العولمة والتربية (آفاق مستقبلية)

الأستاذ الدكتور / أحمد علي الحاج محمد

صفحة جزء
- آليات عولمة الإعلام والاتصالات:

ويمكن تتبع آليات عولمة الإعلام والاتصالات وتأثيراتها في البلدان العربية والعالم الثالث على النحو الآتي:

- إن تركيز وسائل الإعلام والاتصال على التسلية والترفية وتقديمها على أنها برامج محايدة، إنما لتشكيل ثقافة تفصل المشاهد عن واقعه والهروب منه إلى حالة الاسترخاء لملء ساعات الفراغ، بعيدا عن قضايا وهموم واقعه، بقصد إقناع الناس بصورة الواقع الحالي الذي يريدون مشاهدته وقناعتهم به والثقة فيه؛ لإعادة تشكيل هذا الواقع وتقديمه بالصورة التي تخدم أو تكرس ثقافة الاستهلاك وتخدم مصالح الشركات التجارية >[1] . [ ص: 128 ]

- إن تركيز وسائل الإعلام والاتصال على النشء والشباب، إنما لأنهم هدف سهل للسياسات الاقتصادية للشركات؛ كونهم لا يملكون ثقافة دفاعية داخلية، وبالتالي يكون من السهـل تشكيل ثقافتهم الاستهلاكية، التي تدفعهم إلى الإقبال على السـلع الاستهلاكية. ولا عجب هنا إن تعاقبت الموضة الشبابية، حتى أن الشـاب لا يكون عصريا إلا بامتلاكه نماذج الموضة ومتابعتها.

- ينسـاب الإعـلام والمعـلومات بهدوء إلى عقل المواطن أينما كان -ولا سيما النشء والشباب- لتشكيل ذهنياتهم، وصبغ أذواقهم ورغباتهم كأنها معطى طبيعي لتطور الحياة الإنسانية.

- إن اعتماد الإعلام والمعلوماتية على الصوت والصورة يجعل المشاهد يعيش اللحظة الآنية التي تدفع ما قبلها، والانتقال إلى ما بعدها، ليعيش حاضرا مشحونا بالعواطف السريعة التقلب من مشاهد إلى أخرى، دون وقت للتفكير واتخاذ المواقف إزاءها، وسرعان ما تصبح ماضيا.

- إن تركيز الإعلام والاتصال على الترفيه والتسلية يشد انتباه المشاهد إليها، لقدرتها على نقل المشاهد من واقعه اليومي وهمومه إلى عالم المتعة واللذة؛ مما يجذب المشاهد إلى متابعة ما تقدمه من برامج، مستسلما للراحة والمتعة السارة الراهنة، وبذلك تحل ثقافة الجسد والغرائز محل ثقافة العقل والروح والقيم والأخلاق >[2] . [ ص: 129 ]

- وكون الشباب والنشء هم أكثر ميلا وتقبلا للإثارة وصناعة الرغبات لديهم، ويمثلون قدرة شرائية كبيرة؛ فإن وسائل الإعلام والاتصال تركز على ذلك، مقدمة ثقافة استهلاكية تدفعهم إلى اللهث وراء اللذة والراحة، وتجعلهم متحررين من الالتزامات، غير عابئين بهموم الحياة والواقع وأحداثه، وعدم الاكتراث بالمستقبل >[3] .

- عندما تركز وسائل الإعلام والاتصال على أخبار المال والأعمال والبورصات والأسهم والسندات؛ فإنها ترمي بذلك إلى تكوين الحس المالي لدى المشاهد، وجعله في مقدمة اهتماماته، واتخاذه مرجعية للحكم على الأشياء من ناحية، وترسيخ قيم المال والربح من ناحية ثانية، وتبسيط طريق الخلاص أمام الشباب الفقراء في الكسب والشهرة من جهة ثالثة.

- تقدم وسائل الإعلام والاتصالات معلومات منتقاة بعيدا عن المشكلات الجوهرية التي يعاني منها الناس والمجتمع، وتقدم أحداثا عامة تهم كل الناس والمجتمعات، لا يختلف عليها الكثيرون، وهي بذلك ترمي إلى توحيد الناس من خلال تسطيح فكر المشاهدين وصرف أنظارهم عن التحديات والمشكلات الحقيقية، وجعل المشاهدين يتوحدون حول قضايا عامة تقربهم من بعض.

- إن تقديم وسائل الإعلام والاتصال المعلومات والأخبار والأحداث والإعلانات بطريقة مكثفة وسريعة، ومعزولة عن سياقها التاريخي، إنما يجعل [ ص: 130 ] المشاهد يعيش اللحظة الراهنة دون أن يجد وقتا للتفكير والتمحيص، وإبداء موقف إزاءها، وسرعان ما تتجـدد المشاهد لتصبح جزءا من الماضي، حتى لا يبقى في ذهنه سوى انطباعات مجزأة >[4] .

وثمة علاقة وطيدة بين انتشار التعليم الحديث والإعلام؛ ذلك أن انتشار التعليم الحديث يؤدي إلى المشاركة في استخدام الإعلام والاتصال والمعلومات، وبالعكس يؤدي انتشار وسائل الإعلام والاتصالات إلى انتشار التعليم وتوسيع مساحته، ومن ثم تزيد المشاركة في الإعلام، ويرتفع استهلاك السلع >[5] ، بدليل أن المناطق التي تسودها الأمية ما زالت في طور التجمع التقليدي، فضلا عن وجود علاقة طردية بين استهلاك السلع ومشاهدة الإعلام، إذ كلما تزايدت مشاركة سكان المجتمع في الإعلام والاتصالات ارتفع استهلاك السلع >[6] ؛ لذلك أصبحت تقنيات الإعلام والاتصالات تمثل عنصرا رئيسا للعمل التربوي، ومدخلا لا غنى عنه لرفع كفاية المؤسسات التعليمية للقيام بوظائفها وتحقيق أهدافها.

ولتوظيف الإعلام والاتصالات في العملية التعليمية التربوية من ناحية، والحد من مخاطرها أو تقليلها عليها من ناحية ثانية، ظهر الإعلام التربوي في نظم التعليم. ولكن نظرا لعولمة الإعلام والاتصالات وسطوتها الكاسحة على [ ص: 131 ] تربية النشء والشباب ومنافستها لوظائف التربية في عقر دارها، واستحواذها على الكثير من أدوار ومسؤوليات التربية المدرسية، وتفوقها على التربية اللامدرسية؛ ظهرت التربية الإعلامية كتوجه جديد يدمج الإعلام والاتصالات في العملية التعليمية التربوية، سواء ضمن المناهج التعليمية وأنشطتها المختلفة، أو ضمن الأنشطة المدرسية والطلابية، أو ضمن التشريعـات التربوية ونظـم التعليم والتعلم، أو ضمن خطط النظم التعليمية وسـواها؛ وذلك لحماية الشباب والمواطنين من الآثار السلبية للإعلام والاتصالات.

وفي هذا السياق عرف مؤتمر اليونسكو التربية الإعلامية للشباب عام 2002م بأنها: "التعرف على مصادر المحتوى الإعلامي وأهدافه السياسية والاجتماعية والتجارية والثقافية، والسياق الذي يرد فيه، ويشمل ذلك التحليل النقدي للمواد الإعلامية وإنتاج هذه المواد وتفسير الرسائل الإعلامية والقيم التي تحتويها" >[7] .

ويشير مضمون هذا التعريف ودلالاته العملية إلى أن التربية الإعلامية ليست مجرد عملية تعليمية تتم عن طريق وسائل الإعلام، أو تعليم الطلبة معارف ومهارات التربية الإعلامية من خلال مقرر خاص بالتربية الإعلامية فحسب، وإنما هي أكثر من ذلك، إذ يجب دمجها في المنهج التعليمي ضمن التربية المدرسية الرسمية، وضمن التربية اللامدرسية، وإصدار القرارات، [ ص: 132 ] ووضع خطط وبرامج التربية الإعلامية وسبل تنفيذها، وربطها بالحياة الواقعية وفق نموذج الثقافة الإعلامية العميقة، التي تركز على تفاعل الطلبة داخل المؤسسة التعليمية وخارجها مع تقنيات الإعلام والاتصالات والمعلومات في إطار الشبكات الرقمية العالمية السريعة التوسع؛ وبما يكفل لهم الانخراط الواعي في بيئات إعلامية ومعلوماتية عالمية، لتكوين الفرد المثقف إعلاميا من خلال الثقافة التشاركية، التي تتيح فرص التعليم مع الأقران والمحيط، ووسائل الإعلام والمعلومات، والمشاركة في إنتاج المحتوى التعليمي، وما يتطلبه ذلك من تنمية "مهارات التربية الإعلامية والثقافة المعلوماتية" اللازمة للعيش في مجتمعات القرن الحادي والعشرين، وهي >[8] :

1- مهارات التفكير الناقد: وما تتضمنه من مهارات التفكير الإبداعي، وتوظيف مهارات التفكير العـليا، وإصدار الأحكام حول مصادر الإعلام.

2- مهارات الاتصال الفعال: وتتضمن مهارات استخدام تقنيات الاتصـال، واستخـدام أنواع متعددة من تقنيات المعلومـات وبروح تحليلية نقدية.

3- مهارات الثقافة البصرية: وتتضمن تحليل الرسائل الإعلامية البصرية وما تحتويه من وجهات نظر، وتقويم ومغزى الرسائل البصرية. [ ص: 133 ]

4- مهارات الثقافة التقنية: وتتضمن استخدام تقنيات المعلومات في تحديد موقع محتوى المعلومات الإعلامية والوصول إليها، وتحليلها وتقويمها، وتكوين وجهة نظر حـول المحتوى الإعلامي، أو معالجة البيانات حول قضايا إعلامية.

5- مهارات الثقافة المعلوماتية: وتتضمن استخدام المعلومات بفاعلية لتحقيق أهداف محددة، واستخدام المصادر التقنية لحل المشكلات، واختيار مصادر المعلومات لإنجاز مهام محددة.

6- مهارات التفاعل الشبكي: وتتضمن فهم وتقدير التنوع والاختلاف الثقافي محليا وإقليميا وعالميا، والمشاركة في مجتمعات افتراضية، والعمل ضمن فريق لاكتساب المعرفة وتوليدها.

7- مهارات التوجيه الذاتي: وتتضمن استخدام تقنيات المعلومات حول قضايا شخصية وفقا لأهداف واضحة، واستخدام أدوات الإنتاجية التقنية في تطوير مهارات إنتاج محتوى إعلامي مبتكر.

8- مهارات الاستخدام الأخلاقي لتقنية المعلومات: وتتضمن فهم القضايا الأخلاقية والثقافية المرتبطة بالمحتوى الإعلامي ونقده، وتطوير اتجاهات إيجابية نحو استخدام تقنيات المعلومات والتفاعل مع القضايا الإعلامية. [ ص: 134 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية