فقه السياسة الشرعية (الجويني أنموذجا)

الدكتور / عمر أنور الزبداني

صفحة جزء
المسألة الرابعة: الفروض الكفائية:

الحديث عن الفروض الكفائية في المحصلة حديث عن الشأن الاجتماعي بأبعاده كافة؛ وذلك أن القيام بالفروض الكفائية المتعلقة بالجانب الاجتماعي هو خروج من النطاق الفردي إلى النطاق الجمعي، وانطلاق من الأفق الضيق إلى الأفق الواسع، وتحرر من الذات، وتوجه نحو المجموع.

يؤكد الجويني هذا المنحى في التعامل مع الواقع الاجتماعي، فيقرر أن القيام بما هو من فروض الكفايات أحرى بالاعتبار وأولى بالاهتمام من الفروض العينية؛ ووجه ذلك أن ترك الفرض العيني يعود أثره على المكلف به فحسب. أما الفرض الكفائي فإن "القائم به كاف نفسه وكافة المخاطبين الحرج والعقاب، وآمل أفضل الثواب، ولا يهون قدر من يحل محل المسلمين أجمعين في القيام لمهم من مهمات الدين". وهذا نظر كلي للأمور؛ لما فيه من تقديم لما هو كلي على ما هو جزئي.

ومن هنا يقرر الجويني، أن القيام بأغـلب فروض الكفايات ليس منوطا بإمام المسلمين، بل منوط بالقـادرين عـليها، كسد حاجات الفقراء، وتجهيز الموتى ودفنهم والصلاة عليهم، ونحو ذلك من الواجبات الكفائية. والقاعـدة في أداء فروض الكفايات، أنها واجبة على المجموع، فإذا قام بها البعض سقطت عن الجميع، وإن تخـلفوا عنها أثـم القادرون على أدائها. وهذه القاعدة هي أس الباب وجماعه، والجانب الاجتماعي فيها حاضر وبارز. [ ص: 130 ]

ومن جملة ما يقرره الجويني في باب فروض الكفايات مسألة تعين بعض الفروض الكفائية على بعض الناس في بعض الأوقات؛ إما لتعيين الإمام لهم، وإما لكونهم قادرين على القيام بهذا الواجب. ويمثل الجويني لهذه المسألة بمثال الرفيقين يكونان في سفر، فيموت أحدهما، ولم يكن يحضر موته أحد غيره، ففي هذه الحالة يتعين على الرفيق أن يقوم بغسل رفيقه وتكفينه ودفنه. ونحو هذا الرفيقـان يكونان في سـفر، فينفد طعـام أحدهما، ويكون مع الآخر ما يكفيه ورفيقه >[1] .

التالي السابق


الخدمات العلمية