الأخلاق والسياسة (قراءة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه )

الأستاذ الدكتور / موفق سالم نوري

صفحة جزء
سادسا: تواضع عمر رضي الله عنه :

على الرغم من المهابة الكبيرة التي كانت تجلل شخصية عمر رضي الله عنه ، إلا أنه كان متواضعا بشكل ملفت للنظر، ولا تناقض في ذلك، فصدقه في تواضعه هو الذي رفعه وجعل له هذه المهابة. وليس لتواضع عمر رضي الله عنه وجه واحد، بل له مظاهر وتجليات عديدة لها أبعادها العملية. كان عمر رضي الله عنه يجلس للناس عقب كل صلاة، لاباب ولا حجاب، ولا حرس، فيكلمه الناس في شؤونهم وحاجاتهم، فيجيبهم ويتفاعل معهم >[1] . وكان يرفض أن يكال له المديح، فقد ناداه أحدهم بقوله: يا خير الناس! فقال له: أدن إلي، أتدري من هو خير الناس، رجل من البادية له صرمة من الإبل أو الغنم باعها ثم أنفقها في سبيل الله، فكان في ذلك حاجزا بين المسـلمين وعـدوهم، فذلك خير الناس >[2] . ولم يأنف عمر رضي الله عنه من أن يداوي بيده إبل الصدقة إذا ظهر عليها المرض، حرصا منه على أموال المسلمين من التلف >[3] .

ولما وقع الهرمزان في أسر المسلمين، وكان من قادة الفرس وكبرائهم، أحب أن يرى خليفة المسلمين وأمير المؤمنين، ذاك الذي على يديه انهارت إمبراطوريتهم، فأخذه الأحنف بن قيس وجاء به إلى المدينة، فلما بلغا المدينة بحثا عن عمر رضي الله عنه في ثناياها حتى أرشدهما بعض الغلمان إلى مكانه، فإذا هو [ ص: 53 ] غاف في ميمنة المسجد وقد توسد برنسه، فجلسا قريبا ينتظرانه حتى يفيق، فتلفت الهرمزان متعجبا يبحث عن حرس وحشم وحاشية وحجبة يحجبونه، فلما لم يجد شيئا من ذلك قال: فما لمثل هذا إلا أن يكون نبيا! قالوا: بل يعمل بعمل الأنبياء >[4] .

هذه جوانب من تواضعه، إلا أن ثم ما هـو أهم وأخطر، كان عمر رضي الله عنه لا يعجب بنفسه ولا برأيه، لا يترفع عن سماع المشورة والنصيحة، بل إنه كان يبحث عنهما ويتحراهما عند كل أحد. فقد ولى قيادة أحد الجيوش لسويد بن الصامت، فأوصاه بما فيه صلاحه وصلاح جنده، فلما انتهى التفت إليه سويد، فقـال: يا أمـير المؤمنين! قد أوصيتني فسمعت، وأنا أوصيك فاسمع! فقال عمر رضي الله عنه : هات يا سويد، فقال: خف الله عز وجل في الناس ولا تخف الناس في الله، وأحبب لقريب المسلمين وبعيدهم ما تحبه لنفسك... إلى غير ذلك من النصائح والوصـايا >[5] . فقبـل عمر رضي الله عنه منه ولم تأخذه العزة في نفسـه ويغضب، بل إن بعض النصـائح كان فيها حدة أحيانا، كما فعل الأخنف حين قـال له: "يا ابن الخطاب! كنت وضيعا فرفعك الله، وكنت ضالا فهـداك الله، وكنت ذليلا فأعـزك الله، ثـم حملك على رقاب المسلمين، جاءك رجل يستهديك فضربته، ما تقول لربك غدا إذا لقيته؟!" >[6] ، فقد تغلبه [ ص: 54 ] الحـدة أحيانا، التي كانت في طبعـه أصـلا، ولكن لا يأنف من الاعتذار والتأسف، بل حتى يعاقب نفسه ويقتص منها؛ فذلك أهون عليه كثيرا من حساب الله تعالى له.

ومن مظاهر تواضعه المهمة أنه لا يجد بأسا في أن يعود عن رأيه وقبول آراء الآخرين إذا وجد الصواب عندهم، من غير معاندة أو اعتداد غير مسوغ أو ترفع بجهالة: فقد خطب على المنبر ونهى عن الزيادة في مهور النساء، فقامت امرأة من صف الناس وقالت: ليس لك ذلك! هكذا اعترضت ببساطة وعفوية وثقة واطمئنان إلى أن ذلك من حقها، فرد عمر رضي الله عنه من جانبه: ولم؟ بلا زجر ولا غضب ولا تعنت، قالت: لأن الله تعالى يقول: ( وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ) (النساء:20) ، فما كان من عمر رضي الله عنه إلا أن قال ببسـاطة: امـرأة أصابت وأخطأ رجل >[7] . لو كان عمر رضي الله عنه يأخذ من ينصحه أو يشير عليه أو يبدي رأيا بالشدة والغلظة ما وصله من أحدهم رأيا سـديدا، ولوقعت أخطاء قد تسبب خـللا كبيرا. بل إن عمر رضي الله عنه لم يأنف من السـؤال عمـا لا يعرف، فبينما هو على المنبر، قال: أيها الناس! ما تقولون في قول الله تعالى: ( أو يأخذهم على تخوف ) (النحل:47)، فسكت الناس، ثم قال شيخ من بني هذيل: هي لغتنا يا أمير المؤمنين، فالتخوف عندنا هو التنقص >[8] . [ ص: 55 ]

هكذا هو عمر رضي الله عنه ، تجده في أحوال مهابا ليس ثم من بلغ مهابته في النفوس، ثم تجده في أحوال أخرى واحدا من أبسط الناس وألينهم، مزج ذلك في تكوينه ثم سخره لخدمة أمته على أفضل حال.

التالي السابق


الخدمات العلمية