العولمة والتربية (آفاق مستقبلية)

الأستاذ الدكتور / أحمد علي الحاج محمد

صفحة جزء
مقدمة

العولمة، والكوكبة، وما بعد الحداثة، والأمركة، وعولمة الإمبريالية، و (الميغاإمبرالية)، وغيرها، كلها مصطلحات أو مرادفات لمفهوم واحد، شغل ويشغل مختلف الأوساط العلمية والفكرية والاقتصادية والسياسية والثقافية والتربوية، بما في ذلك عموم الناس، وبات يتصدر اهتمام الدول وقطاعات الإنتاج والمال والأعمال والخدمات الاجتماعية في كل بلدان العالم تقريبا، وربما أكثر من أي مفهوم آخر. وحوله انقسمت الآراء وتباينت حيثيات بنائها، واحتدم الجدل حولها؛ حتى وصل إلى عامة الناس بين مؤيد ومعارض، وبين رافض مندد، ومهادن متردد، وبين مساير مستفيد، ومتخوف مستكين؛ وهو ما زاد العولمة غموضا وحيرة في وقت تشق فيه آليات العولمة طريقها بهدوء وتؤدة، وتكسب مواقع تعزز مسيرتها نحو ما تصبو إليه في كل بلدان العالم تقريبا، ومنها البلاد العربية، التي هي ربما أكثر من سواها غير عابئة بالضجيج المثار حولها، أكان من المعارضين والرافضين لها، أو من المؤيدين لها، أو من المبشرين بمنافعها، بوعي أو بدون وعي. [ ص: 25 ]

تقدم العولمة على أنها حتمية تاريخية لتطور المجتمعات الإنسانية على أساس أن طبيعة الإنسان واحدة في أي مكان من العالم، وأن حاجات العالم ورغباته أصبحت متجانسة، وما يرافق ذلك من مقولات يروج لها ويسوقها منظرو الرأسمالية المعولمة تحت ما يسمى نهاية التاريخ، وغيرها من النهايات، كنهاية الجغرافيا، ونهاية الدولة، ونهاية السياسة، ونهاية الأيديولوجية، ونهاية المدارس الوطنية إلى غير ذلك من النهايات التي ما انفك منظرو العولمة يبشرون بـها؛ باعتبارها ظـاهرة كونية تنقل البشر إلى مرحلة جديدة. وأي دولة تتأخر عن اللحاق بالعولمة وخيرها المستقبلي والخضوع للسلطة الكونية الجديدة، وقبول شروطها؛ تهمش وستظل خارج حركة التاريخ >[1] ، ولا خيار أمام شعوب ودول العالم الثالث إلا الالتحاق بالمرحلة التاريخية الجديدة دون تردد، بعد أن تهاوت الحدود، وحررت التجارة، وترسخت الاعتمادات المتبادلة بين مناطق ودول العالم.

وفي هذا السياق يشير "تيمونـز"، و"هايت" إلى أن العولمة رؤية لتنظيم العالم، ومشروع للتنمية، على أساس أن العولمة مشروع يمكن أن يتكرر في البلاد العربية ودول العالم الثالث لترسيخ الرأسمالية دون إنتاج نسخ متطابقة، من خلال إدارة اقتصادية عالمية، بمعنى أن تتبع دول العالم الثالث [ ص: 26 ] وتحقق نموذج الطريق الغربي في التنمية، من خلال نقل مؤسساته ونظمه وأنماط حياته، المدعوم خارجيا بالنخب المالية المتعددة الجنسيات، تسندها سلطات المؤسسات الدولية، مثل: صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية، والمدعوم داخليا بالنخب الإدارية الحكومية والاقتصادية التي تؤمن بحرية التجارة والاقتصاد؛ ويبرز مشروع العولمة إلى حيز الواقع كتوجه يكرس تنميط النظام الرأسمالي >[2] .

ويبدو أن النهايات الأنفة الذكر تعكس وجهة نظر ضيقة، ومواقف اختزالية، وتوظيفا أيديولوجيا مفبركا؛ لأن حركة التاريخ لا تتصف بالجمود والثبات، أو أنها قابلة للتوقف والانتهاء عند لحظة زمنية معينة، ولا يعني ذلك أن التطور الحاصل اليوم هو عامل طارئ؛ كي يتحول إلى طريق آخر.

فالعولمة ليست حتمية تاريخية، وإنما هي إرادة ذاتية لفعل إنساني، توافرت لها عوامل تاريخية موضوعية وذاتية تفرضها على العالم من أجل إحكام السيطرة عليه؛ بمعنى أنها عملية تفرض من الخارج على المجتمعات التقليدية، فليست نتاجا لتفاعلات ديناميكية بين الثقافات والحضارات المتباينة، ولكون العولمة ليست ظـاهرة جـديدة في تاريخ الرأسمـالية، وإنما مرحلة جديدة من تطورها تعمقت وانتشرت في العقود الأخيرة، [ ص: 27 ] بوصفها ثمرة للتراكم الرأسمالي على الصعيد العالمي، والثورة في تقنية المعلومات والاتصالات والإعلام النابعة من التنافس بين الشركات العملاقة، والدول من جهة، وإرادة الدول الرأسمالية الكبرى في استغلال تلك التغيرات؛ لتحقيق أهداف تتعلق بخدمة مصالحها الاجتماعية من جهة ثانية >[3] .

إن العولمة ظاهرة من صنع القوى العالمية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي استغلت انهيار الاتحاد السوفياتي، ومنظومة البلدان الاشتراكية لفرض هيمنتها على العالم من خلال قدرتها الاقتصادية، وتفوقها في تقنية المعلومات والاتصالات والإعلام، ومن خلال آليات المنظمات الدولية التي تملي شروطها على دول العالم الثالث ومنها البلاد العربية، لتسريع تحولها إلى العولمة، من خلال سياسات وقرارات الشركات العملاقة العابرة للقارات، وقدرتها المالية وحجم الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة، وتحكمها في الأسواق، وتصدرها في إجراء التحولات الاقتصادية والسياسية والثقافية والتربوية.

وبذلك فالعولمة هي الصورة الناصعة للرأسمالية في بداية عهدها في القرنين (التاسع عشر والعشرين) جاءت من خلال السياسات الليبرالية الحديثة للقوى العالمية الجديدة، التي تقدم العولمة على أنها تمثل التطور التلقائي للحضارة الإنسانية، وترسم صورة مجتمع الرفاهية التي تبشر به عاصفة تلك [ ص: 28 ] الأفكار الاشتراكية، والديمقراطية، ومبادئ العدالة والتكامل الاجتماعي، وتقضي على ما حققته الطبقة العاملة، والطبقة الوسطى من مكتسبات >[4] ، ناهيك عن تنكرها للقيم المثلى، وما جاءت به الأديان السماوية من عدالة وقيم وتشريعات، وعدم الالتفات إلى شيء من ذلك إلا بقدر ما تحققه من مكاسب مادية، وما يخدم المنظومة العولمية وتغولها في كل اتجاه.

وأيا ما كان الأمر، فالجديد في ظاهرة العولمة أنها:

- اكتسحت كل دول العالم، بما فيها الدول التي كانت معزولة كالصين مثلا، وأوجدت أسواقا جديدة موصولة بعضها ببعض على الصعيد العالمي، وتتصف بحرية النقد الأجنبي ورأس المال.

- فككت أو أنهت المكان والزمان، وتجاوزت الحدود الجغرافية والسياسية، واخترقت الثقافات القومية.

- أدت إلى الزيادة المذهلة في انتقال السلع والخدمات والاستثمارات؛ نتيجة التحرير المتنامي للأسواق، والفضاءات الاقتصادية، والتبادلات التجارية.

- أدت إلى النمو المتسارع في تبادل المعلومات والأفكار والمعرفة والقيم، والتعامل معها وفق آليات السوق. [ ص: 29 ]

- أدت إلى هيمنة الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات على حركة السلع والخدمات والأموال والمعلومات والإعلام.

- عملت على إيجاد منظمات دولية فاعلة (منظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي) بسلطات قوية تكبل الحكومات الوطنية بها.

- أدت إلى تسارع حركة التحرير الاقتصادي على الصعيد العالمي، مقابل انتشار برامج الإصلاح الاقتصادي؛ لتوسيع التوجه نحو الخصخصة، والحد من تدخل الدول في إدارة الاقتصاد >[5] .

- أدت إلى وجود قواعد جديدة لعقد الاتفاقات بين الأطراف المختلفة بشأن التجارة والخدمات والملكية الفكرية، مدعومة بآليات تنفيذ قوية تلزم الحكومات الوطنية >[6] .

- أدت إلى حدوث عولمة للتربية، وذلك بخروج نظم التعليم من أسوارها التقليدية، وتزايد إشراك القطاع الخاص في التعليم، وتحويل مهام التعليم إلى نظم المعلومات والاتصالات والإعلام، وتحول الفضاء الكوني إلى بيئة للتربية. [ ص: 30 ]

- أدت إلى تعميم ثقافة ولغة الدول الرأسمالية الكبرى على الدول الأخرى، القائمة على الثقافة الاستهلاكية؛ نتيجة دمج الثقافة في العملية الاقتصادية التجارية، حتى باتت قابلة للتداول شأنها شأن السلع المادية.

- أدت إلى تراجع دور الحكومات الوطنية في الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؛ نتيجة تهميش وظائفها وتحولها إلى حماية مصالح الشركات العالمية والمحلية.

وفي ضوء ما تقدم، فالعولمة ظاهرة عالمية لتطور النظام الرأسمالي، تعمل على تنميط العالم وفق منظومة ثقافة الغرب عموما، والولايات المتحدة خصوصا، باعتبارها -كما تقدم- نظاما عالميا جديدا قوامه الانفتاح والتحرر، والتنافس، والحوار، والتشارك، والتبادل، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، واحترام الشرعية الدولية، والتوجه نحو معايير وآليات عمل عالمية تحكم المجتمعات البشرية، وتوجه مسيرتها نحو تحقيق أماني الشعوب، وتحقيق مجتمع الرفاهية، وما على دول العالم الثالث إلا الالتحاق بالنظام العالمي الجديد (العولمة) دون مناورة، أو اعتراض.

ومعنى ذلك، أن العولمة أيديولوجية عالمية تتسم بطابع انتهازي، وتتم في غيبة الأيديولوجيات المناهضة لها، مستندة في ذلك إلى فكر منحاز ومعرفة عارضة وعلم زائف، وساعية إلى تنميط حياة الإنسان المعاصر بدءا من احتواء كل نشاطاته وممارساته، ومرورا بتشكيل علاقاته وأفكاره وقيمه ومعتقداته وتنميته وصحته، وانتهاء بتسليته وشغل أوقات فراغه >[7] . [ ص: 31 ]

ويتم تحقيق الهدف العام من عولمة دول العالم، ومنها مجتمعات البلاد العربية، من خلال احتكار >[8] :

- منظومة التقنية الحديثة الرفيعة، لجعل الصناعة في دول العالم الثالث تنتج من الباطن للأسواق العالمية؛ لاحتكار الجزء الأكبر من أرباحها، والتحكم في مصيرها.

- منظومة المؤسسات المالية العالمية؛ لتدعيم هيمنتها على التصنيع من الباطن.

- منظومة قرار الحصول على الموارد الطبيعية واستخدامها وتنميتها، والتلاعب في أسعارها.

- منظومة تقنيات الإعلام والمعلومات على المستوى العالمي؛ للتأثير على تكوين الرأي العام والاتجاهات، عالميا ومحليا.

- منظومة الوسائل العسكرية؛ للتهديد بها دون عمليات حربية مكلفة.

وبجانب ذلك استخدام "القوة اللينة" المتمثلة في التشريعات والقوانين، والتنظيمات والمعايير والمقاييس، واحتكار سلطة فتح الاعتمادات للمنتجات ومن يصنعها، وللخدمات ومن يقدمها، وكل ذلك تحت السلطة العالمية للمنظمات الدولية القادرة على إلزام الجميع بسياساتها وقراراتها >[9] . [ ص: 32 ]

وكذا توحيد >[10] :

- المنظومة المالية، وذلك بإيجاد سوق وحيد لرأس المال والبورصات، دونما اعتبار لظروف بلدان العالم الثالث؛ لهذا أصبحت البلاد العربية مجبرة على دخول سوق الرأسمالية والعيش فيه في إطار التبادلات التجارية، دون أن تملك قوة على المنافسة، أو الاستفادة من إمكانات العولمة.

- منظومة الإعلام والتواصل، من خلال قيام "مجتمع الإعلام العالمي"

>[11] الذي يربط سكان الكرة الأرضية القادرين على التواصل، [ ص: 33 ] وتحميلهم تكاليف مشاهدة القنوات الفضائية، وجعل سكان العالم يعيشون داخل قرية واحدة.

- منظومة المعلومات من خلال شبكة معلومات الإنترنت، والطرائق السيارة للمعلومات التي أذابت الحدود السياسية والخصوصيات الثقافية خارج سلطة الدولة، ومجبرة العرب على الذوبان داخل ثقافة عالمية.

ومن هنا تستمد العولمة ديناميكية سلطاتها من السلطة المالية، والسلطة الإعلامية والاتصالية والمعلوماتية، وسلطة المعرفة الناتجة من قدرة الدول الرأسمالية الكبرى على إنتاج المعرفة وتطبيقها في مختلف شؤون الحياة.

فسلطات العولمة الجديدة تصنع داخل الآلات الكبرى للمالية، وللإعلام والمعلوماتية، والمعرفة، بمعنى إنها سلطات تقنية تستمد قواها من الحاجات الطبيعية للإنسان، حيث تقوم شرعية سلطات العولمة على مبدأين:

أولهما: إدماج السوق؛ حتى تحدث السوق العالمية أنموذجا لكل تبادل إنساني، وأضحت السوق العالمية خاضعة لقوانين شبيهة بقوانين الطبيعة تحقق -تلقائيا- اختلالاتها وتوازناتها الخاصة.

وثانيهما: إيجاد سوق يعتمد على قوانين تبادل الحاجات الاقتصادية، التي تصبح أساسية لطبيعة الإنسان؛ مما يجعل رأس المال ينمو ويتراكم وينتهي بالمراكز الرأسمالية العالمية >[12] . [ ص: 34 ]

وتنبع سلطة المعلومات والمعرفة من اتخاذها شكلا ماديا استهلاكيا، أي تستخدم بوصفها سلعة قابلة للتداول والتسويق والاستهلاك عبر تقنيات المعلومات والاتصال والإعلام؛ بما يؤدي إلى إنتاج معلومات ومعارف جديدة باستخدامات جديدة، وتوظيفها لتطوير شتى أوجه حياة المجتمعات المعاصرة؛ لذلك تضع الدول الرأسمالية الكبرى شروطا قاسية لاحتكار المعلومات والمعرفة؛ حتى تهيمن بها على بلدان العالم المختلفة.

وبذلك توجد سلطة العولمة شروطا لهيمنة رأس المال العالمي على دول العالم الثالث، وفي مقدمتها البلاد العربية الإسلامية، ذلك أن الدول الرأسمالية الكبرى تقوم بتنظيم وتنسيق المنافسة بين الشركات العابرة للقارات، مما يجبر دول العالم الثالث -تحت ضغط المديونية، وحاجتها للاستثمار- إلى تحسين الهيكل العام للاقتصاد على حساب المستوى الإنتاجي والخدمات؛ حتى تستفيد من إمكانات العولمة. غير أن واقع الحال يشير إلى أن المظهر الاقتصادي للعولمة على هذا النحو يفتقد للآثار الإيجابية بالنسبة للبلدان العربية الإسلامية والعالم الثالث >[13] ؛ لأن العولمة أثارت جملة من التناقضات، التي أخلت بالنمو المتوازن بين مكونات مجتمعات العالم الثالث وقطاعاته المختلفة، وبالتالي أخذت تهدد وحدتها الداخلية، فلا هي مكنتها من الاستفادة من إيجابيات العولمة لدفع عمليات التنمية بها، ولا هي مكنت العولمة من التغلغل والانتشار؛ حتى تكتمل آلية فعلها. [ ص: 35 ]

وفي هذا الاتجاه تمارس آليات العولمة فعلها في المجتمعات العربية الإسلامية - ظاهرا ومستترا - حيث تؤدي على المستوى الاقتصادي إلى تغيير خريطة الفئات الاجتماعية، فتصعد شرائح، وتهبط بأخرى؛ وتؤدي على المستوى السياسي إلى تغيير التمثيل السياسي وصناعة القرار؛ وتؤدي على المستوى الثقافي إلى انتزاع شرعية الفكر (السلفي) والقوى المحافظة لصالح فكر التنوير والحداثة، وقوى التجديد؛ بما من شأنه تفكيك بنى المجتمع والازدواجية وضياع الهوية >[14] .

كما تتخذ العولمة من التربية والإعلام وتقنية المعلومات والاتصالات مدخلها الرئيس لإحداث التحولات الاقتصادية والسياسية في البلاد العربية، من أجل تشكيل أوضاع داخلية تؤسس قواعد العولمة؛ لنشرها طوع أو كراهية، مع ما يطلبه ذلك من إزاحة قوى الفعل المعارضة لها، والقضاء عليها تحت مبررات ودعاوى عدة تفصل لكل طرف في هذا البلد العربي الإسلامي أو ذاك. [ ص: 36 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية