في المنظور الحضاري (المنظمات الدولية رؤية تأصيلية)

الدكتور / سامي الخزندار

صفحة جزء
الاجتهاد التطبيقي و"فقه الاعتبارات"

تمثل المقاصد العامة والقواعد الأصولية والفقهية في التشريع الإسلامي الإطار العام لاجتهاد معاصر يناسب الزمان والمكان والحال، ويستجيب إلى متطلبات ومستجدات الواقع المعاصر، وهي تضبط وتدير العـلاقة بين الطروحات الإسـلامية وطبيعة الواقع السياسي المعـاصر، كما أنها تشكل الإطار العام للرؤية الإسلامية في محيط العلاقات الدولية عموما، وتجاه المنظمات الدولية خصوصا.

ويكتمل هذا الإطار بمعالجة ما يعرف بالاجتهاد التطبيقي، والمقصود بالاجتهاد التطبيقي "إعمال العقل، من ذي ملكة راسخة متخصصة في إجراء حكم الشرع الثابت بمدركه الشرعي، على الوقائع الفردية والجماعية؛ تحقيقا لمقاصد الشارع، وتبصرا بمآلات التنـزيل" >[1] . [ ص: 91 ]

وهذا التعريف مشتق من تعريف الاجتهاد وبعديه الاستنباط والتطبيقي. وهو التعريف الذي صاغه فتحي الدريني بتعريفه للاجتهاد، بقوله إنه: "بذل الجهد العقلي، من ملكة راسخة متخصصة، لاستنباط الحكم الشرعي العملي من الشريعة، نصا وروحا، والتبصر بما عسى أن يسخر تطبيقه من نتائج على ضوء قواعد أصولية مشتقة من خصائص اللغة وقواعد الشرع أو روحه العامة في التشريع" >[2] .

و"الاجتهاد التطبيقي" (التنـزيلي أو إنزال الأحكام الشرعية على الواقع) هو "مطلب شرعي دعا إليه القرآن، وأكدته السنة ببيان، وشهدت له السوابق التاريخية بالاعتبار، فضلا عن كونه ضرورة حيوية لتطور المجتمع وتغير المصالح وتشعبها، وطروء النوازل المفتقرة إلى تكييفها حسب ما يناسبها من أحكام ضابطة لها، لتسير الحياة وفق حقائق الوحي ومقررات التنـزيل" >[3] .

وممارسة الاجتهاد التطبيقي في المنظور الإسلامي تجاه المنظمات الدولية يتطلب الارتكاز على القواعد والاعتبارات التالية:

1- فقه الموازنات.

2- قاعدة أخف الضررين. [ ص: 92 ]

3- فقه الأولويات.

4- مآلات الأفعال.

5- "النسبية" في الممارسات.

6- " فقه الواقع" و"فقه الاستطاعة".

وفيما يلي نتناول ما سبق بشيء من التفصيل:

1- فقه الموازنات:

في ضوء تعقد الواقع الدولي المعاصر، والتداخل الكبير بين المصالح والمفاسد، وصعوبة الفصل في واقعنا المعـاصر، كان لا بد من الاستعانة بما يسميه بعض العلماء "فقه الموازنات". وسنتناول هنا توضيح طبيعته، ومقصوده، وأهميته عموما، ومن ثم دوره وارتباطه في المنظور والتعامل الإسلامي تجاه المنظمات الدولية.

يشير القرضاوي إلى أن "فقه الموازنات" يقصد به جملة أمور >[4] :

أ- الموازنة بين المصالح بعضها ببعض، من حيث حجمها وسعتها، ومن حيث تأثيرها واستمراريتها، وأيها ينبغي أن يقوم وأيها ينبغي أن يلغى.

ب- الموازنة بين المفاسد بعضها ببعض، (في ضوء نفس الحيثيات التي ذكرت في شأن المصالح ذات العلاقة بالحجم والسعة، والتأثير والاستمرارية). [ ص: 93 ]

ج- الموازنة بين المصالح والمفاسد، إذا تعارضتا، بحيث يتم التعرف متى يتم تقديم درء المفسدة على جلب المصلحة، ومتى تغتفر المفسدة من أجل المصلحة، وإذا تعارضت المصالح والمفاسد فالمقرر أن ينظر إلى حجم كل من المصلحة والمفسدة، وأثرها ومداها:

- فتغتفر المفسدة اليسيرة لجلب المصلحة الكبيرة.

- تغتفر المفسدة المؤقتة لجلب المصلحة الدائمة أو البعيدة المدى.

- وتقبل المفسدة -وإن كبرت- إذا كانت إزالتها تؤدي إلى ما هو أكبر منها.

- وفي الحالات المعتادة: يقدم درء المفسدة على جلب المصلحة.

- أهمية وضرورة فقه الموازنات:

يشير القرضاوي إلى أهمية وضرورة هذا الفقه، فيرى أن "مبدأ فقه الموازنات" يقوم على أساسه بنيان السياسة الشرعية، فيقول: "إذا غاب عنا "فقه الموازنات" سددنا على أنفسنا كثيرا من أبواب السعة والرحمة، واتخذنا فلسفة الرفض أساسا لكل تعامل، والانغلاق على الذات تكأة للفرار من مواجهة المشكلات... سيكون أسهل شيء علينا أن نقول "لا" أو "حرام" في كل أمر يحتاج إلى إعمال فكر واجتهاد. أما في ضوء "فقه الموازنات"، فسنجد هناك سبيلا للمقارنة بين وضع ووضع، والمفاضلة بين حال وحال، والموازنة بين المكاسب والخسائر، على المدى القصير، وعلى [ ص: 94 ] المدى الطويل، وعلى المستوى الفردي، وعلى المستوى الجماعي، ونختار بعد ذلك ما نراه أدنى لجلب المصلحة ودرء المفسدة" >[5] .

وعليه، فإن التعامل الإسلامي مع المنظمات الدولية، ليس أمرا مقبولا فقط، بل يفرضه الواقع من جهة، كما أنه في ضوء "فقه الموازنات"، "فإن الدخول في هذه الميادين الهامة ليس مشروعا أو مستحب، بل هو واجب؛ لأنه وسيلـة إلى أداء أمانة الدعوة ومقـاومة الباطل والمنكر بقـدر المستـطاع، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما هو مقرر ومعلوم" >[6] .

وهذا لا ينفي أن الواقع العملي لهذه المنظمات يحتوي على الكثير من الخلل أو التحكم والاستبداد في سـلطة القرار من قبل بعض القوى الدولية لتحقق مصالحها التي تتعارض في أحيان عديدة مع مصالح بعض الدول الإسلامية.

ومن هنا، فإنه لا شك أن هناك صعوبة في ممارسة وتطبيق "فقه الموازنات" في الواقع والحياة العملية، وإن ذلك هو التحدي الأساسي الذي يجعل من "فقه الموازنات" (والقواعد الأخرى التي ذكرناها) منهجا علميا يجعل من الإسلام مواكبا للعصر، ويتفاعل معه، وينظم دورته وواقعه. [ ص: 95 ]

إن الكثير من الإشكاليات والصعوبات تظهر عند محاولة التطبيق العملي لفقه الموازنات، فمثلا في ضوء "فقه الموازنات":

- هل يقبل الدخول أو الوقوف أو التعاون مع قوى دولية غير مسلمة، في المنظمات الدولية، ضد نظام دولة عربية أو مسلمة يمارس عدوانا ما ضد كيان مسلم أو غير مسلم لمنعها من العدوان؟ وفي الوقت نفسه فإن بعض هذه القوى الدولية تتسم سياستها الدولية في أحيان كثيرة بالظلم وازدواجية المعايير في مناطق أخرى من العالم الإسلامي؟

- هل يقبل التعاون مع المنظمات الدولية غير الإسلامية ضد كيان مسلم يمارس اضطهادا لحقـوق الإنسان داخله، سـواء أكانوا مسلمين أم أقليات غير مسلمة؟

- هل يقبل التعاون مع المنظمات الدولية لإسقاط نظام عربي دكتاتوري يمارس القتل وأشد أنواع الاضطهاد لشعبه المسلم؟

- هل يقبل للدول العربية والإسلامية الأعضاء في المنظمات الدولية الالتزام بمواثيق المنظمات الدولية أو بعض قراراتها ولو خالفت مصلحة إسلامية، أو خالفت مصلحة لدولة مسلمة، وحققت مصلحة لدولة مسلمة أخرى في نفس الوقت؟

لا شك أن هذه الإشكاليات تفتح المجال لمزيد من إعمال "الاجتهاد السياسي الإسلامي" في منظور التعامل أو التعاون الإسلامي مع هذه المنظمات الدولية. وبالطبع ليس في إطار معارضتها للثوابت الإسلامية. [ ص: 96 ]

2- قاعدة "أخف الضررين":

وفي ضوء "فقه الموازنات" ندخل في ما يسمى عند العلماء بقاعدة (أخف الضررين)، وخلاصتها: "إذا تعارضت المفاسد والمضار، ولم يكن بد من بعضها، فمن المقرر أن يرتكب أخف المضرتين وأهون الضررين. هكذا قرر الفقهاء: أن الضرر يزال بقدر الإمكان، وأن الضرر لا يزال بضرر مثله أو أكبر منه، وأنه يتحمل الضرر الأدنى لدفع الضرر الأعلى، ويتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" >[7] .

وفي ضوء هذه القاعدة واجه المنظور الإسلامي أسئلة إشكالية تحتاج إلى رؤية عملية، منها:

هل خروج الأمة الإسلامية عن دائرة التعامل أو التعاون مع المنظمات الدولية هو مصلحة أو ضرر أو أشد ضررا؟

هل الدخول في دائرة قانون النظام الدولي، ومحاولة إحداث أو تغيير في بعض معادلته هو ضرر أو منفعة أو أخف الضرر؟

وفي ضوء قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد، وفي ضوء قاعدة أخف الضررين، و"فقه الموازنات" يمكن تحديد المصلحة الإسلامية العامة تجاه المنظمات الدولية، وخاصة في ضوء واقع ضعف الأمة الإسلامية وعجزها عن الفاعلية والتغيير الشامل في المجتمع الإنساني الدولي المعاصر. [ ص: 97 ]

3- فقه الأولويات:

يقصد بفقـه الأولويات: "وضـع كل شيء في مرتبته، فلا يؤخر ما حقه التقديـم، أو يقدم ما حقه التأخير، ولا يصـغر الأمر الكبير، ولا يكبر الأمر الصغير"... ومن المقرر كذلك أن المصالح المقررة شرعا متفاوتة فيما بينها، فالمصالح الضرورية مقدمة على الحاجية والتحسينية، والمصالح الحاجية مقدمة على التحسينية، وتلك المتعلقة بمصالح الأمة وحاجياتها أولى بالرعاية من المصالح المتعلقة بالأفراد عند التعارض، وهنا نجد "فقه الموازنات" يلتقي مع "فقه الأولويات".... و"فقه الأولويات" مرتبط بفقه الموازنات، وفي بعض المجالات يتداخلان أو يتلازمان، فقد تنتهي الموازنة إلى أولوية معينة، فهنا تدخل في فقه الأولويات" >[8] .

ويشير بعض الباحثين إلى أن "فقه الأولويات" يتكون من ثلاثة أجزاء، هي >[9] :

- فقه بأحكام الشرع ومراتبها، أو الخريطة الشرعية للأحكام.

- فقه بالضوابط التي يتم بناء عليها ترجيح حكم على آخر.

- فقه بالواقع والظروف التي تحرك صانع القرار في الدولة المسلمة. [ ص: 98 ]

هناك الكثير من الأدلة الشرعية التي تؤكد "فقه الأولويات" وضرورته >[10] ، وتكمن أهمية وضرورة هذا الفقه في الحراك الإسلامي تجاه المنظمات الدولية، كأن تعرف مثلا ما هو أولى من قضايا المنظمات الدولية بالرعاية والاهتمام والتعاون، لدى العرب والمسلمين، ما هو الأكثر نفعا منها، وما هو الأقل ضررا؟

4- مآلات الأفعال (تداعيات النتائج المتوقعة):

الاهتمام بمراعاة مآلات الأفعال، أو النظر في النتائج المتوقعة للممارسات السياسية، يخرج المنظور الحضـاري الإسلامي من التطبيق الآلي الحرفـي للنصوص الشرعية إلى تحقيق الغايات والمقاصد الإسلامية أو الشرعية، حيث يشير إلى هذا المعنى أحد الباحثين بقوله: "وقد يتخلف تحقيق هذه المقاصد لعـدم التحقـق من مآلات الأفعال، إذ إن الحكمة لا تقتضي التطبيق الآلي للأحـكام دون النظر لما قد يؤول إليه ذلك التطبيق وما يسببه من تداعيات قد تعود على المقاصد الشرعية بالنقض، بل هو محكوم بأصـل النظر في المآلات الواقعة أو المتوقعة، لا سيما ونحن في هذه المرحلة والأمة تتطـلع إلى استيعاب الكسب الحضاري الإنساني، ثم إثرائه" >[11] . [ ص: 99 ]

إن المنظور الإسلامي يقوم على التفاعل مع المحيط الدولي ومكوناته وعناصره، ومنها المنظمات الدولية، وهو بذلك يقوم بصياغـة نتائج أفعاله وبناء مستقبله، ومحاولة صـنع النتـائج المرجوة لنشاطه وحراكه تجاه المنظمـات الدولية وفق تحقيق مقاصد الإسلام ومصالح الخير الإنساني العام.

إن الاهتمام بمـآلات الأفعـال يعني المشـاركة في صنع القرار، وعـدم الانعزال، وتحمل المسؤولية الإسلامية تجاه المجتمع الإنساني، وإهمـال الاهتمام بـها يؤدي إلى غياب حسن التقدير وفهم الواقع، "فالنص الشرعي يبقى في حيز النظر، ولا تتم سلامة تطبيقه إلا إذا كان ثمـة تفهـم واع للوقائع بمكوناتها وظروفها، وتبصر بما عسى أن يسفر عنه التطبيق من نتائج؛ لأنـها الثمرة العملية المتوخاة من الاجتهاد التشريعي كله" >[12] .

وفي الحقيقـة، فإن مآلات الأفعـال هي جزء أسـاسي من الإحاطة والإدراك لمعطيات الواقع، أو ما يعرف بـ"فقه الواقع"، الذي سنتناوله لاحقا. [ ص: 100 ]

5- قاعدة "النسبية" في الممارسات:

من المتفق عليه أن صفة الكمال هي لله وحده فقط، وفي المقابل فإن طبيعة الفكر الإنساني وإدارة الإنسان لشؤون الحياة لا تحمل صفة الكمال أو التنـزه عن الخطأ، ذلك أن السمة الإنسانية في القيام على إدارة الحياة وشؤونها تجمع بين الصواب والخطأ، أو بين السلبيات أو المساوئ والمنافع أو الإيجابيات، بدرجات متفاوتة.

وبالتالي، يقوم مفهوم قاعدة "النسبية" على قاعدة شرعية يعبر عنها الصحابي الجليل ابن عباس، رضي الله عنهما، بقوله: "كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق" >[13] والتي وردت على لسان عدد من علماء السلف >[14] . أي أن الكفر والظلم والفسق يكون على درجات متفاوتة، فالظلم والعدوان في المجتمع الإنساني كلاهما شر، ولكن قد يختلف كل منهما في مستوى ودرجة الأذى والضرر للإنسان والمجتمع الإنساني. كما أن الفصل المطلق بين المساوئ والحسنات لا يمكن تحقيقه على العموم، ففي كثير من الأحيان هناك منطقة ضبابية "رمادية" تقدر [ ص: 101 ] فيها الأفضل أو الأقل ضررا، سواء من حيث الممارسات أو من حيث الرؤى، في منطقة تخضع للاجتهاد.

ومن هنا، فإن الحراك الإنساني الإسلامي تجاه المنظمات لا يمكن أن يحمل صفة الكمال المطلق، فلا بد أن يقوم على الموازنة بين السلبيات والإيجابيات، بحيث يسعى لأن تطغى إيجابيات هذا الحراك من حيث الكم والنوع على السلبيات.

ولا شيء يعني أن هذا الحراك معصوم عن الخطأ أو منـزه عن النقائص، أو أنه يمكن أن يحقق الرؤية المثالية أو المقاصد الإسلامية بشكل كامل أو منـزه عن النقائض، وإنما قد يتحقق في ضوء معطيات الواقع خير دون خير، أو شر دون شر، وذلك في إطار نسبي، وليس بشكل مطلق، وفق الرؤى والاجتهادات الإسلامية تجاه المصالح العامة.

فالحراك الإسـلامي هـو نتاج إدراك أو فعل الفرد المسـلم، الذي لا يستطيع تحقيق الكمال، فلا يستطيع تحقيق الخير كله أو بشكل كامل، أو يتخلص من السوء كله، وإنما لا بد في أي حراك من ربح وخسارة أيضا، أو من ضرر ومنفعة، فالعملية نسبية.

وبالتالي، فإن الحراك الإسـلامي في معامـلات وإدارة الحياة يقع ضمن العملية "النسبية"، وليس ضمن "المطلق"، إلا ما حددته ثوابت شرعية قطعية. [ ص: 102 ]

من جانب آخر، فإن قاعـدة "ما لا يدرك كله لا يترك جله"، الذي سنتناول الحديث عنها لاحقا، على الطبيعة النسبية في شؤون الحياة، بما فيها إدارة العمل السياسي والشؤون الدولية بصفتها جزءا من شؤون المعاملات، التي تخضع للكثير من المستجدات والتغييرات.

و"النسبية" في الحياة هي جزء ومكون أساسي من دائرة الفعل الإنساني، وبالتالي فالإنسان يسعى في حراكه نحو تحقيق الأفضـل والأصلح، ولكن لا يمكن تحقيق الخير كله وإلغاء الشر كله بشكل كامل، وإنما يسعى إلى تعظيم المنافع والفوائد، وتحجيم الخسائر والمساوئ، وفق تقديرات واجتهادات تحقيق الممكن من المصلحة العامة.

ولذلك، فإن الحراك الإسلامي تجاه المنظمات الدولية المعاصرة يقع ضمن دائرة "النسبية"، التي تقوم على تعظيم الفوائد والمنافع وتحجيم المساوئ والخسائر في دائرة التعامل والتفاعل معها، في إطار من وجود "خير دون خير" و"ظلم دون ظلم".

6- "فقه الواقع"؛ "فقه الاستطاعة":

يعد "فقه الواقع" و"فقه الاستطاعة" أو "الممكن" من الاعتبارات الأساسية للمنظور الإسلامي في شؤون الحياة عامة، ومنها شؤون العلاقات الدولية والشؤون السياسية، بما فيها ظاهرة المنظمات الدولية. وعلى بالرغم من تباين الآراء حول مفهوم "فقه الواقع"، إلا أن جوهر [ ص: 103 ] تعريفه يدور على المضمون التالي: "هو الفهم العميق لما تدور عليه حياة الناس، وما يعترضها، وما يوجهها" >[15] . أما "فقه الاستطاعة" فهو يدور على "تحقيق الممكن من المقاصد والمصالح الإسلامية" ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) (البقرة:286) ، وقوله تعالى: ( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله ) (هود:88).

عموما، يمكن القول: إن "فقه الواقع" و"فقه الاستطاعة" يرتكزان ويظهران المنظور الإسلامي تجاه المنظمات الدولية بشكل أساسي، من خلال استخدام القاعدتين الشرعيتين التاليتين:

- ما لا يدرك كله لا يترك جله.

- سددوا وقاربوا.

إن هاتين القاعدتين تعبران عن "فقه الاستطاعة" أو "الممكن" في الحراك والممارسة السياسية الإسلامية على أرض الواقع، وتعكسان صورة من "الواقعية" في الحياة، بما فيها العمل والحراك في المحيط الدولي في ضوء معادلات وتوازنات القوى الدولية. كما تعكسان تعبيرا عن السعي لتحقيق المصـالح العامـة/ أو الإسـلامية المقصـودة بأكبر قدر ممكن أو ما أمكن منها. كما تؤكدان على أن مبدأ "التنازلات"، فيما هو [ ص: 104 ] خارج الثوابت القطعية، من خلال "التفاوض والمساومات"، سياق طبيعي بهدف الوصول إلى تحقيق المصالح الإنسانية، والإسلامية.

وهذا كله يجعل الحراك والتفاعل والرؤية الإسلامية تجاه المنظمات الدولية في ضوء التسديد والمقاربة، وتحقيق بعض أو "تبعيض" المصالح، في ضوء المحـددات والقيود الدولية، أو ما يرتبط بها من "فقه الاستطاعة" أو "الممكن".

وبشكل عام، فإنه بمقدار النجاح في تقدير "فقه الواقع" يتم النجاح في تحقيق الرؤية الإسلامية ومقاصدها. ولا شك أن هذا الفقه يعطي إطارا استراتيجيا إضافيا في الحراك الإسلامي تجاه المنظمات الدولية، ويساعد على تطبيق ما سمي بـ"الاجتهاد التطبيقي" للرؤى الإسلامية على الواقع العملي المعاصر.

7- مراعاة "المصلحة" الإسلامية العامة:

تشكل مراعاة "المصلحة" الإسلامية العامة مقصدا لأي حراك إنساني إسلامي في أي مجال من مجالات إدارة الحياة، وخاصة الإدارة السياسية أو السلطة السياسية، وفي هذا يقول ابن القيم الجوزية: "أين وجدت المصلحة العامة فثمة شرع الله" >[16] ، وبالتالي فإن الرؤية الإسلامية تجاه المنظمات الدولية يجب أن تراعي تحقيق المصلحة العامة للمسلمين. [ ص: 105 ]

وفي ضوء صلاحية مفهوم "المصلحـة العامـة الإسلامية" ذلك، قام العديد من العلماء بتحديد مفهوم المصلحة وضوابطها؛ منعا للتفسير والتأويل الشخصي للمصلحة، وسوء التقدير أو الاستخدام لها. ولذلك كانت هناك ضرورة، أيضا، لارتباط "العلم" بتحديد "المصلحة"، حيث يشير إلى ذلك الدريني بقوله: "إن العلم هو موضوع الحكم السياسي؛ لاتصاله "بالمصلحـة" التي يعتمد (على العلم) في تبينها، والتعرف على طبيعتها، وتحديد مفهومها وضوابطها نظرا، ومدى تحققـها في الوقـائع المعروضة عملا وتطبيقا ليعلم مدى جديتها.... أيضا، لو انفصل الحكم السياسي عن موضوعه، وهو العلم، لأضحى بلا موضوع، وهو عبث وتحكم، والشرع منـزه عنهما، بل ربما أضحى وسيلة إلى الظلم والفساد، قصدا أو مآلا، وهذا على النقيض من غاية التشريع السياسي في الإسلام، جملة وتفصيلا، من الإصلاح وعمارة الدنيا" >[17] .

ويشير الدريني إلى أن الإمام مالك، رحمه الله، أشار في سياق "تحديده للمصلحة، على تنوعها، واختلاف طبيعتها، وشروط اعتبارها شرعا، حيث اشترط - فيما اشترط- أنها إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول، والمقصود هنا العقول العلمية التي تتعـلق المصلحة باختصاصها، إذ لا يعقل أن تعرض المصالح العليا للدولة على العقول العامية، وبذلك [ ص: 106 ] كانت الصلة بين "المصلحة" التي هي مناط الحـكم وغايته بالعلم، وثيقة لا تنفصم؛ لأنها شرط في اعتبار المصلحة شرعا" >[18] .

وفي هذا السياق، أيضا، حدد الإمام الشاطبي أمورا ثلاثة يجب مراعاتها عند الأخذ بالمصلحة، وهي:

أ- أن تكون معقولة في ذاتـها، بحيث إذا عرضت على العقول تلقتها بالقبول.

ب- أن تكون ملائمة لمقاصد الشرع في الجملة، بحيث لا تنافي أصلا من أصوله، ولا دليلا من أدلته القطعية، بل تكون متفقة مع المصالح التي قصد الشارع تحصيلها، بأن تكون من جنسها أو قريبة منها، ليست غريبة عنها، وإن لم يشهد دليل خاص باعتبارها.

ج- أن ترجع إلى حفظ أمر ضروري، أو رفع حرج لازم في الدين >[19] .

يمكن اعتبار هـذه الشروط، التي تناولها الشاطبـي، بمثابة ضوابط أو شروط للمصلحة المبتغاة في العلاقة مع المنظمات الدولية، وأيضا ضوابط في التعامل مع هذه المنظمات.

وبشكل عام، فإن "الاجتهاد التطبيقي"، واستخدامه للاعتبارات الستة السابقة، يجعله الإجراء العملي لما حصل على مستوى الفهم والإدراك النظري للأحكام الشرعية على واقع الأفعال، وتكييف السلوك [ ص: 107 ] والممارسات بها.. وهذا في الحقيقة لا يقل خطرا وأهمية عن الأول، إذ هو مناط ثمرات التشريع، ولا جدوى من التكلم بحق لا نفاذ له >[20] .

أيضا يمكن القول: إن "الاجتهاد التطبيقي" هو أحد المرتكزات التي يستند عليها المنظور الحضاري الإسلامي تجاه العلاقات الدولية والمنظمات الدولية على الصعيد العملي، وهو أحد الأشكال التي ينتقل فيها المنظور الحضاري الإسلامي من إطار نظري إلى حالة عملية أو ممارسات فعلية.

بمعنى آخر، فإن "الاجتهاد التطبيقي" يعكس الطروحات والمآلات النظرية تجاه المنظمات الدولية لتكون واقعا عمليا، سواء على شكل قرارات أو مواقف سياسية أو استراتيجيات وسياسات عامة، وغيرها من أشكال التفاعل مع المنظمات الدولية والمحيط الدولي.

وعليه، فإنه في إطار هذه الضوابط من جهة، والحاجة والضرورة الإنسانية والإسلامية من جهة ثانية، وطبيعة واقع هذه المنظمات الدولية ونفوذها وتأثيرها على المجتمعات الدولية الإسلامية من جهة ثالثة، يكون التعامل مع المنظمات الدولية، والمشاركة في قراراتها وإدارتها، جزء أساسي ومهم للحراك الإسلامي في الفعالية العالمية للمجتمع الإسلامي، أو عالمية الإسلام الفعلية في مشاركته في إدارة الحياة الإنسانية من جهة، ودرء مفاسد وجلب مصالح للأمة العربية الإسلامية، وفق "الاستطاعة"، ودفع "ظلم دون ظلم" عليها، من جهة أخرى. [ ص: 108 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية