين، فإن هذا مما تأباه الشريعة، وتمنع منه، وتأخذ على يد فاعله.

أما المقصد الثاني الذي يتوجب على الإمام القيام به، فهو واجب دعاء غير المسلمين إلى الإسلام، وتحقيق هذا المقصد.

- ثانيا: واجب الإمام نحو فروع الدين:

واجبـات الإمـام نحو فروع الدين منهـا ما يتعلق بالعبـادات، ومنها ما يتعلق بأمور الدنيا. أما ما يتعلق بالعبادات، فوجه ارتباطها بنظر الإمام، يحدده اعتبارات ثلاثة:

أولها: ما كان من العبادات شعارا ظاهرا، يرتبط باجتماع عدد كبير، كالجمع والأعياد ومجامع الحج؛ فإن هذا مما لا ينبغي للإمام أن يغفل عنه بحال. واستـدل الجويني على هذا الواجب بفعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث أمر بعد فتـح مكة أبا بكر، رضـي الله عنه، على الحجيـج، وجرى الأمر بعد هذا المجرى. [ ص: 82 ]

ثانيها: ما كان من العبادات شعارا ظاهرا، لكن لا يتعلق باجتماع، كالأذان، وصـلاة الجماعـة، ووجـه الارتباط هنا بنظر الإمـام يظهر فيما لو عطل أهل ناحية بعض شعائر الإسلام، كالأذان، وإقامة الجماعة، فالواجب حينئذ حملهم على إقامة ما عطلوه من شعائر.

ثالثها: ما لم يكن شعارا ظاهرا من العبادات، فلا نظر للإمام فيما كان شـأنه كذلك، إلا أن ترفع إليه واقعـة بعينها، فينظر فيها برأيه، ويحـكم فيها بما يراه الأنسب لمقتضى الأصول الشرعية.

وأما واجبات الإمام المتعلقة بأمور الدنيا، فتعلقها بنظر الإمام غير خاف. ويدرجها الجويني تحت ضابط كلي، حاصله "طلب ما لم يحصل، وحفظ ما حصل".

والواجب المتعلق بطلب ما لم يحصل، دعوة غـير المسلمين إلى الإسلام. والمتعـين على الإمـام إدامـة الجهـاد على حسـب الإمكان؛ إذ ضابط وجوب الجهاد توفر إمكاناته، ولا عبرة بالزمن طال أو قصر. ويعتبر الجويني أن فرض الجهاد من الواجبات المنوطة بالإمام، وهو في حقه بمثابة الفرائض العينية >[6] .

أما واجب الإمـام المتعلق بحفظ ما حصل، فالغرض منه تحقيق مقصدين اثنين: [ ص: 83 ]

أولهما: حفظ المسلمين من التنازع والتقاتل، ويعبر عن هذا المقصد بالأمن الداخلي.

ثانيهما: حفظ بلاد الإسلام من الكفار، ويعبر عن هذا المقصد بالأمن الخارجي. وتفصيل القول في هذين المقصدين على النحو التالي:

- المقصد الأول: الأمن الداخلي:

يقسم الجويني واجب حفظ الأمن الداخلي إلى قسمين: قسم يتعلق بالكليات، وقسم يتعلق بالجزئيات. أما القسم المتعلق بالكليات، فالواجب على الإمام تتبع أهل الفساد، وقطع شرهم، حتى يعم الأمن؛ إذ "الأمن والعافية قاعدتا النعم كلها"، وكل نعمة غيرهما مردها إليهما. "وإذا تمهدت الممالك، وتوطدت المسالك، انتشر الناس في حوائجهم ... وتقاذفت أخبار الديار مع تقاصي المزار إلى الإمام، وصارت خطة الإسلام كأنها بمرأى منه ومسمع، واتسق أمر الدين والدنيا". وأما القسم المتعلق بالجزئيات، فواجب الإمام نحوه يتحدد في واجبات ثلاثة:

الواجب الأول: فصل الخصومات بين الناس:

وتعلق هذا الواجب بالإمام، يظهر من وجهين:

أولهما: أن فصل الخصومات مردها إلى القضاة، والقضاة إنما هم مستنابون من قبل الإمام، وهم وكلاء عنه بالقيام بهذه المهام. والواجب على [ ص: 84 ] الإمام في هذه المهام نصب القضاة للفصل بين الناس، وإعادة الحقوق إلى أصحابها.

ثانيهما: أن القضاة قد يصلون إلى مرحلة لا يستطيعون معها فض الخصومات والمنازعات القائمة بين الناس، فيتعين على الإمام حينئذ التدخل بسلطانه لقطع الخصومات، وفض المنازعات.

الواجب الثاني: إقامة السياسات والعقوبات:

والقيام بهذا الواجب يكون بطريقين:

الأول: عقوبات جماعية، تشمل قتال البغاة، وقطاع الطرق، وأهل البدع والأهواء؛ فكل من امتنع عن الاستسلام للنظام العام، فالواجب على الإمام بداية دعوته إلى الطاعة، فإن أبى وأعرض، كان على الإمام ردعه بقوة السلاح. وإذا رأى الإمام أن أمر هذه الفئات قد استفحل، وأصبحت السيطرة عليهم ليس بالأمر اليسير، وغلب على الظن أن مقاومتهم سوف تجر فسادا، وأن الوجه مسالمتهم إلى حين تسنح فرصة لقطع شرهم، كان له أن يفعل ما يراه الأصلح للإسلام والمسلمين.

ويلحق بما تقدم، أن الإمام إذا اجتهد في مسألة مظنونة، وأداه اجتهاده إلى حكم معين، فالواجب اتباعه في اجتهاده، فإن امتنع بعض الناس عن الأخذ باجتهاده، فالواجب عليه قتاله؛ لأنه يجب "اتباع الإمام قطعا فيما يراه من المجتهدات، فيرتب القتال على أمر مقطوع به، وهو تحريم مخالفة الإمام في [ ص: 85 ] الأمر الذي دعا إليه" >[7] . ويستدل الجويني لهذا بفعل أبي بكر، رضي الله عنه، عندما قاتل مانعي الزكاة.

الثاني: عقوبات فردية، تشمل عقوبة التعزير، وعقوبة شارب الخمر، وعقوبة الزنديق.

بخصوص عقوبة التعزير، يذكر الجويني أن التعزيرات مفوضة إلى رأي الإمام، فعليه أن يختار ما هو الأليق والأولى والأحرى. وينتقد الرأي الذي يذهب إلى جواز الزيادة في التعزير على الحدود؛ إذ "من ظن أن الشريعة تتلقى من استصلاح العقلاء، ومقتضى رأي الحكماء، فقد رد الشريعة، واتخذ كلامه هذا إلى رد الشرائع ذريعة" >[8] . ومحصل رأي الجويني في عقوبة التعزير يتلخص وفق التالي:

- لا يجوز الزيادة في عقوبة التعزير على الحد.

- اتباع سياسة التدرج في تنفيذ عقوبة التعزير، من الأخف إلى الأشد.

- الاستمرار في العقوبات حال المعاودة، يفي بالغرض من التعزير.

- زيادة عقـوبة الحـبس على السنة أمر جائز، ولا يعد ذلك زيادة على الحد.

- لا يجوز في عقوبة التعزير الخروج عن ضبط الشرع.

- لا يجوز ردع أصحاب التهم قبل إلمامهم بالمعاصي.

- لا يجوز التعزير بالعقوبات المالية. [ ص: 86 ]

وعلى الجملة، فإن عقوبة التعزير - بحسب الجويني - لا تتحتم تحتم الحدود، بل للإمام أن يعفو، بحسب ما يراه من حال، فقد يكون العفو على الكريم هو الأنسب. ويستأنس الجويني لهذا التوجه بقوله صلى الله عليه وسلم : ( أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم ) >[9] . في حين أن إقامة التعزير على اللئيم هو الأولى.

أما بخصوص عقوبة شارب الخمر، فيذهب الجويني إلى أن هذه العقوبة لم تثبت مقدرة محدودة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هي "تضاهي التعزيرات المفوضة إلى رأي الأئمة في مقدارها، وإن كان لا يسوغ الصفح عنها" >[10] ، ما يعني أن هذه العقوبة تدخل في باب السياسة الشرعية.

فيما يتعلق بتوبة الزنديق، فالجويني ينتقد مذهب من يرى أن توبة الزنديق لا تقبل إذا ظهرت زندقته، بحجة أن من عقيدة الزنديق أنه يظهر خلاف ما يضمر، والذي يبديه من توبته عين مذهبه في زندقته. ويعتبر الجويني هذا الرأي خارجا عن قاعـدة الشرع. ويستدل لرأيه بموقف [ ص: 87 ] الرسول صلى الله عليه وسلم من المنافقين، حيث كان يداريهم. ويستدل أيضا بالقياس على قبول إسلام أهل الكفر في ساحات المعركة. والرأي عند الجويني في كف الزنديق عن زندقته، أن يسلك معه مسلك التدرج في العقوبة، والاستمرار فيها عند المعاودة، إضافة إلى حبسه مدة، بحسب ما يراه الإمام من مصلحة >[11] .

الواجب الثالث: القيام على المشرفين على الضياع:

واجب الإمام فيما يتعلق بالمشرفين على الضياع يشمل أصحاب الولايات الخاصة، وذوي الحاجات والفاقات.

أما واجب الإمام نحـو أصحـاب الولايات الخاصة، فالإمام ولي من لا ولي له من الأطفال والقصر والمجانين، وهذه الولايات تنقسم إلى ولاية الإنكاح، وولاية الأموال.

وأما واجب الإمام نحو ذوي الحاجات، فإن الجويني يولي هذه المسألة عناية خاصة، ويعتبر مهمة سد حاجات الفقراء من أهم مهام الإمام. ويقرر في هذا الصدد أنه إذا لم تف فرائض الأموال بحاجات الفقراء، فالمتعين على الإمام بذل وسعه لتأمين حاجات الفقراء؛ إذ إن "الدنيا بحذافيرها لا تعدل تضرر فقير من فقراء المسلمين في ضر" >[12] . [ ص: 88 ]

وإذا لم يبلغ نظر الإمام أصحاب الحاجات، فالواجب على الأغنياء المسارعة لتقديم العون لكل محتاج إليه، "وإن ضاع فقير بين ظهراني موسرين، حرجوا من عند آخرهم، وباؤوا بأعظم المآثم، وكان الله طليبهم وحسيبهم". ولا عذر لهم في الامتناع عن تقديم العون لكل من نزلت به حاجة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يبيتن ليلة شبعان، وجاره طاو ) >[13] .

وإذا نزل الفقر في بلاد الإسلام، وتفاقمت الحاجة عند كثير من المسلمين، ولم يكن في يد الإمام ما يغطي نفقات هذه الحاجات، فالوجه أن يحتفظ أصحاب الأموال بقوت سنة، ويصرفون ما زاد عن ذلك في حاجة الفقراء. ودليل هذا، أنه لا سبيل لترك الفقراء على فقرهم، كما أنه لا دليل من الشرع يرجع إليه فيمـا يجب على الأغنياء من بذله للفقراء، ولا دليل فيما يبقيه المقتدر لنفقته، ونفقة من تلزمه نفقته. وهذا المسـلك من الجويني له أدلة من الشرع تؤيده، ومن العقل تسدده >[14] . [ ص: 89 ]

المقصد الثاني: الأمن الخارجي:

واجب الإمام فيما يتعلق بالأمن الخارجي يكون بتحصين البلاد، بكل وسائل التحصين المادية والمعنوية، والاستعداد لكل طارئ ونازل، والذود عن دولة الإسلام بالأموال والأنفس؛ لأن في حماية دولة الإسلام حماية للدين، وهـو المقـدم في الـرعاية والاعتبار على غيره من المقاصد الكلية.

وعلى الجملة، فعلى الإمام ضرورة النظر والعمل لما فيه مصلحة الأمة. فإذا كان القيم على أمر طفل مطالبا بالعمل بكل ما فيه مصلحة له، فإن مصلحة الأمة ليست "بأقل من أمر طفل، ولا نظر الإمام القوام على خطة الإسلام بأقصر نظرا وفكرا من قيم" >[15] .

- مفهوم الشوكة وواجبات الإمام:

كان لمفهوم (الشوكة) ووظيفتها حضور ملحوظ في مبحث واجبات الإمام عند الجويني. وقد تجلى هذا الحضور لمفهوم (الشوكة) على مستويين رئيسين: داخلي، وخارجي.

أما على المستوى الداخلي، فالواجب الكلي المتعلق بالإمام إنما هو "نفض بلاد الإسلام عن أهل العرامة والمتلصصين والمترصدين للرفاق، فيجب على الإمام صرف الاهتمام إلى ذلك، حتى تنتفض البلاد عن كل غائلة، وتتمهد السبـل للسابلة". وظاهر أن تحقيق هذا الواجب الـكلي، [ ص: 90 ] لا يتـأتى إلا بقوة تكون للإمـام، يستطيع بـها أن يقطع دابر أهل الفساد والغي.

ويلحق بهذا الواجب الكلي، واجبات جزئية، تتمثل في أربعة مجالات:

أولها: حفظ المجتمع من الأهواء والفتن والعقائد المنحرفة.

ثانيها: فصل الخصومات والنـزاعات بين الناس.

ثالثها: إقامة السياسات الشرعية، وتقرير العقوبات القضائية.

رابعها: سد حاجات الفقراء، ورعاية المشرفين على الضياع.

وتحقيق هذه الواجبات الجزئية، والأخـذ بها إلى حيز التطبيق والتنفيذ، لا يكون إلا بوجـود قوة للإمـام، تكون عونا له على القيام بما هو منوط به.

وأما على المستوى الخارجي، فقد تجلت وظيفة (الشوكة) في مجال واحد، يتمثل في مهمة الإمام في نشر دعوة الإسلام ... >[16] . وتبدو وظيفة (الشوكة) على المستوى الخارجي آكد مطلبا، وأشد حاجة، من جهة أن نشر الدين مقصد أساس من مقاصد الإمامة.

- واجبات الإمام وفروض الكفايات:

يذكر الجويني أن القيام بأغلب فروض الكفايات ليس منوطا بإمام المسلمين، بل بالقادرين عليها، وذلك كسد حاجات الفقراء، وتجهيز الموتى [ ص: 91 ] ودفنهم والصلاة عليهم، ونحو ذلك من الواجبات الكفائية، التي يتعين على القادرين عليها القيام بها؛ إذ القاعدة في "فروض الكفايات أن يحرج المكلفون القادرون لو عطلوا فرضا واحدا، ولو أقامه من فيه الكفاية، سقط الفرض عن الباقين". فهذه قاعدة الباب وجماعه.

ومن هنا يقرر الجوينـي ضرورة سد حاجات المحتاجين، والمشرفين على الضياع والهلاك؛ ويستـدل لذلك بقياس الأولى، فإذا "كان تجهيز الموتى من فروض الكفايات، فحفظ مهج الأحياء، وتدارك حشاشة الفقراء أتم وأهم".

أما بخصوص الجهاد الكفائي، فيقرر الجويني أن هذا الواجب من الواجبات الكلية المتعينة على الإمام، فعليه إدامة الجهاد على حسب الإمكان، من غير تحديد زمان؛ إذ ضابط وجوب الجهاد عنده توفر إمكانياته، ولا عبرة بالزمن، فإذا توفرت لدى الإمام الإمـكانات الجهـادية، فينبغي عليه أن يقوم بدعوة الكفـار، ولا يتوقف عنها إلا في حال كانت الإمكانات لديه لا تسمح بذلك >[17] . [ ص: 92 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية