فقه السياسة الشرعية (الجويني أنموذجا)

الدكتور / عمر أنور الزبداني

صفحة جزء
المبحث التاسع

الخلع والانخلاع

يقرر الجويني بخصوص مسألة خلع الإمام وانخلاعه أمرين أساسين:

الأول: أن الصفات المشروطة في الإمام "الغرض الأظهر منها الكفاية، والاستقلال بالأمر"، وصفة (الكفاية) تعني: أن يكون القائم بأمر المسلمين يملك القدرة التي تمكنه من القيام بواجبات الإمامة. أما صفة (الاستقلال) فالمراد منها: أن يكون مستقلا بنفسه غير محتاج لغيره؛ لأن هذا مما يتنافى مع مقاصد الإمامة، ولا يحقق الغايات المرجوة منها.

الثاني: "أن كل ما يناقض صفة مرعية في الإمامة، ويتضمن انتفاءها، فهو مؤثر في الخلع والانخلاع"؛ فإذا طرأ على الإمام وصف يخرجه عن الوصف الذي اختير على أساسه، أو يتنافى مع الصفات المعتبرة في الإمام، فإن ذلك يستوجب خلع الإمام أو انخلاعه.

ويفرق الجويني بين الخلع والانخلاع، فدلالتهما عنده ليست واحدة. وحاصل الفرق بينهما: أن ما كان ظاهرا من الصفات الموجبة لفسخ عقد الإمامة، وكان بعيدا زواله، فهو يستوجب الانخلاع بنفسه؛ أما ما كان في حاجة إلى إعمال فكر، فإنه لا يتضمن بنفسه انخلاعا، وإنما يستوجب الخلع. [ ص: 98 ]

أما من يتولى أمر خلع الإمام، فهو من يتولى أمر العقد له، وهم أهل الحل والعقد. ولا يشترط حصول الإجماع من أهل الحل والعقد لخلع الإمام، عند طروء ما يوجب الخلع، لكن لا بد في الخلع من اعتبار الشوكة >[1] .

ويقرر الجويني هنا أصلا آخر، وهو أن الأمور الطارئة على الإمام، كالجنون المطبق، والعته، والخبل الميؤس من زواله، لا يمكن أن تكون محل نظر واجتهاد، ولو كانت كذلك لما ساغ خلع الإمام بها. لكن ثمة طوارئ تطرأ على الإمام، تحتاج إلى مزيد نظر واعتبار، وذلك كالفسق المؤثر الذي يوجب الخلع، فإن هذا الطارئ لا بد لإثباته والحكم على أساسه من مزيد نظر واعتبار.

تلك منطلقات أساسية قررها الجويني في أثناء تناوله لمسائل خلع الإمام وانخلاعه. أما المسائل التي تناولها في هذا الخصوص، فهي وفق التالي:

المسألة الأولى: ردة الإمام:

قرر الجويني أن ردة الإمام وخروجه عن الإسلام موجب لانخلاعه. ويفيد كلامه - في هذا الشأن - أن هذا الحكم موضع اتفاق بين العلماء >[2] ، لكن لو رجع الإمام عن ردته، فلا يرجع إماما، بل لا بد من استئناف عقد جديد من أهل الحل والعقد. [ ص: 99 ]

المسألة الثانية: طروء الجنون المطبق على الإمام:

طروء الجنون المطبق على الإمام موجب لانخلاعه، وكذلك إذا طرأ على عقله خبل أو عته، وكان ميؤس زوالهما، فكل هذا يوجب الانخلاع بالإجماع؛ لأن المقصـود من نصب الإمام القيام بأمور الأمة على وجـه الحفظ والتحصيـل، ومثل هذه العاهات المستديمة تعد مانعا من القيام بذلك، فإذا طرأت على الإمام، أوجبت انخلاعه؛ لعدم قـدرته على القيام بما هو منوط به >[3] .

المسألة الثالثة: طروء الفسق على الإمام:

هذه المسألة توقف عندها الجويني مطولا. ورأى أنها من المسائل التي غمض مسلكها. فإذا كان الكفر موجبا لفسخ عقد الإمامة بالإجماع، فإن الفسق الطارئ على الإمام، كان موضع خلاف بين أهل العلم. فالجمهور يذهب إلى أن الفسق الطارئ على الإمام موجب لانخلاعه، وحجتهم في ذلك: أن الدوام معتبر بالابتداء؛ فلما كان عقد الإمامة للفاسق ابتداء غير صحيح، كان الفسق الطارئ عليه موجبا لفسخ العقد؛ لأن المعنى الذي لأجله منع العقد له بداية، متحقق حال طروء الفسق عليه. والقائلون بهذا يعتبرون الفسق الطارئ على الإمام موجبا لخلعه بنفسه. [ ص: 100 ]

ورأي ثان في هذه المسألة، يذهب إلى أن الفسق لا يستوجب خلعا بنفسه، بل يجب على أهل الحل والعقد - إذا تحقق فسق الإمام - خلعه، وتعيين إمام غيره. ومحصل رأي الجويني في هذه المسألة، أن الذي "يجب القطع به، أن الفسق الصادر عن الإمام، لا يقطع نظره، ومن الممكن أن يتوب ويسترجع ويؤوب"؛ إذ المصير إلى القول بخلعه أو انخلاعه لمجرد الفسق مطلقا، يؤدي إلى عدم استـمرار مقاصـد الإمامـة، ويعود بالنقض على ما أقيمت الإمامة لأجله جملة وتفصيلا.

وقد فرق الجويني بين الفسق الطارئ على الإمام، والفسق الطارئ على الولاة، فاعتبر أن طروء الفسق على الإمام لا يستوجب خلعه، ما دام يقوم بواجباته المنوطة به، في حين أن طروء الفسق على المستنابين، يستوجب عزلهم وتعيين غيرهم؛ والعلة في هذه التفرقة، أن عزل الإمام بسبب طروء الفسق العارض، مفسدة تربو على مفسدة بقائه. في حين أن عزل المستناب إذا طرأ عليه الفسق العارض؛ لا يترتب عليه كبير مفسدة. ومع أن الجويني لا يصحح إمامة الفاسق ابتداء، إلا أنه لم يذهب إلى القول بجواز عزله وخلعه انتهاء؛ بناء على النظر في المآلات المعتبرة شرعا.

والمستفاد من تأصيل الجويني لهذه المسألة، أن من يملك حق التولية والتعيين، هو من يملك حق العزل والخلع، وقد تبين أن الجهة المخولة بهذا الأمر، هي جهة أهل الحل والعقد؛ إذ الأصل أن يكون أمر العزل والخلع بيدهم، كما كان أمر التعيين صادرا عنهم. فإن تيسر لأهل الحل والعقد [ ص: 101 ] نصب إمام مستجمع للخصال المرعية في الأئمة، فينبغي المبادرة إلى نصبه، ويتعين على من انتصب إماما أن يخلع الإمام المحكوم بفسقه، فإن أذعن الإمام المحكوم بخلعه للإمام المستجمع لصفات الإمامة وشروطها، فهو المطلوب، وإن عصى وبغى كان حكمه حكم العصاة.

وضابط الإقـدام والإحجام على مواجهـة الإمام الممتنع، النظر إلى مآل هـذا الدفـع؛ فإن كان جانب المصلحة راجحا فيما هو متوقع، فالإقـدام على الدفـع هو المطلوب؛ وإن كان جانب المصلحة مرجوحا فيما هو واقع، فالإحجام عن الدفع هو المتعين، فالمعتبر في كل ذلك المصلحة جلبا ودفعا.

ثم إن الإمام إذا وقـع في الأسـر، ولم يرج خلاصه، أو انقطع نظره عن أهـل الإسـلام، فإنه يتعين نصب إمام يسد مسـده، ويقوم مقامه؛ لأن أمر المسلمين لا يمكن أن يترك من غير نصب إمام يسوس أمرهم. غير أن أسر الإمام لا يستوجب انخلاعا بنفسه، وإنما يستوجب خلعا من أهل الحل والعقد. والحكم هنا دليله النظر في مصلحـة المسـلمين، والنظر أيضا في مآلات الأفعـال، وكلاهما معتبر شرعا. وكذلك الحـال لو سقطت طاعة الإمام لغـير سبب فيه، كضعف شـوكته، أو نزول مرض مزمن به، أو كراهة الناس له، فإن المتعـين - والحالة هذه - خلعه، ونصب إمام مطاع، قياسا على خلعه حال أسره؛ لتحقيق مصالح الأمة، نفعا ودفعا، وحفظا وتحصيلا. [ ص: 102 ]

ولا يجوز للإمـام أن يعزل نفسـه، إن لم يكن ثمة من يسد مسده؛ لأن في اعتـزاله للإمـامة، مع الحاجـة إليه، وعدم وجود من يقوم مقامه، مضيعة للبلاد، ومفسدة للعباد، وانحـلالا لعقد نظام الدولة، وهو ما يتنافى مع مقـاصد الإمامـة خصـوصا، ويتعارض مع كليات الشريعة عموما >[4] .

والذي يخرج به الناظر من دراسة مسـائل الخلع والانخلاع عند الجويني، أن منصب الإمامة والرئاسة مداره أولا وآخرا على تحقيق مصالح الأمة في العاجل والآجل، فما دامت هذه المؤسـسة تحقـق المهمة التي أقيمت لأجلها، ومن أجلها، فهي باقية ومستمرة، ومتى ضعفت أو عجزت عن القيام بما أنيط بها، كان الواجب عزلهـا واستبدالها، وتولية من يقوم بالمهام المنوطة بها. [ ص: 103 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية