مقاصد القضاء في الإسلام (التنظيم القضائي) [الجزء الأول]

الدكتور / حاتم بوسمة

صفحة جزء
المطلب الأول: علانية المحاكمة:

يبدو أن فكرة علنية المحاكمة في القضاء، كانت راسخة في الفكر الإسلامي وأيضا في الواقع القضائي. وبدا ذلك واضحا من خلال الممارسات القضائية الطلائعية في عهد النبوة والخلافة الراشدة، وأيضا من خلال الاجتهادات الفقهية. ففكرة اتخاذ المساجد مكانا للقضاء، وهي مفتوحة للجميع، ضمان عظيم لسلامة المحاكمة وسيرها في طريق سديد، لأن الرأي العام يملك دخول الجلسة والتعرف على التهمة وعلى الدفاع والحكم، فهو بهذا قوة هائلة لا يستهين بها القاضي، فكأن الرأي العام يمثل حارسا قويا للعدالة. وحتى من جلس من القضاة في دورهم اتخذوا لهم بها مكانا بارزا يشرف على الطريق، بحيث يكون مفتوحا للجميع.

ولعلي لا أجانب الصواب إن قلت: إن النظام القضائي الإسلامي عرف فكرة تخصيـص مكان معين في البلد، كالمسجد أو بيت القاضي أو سوق البلدة، يجـلس فيه القاضي للقضـاء بين الناس، وتقـدم الدعوى لديه بحيث [ ص: 171 ] لا يتعداه إلى غيره >[1] ، إذ لا بد أن يعرف الناس مكان القاضي حتى يصلوا إليه عند التنازع والخصومة.

ولكن الوصول إليه قد يكون سهلا ميسورا، وقد يكون صعبا وشاقا بحسب أحوال المجتمع، وكثرة الناس وقلتهم وسعة البلد وضيقه، فإذا كانت الولاية أو المدينة التي يقضي فيها القاضي كبيرة، استحسن اتخاذ مكان فيها ليشتهر بأنه مكان القضاء.

وإن كانت المدينة التي يقضي فيها القاضي صغيرة، فليس ثمة ما يدعو لاتخاذ مكان وتخصيصه للقضاء، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، رضي الله عنهما، يقضون في المسجد والطريق وعلى الدابة وفي بيوتهم >[2] ، وذلك نظرا لقرب المسافات وسهولة وصول الخصوم إليهم. فكلما عن لأحدهم الاختصام أخذ خصمه وبحثا عن القاضي فحكم بينهما في المكان الذي يجدانه فيه.

جاء في "صحيح البخاري": أن يحيى بن يعمر >[3] قضى في الطريق. وقضى الشعبي على باب داره >[4] . [ ص: 172 ]

وذكر صـاحب الفتح >[5] الاختلاف في القضاء سائرا أو ماشيا، "وقال ابن حبيب لا بأس بما كان يسيرا" >[6] .

وروى الطبري "أن عمر، رضي الله تعالى عنه، كان يطوف في الأسواق ويقرأ القرآن ويقضي بين الناس حيث أدركه الخصوم" >[7] .

ومهما كان الأمر، فإن من مقتضيات العدالة في الإسلام جلوس القاضي في مكان يسهل للمتقاضين الوصول إليه، كان ذلك في منزله أو حيث أحب، إلا أن أحسن ذلك أن يقضي حيث الجماعة. ويجلس معه من كان يجلس قبل ذلك، لأن في جلوسه وحده تهمة >[8] . ويستحب أن يتخذ له مجلسا فسيحا بارزا مصونا من أذى حر وبرد لائقا بالوقت والقضاء، ويكون مصونا أيضا من كل ما يؤذي من الروائح والدخان والغبار، كأن يكون المكان دارا واسعة وسط البلد إن أمكن، ليكون ذلك أوسع على الخصوم وأقرب إلى العدل >[9] . [ ص: 173 ]

ولهذا استحب الشافعي أن يكون القضاء في موضع بارز للناس، ومراده بذلك شيئان:

أحدهما: أن لا يحوج مع البروز إلى الاستئذان عليه.

والثاني: أن يكون الموضع فسيحا ترتاح فيه النفوس ولا يسرع فيه الملل >[10] .

ولهذا السبب كره المالكية الجلوس في الدار للقضاء. قال ابن فرحون: "ويكره الجلوس للأحكام في داره، وقد أنكره عمر بن الخطاب على أبي موسى الأشعري، رضي الله عنهما، وأمر بإضرام داره عليه نارا"





>[11] .

ولعل وجه كراهة المالكية، هو خشية الاحتجاب عن الناس ومنعهم من الوصول إلى القاضي عند لزومه بيته. [ ص: 174 ]

ومن هنا نفهم وجه استحباب الحنفية والحنابلة للقاضي أن يجلس للحكم في المسجـد، إذ هو أيسـر للناس وأسهـل عليهم للدخول عليه وأجدر أن لا يحجب عنه أحد. والقضاء إلى ذلك قربة وطاعة لله وإنصاف بين الناس، وهو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنـكر، والمسجد أفضل مكان لكل هذا، إذ هو من جنس ما بنيت له المساجد









>[12] . [ ص: 175 ]

ذكر الطرابلسي >[13] عن أبي حنيفة قوله: "ينبغي للقاضي أن يجلس للحكم في المسجد الجامع، لأن في الخصوم الغرباء وأهل البلدة، والمسجد الجامع أشهر المواضع ولا يخفى ذلك على أحد" >[14] .

وأما المالكية، فإن المسألة عندهم من طريقين:

الأولى: لمالك في "الواضحة"، وهي استحباب الجلوس في رحاب المسجد ليصل إليه الكافر والحائض >[15] .

قال مالك: "وإني لأستحب ذلك في الأمصار من غير تضييق، ليصل إليه اليهـودي والنصراني، والحائض والضعيف، وأقرب إلى التواضع لله عز وجل -إن شـاء الله- وحيـث ما جـلس القـاضي المأمون، فهـو له جـائز، إن شاء الله" >[16] .

قال ابن شعبان: ويستحب أن يكون مجلس نظره ومقصد أحكامه في المسجد، وفي رحابه، ليسهل وصول ذوي الحاجات والضعفاء إليه. ويخف على الخصوم التساوي في الجلوس بين يديه، فإن المسجد وحرمه محل التواضع والإخبات، ومقر لتساوي العموم وذوي الهيئات، لا يتأذى أحد بالمثول فيه أمامه. [ ص: 176 ]

وقد استحسن بعضهم جلوسه في رحاب المسجد، ورآه أحوط منه في داخله لأجل من يرد عليه، وهو -إن شاء الله- أولى وأورع، فإن الخصوم كثيرا ما ترتفع أصواتهم ويتوقع خصامهم وافتتانهم، وذلك يدعو مع ما يجب من تأديب وتعزير ونحوه إلى استعمال المساجد فيما لم تبن له >[17] .

والثانية: استحباب جلوسه داخل المسجد، وهو ظاهر قول "المدونة": "والقضاء في المسجد من الحق، وهو من الأمر القديم" >[18] .

لأنه يرضى بالدون من المجلس، ويصل إليه الضعيف والمرأة، وهو أعدل المجالس لأنه لا يحجب فيه أحد

>[19] .

قال الدسوقي >[20] : والمعول عليه ما في "الواضحة" >[21] . [ ص: 177 ]

وأما الشافعية، فكرهوا اتخاذ المسجد مجلسا للقضاء، لأنه لا يخلو عن اللغط وارتفاع الأصوات. وقد يحتاج إلى إحضار المجانين والصغار، والمسجد يصان عما قد يفعله أولئك من أمور فيها مهانة به.

والقضاء في المسجد فيه تضييق على الناس، إذ قد يتعذر على عدد منهم الدخول إلى المسجد، كالجنب والحائض والنفساء والذمي والمجانين والصغار، وما يغلب منه تنجيسه كالحيوانات







>[22] .

قال ابن حجر: "وكتب عمر بن عبد العزيز إلى القاسم بن عبد الرحمن >[23] أن لا تقض في المسجد، فإنه يأتيك الحائض والمشرك. وقال الشافعي: أحب إلي [ ص: 178 ] أن يقضي في غير المسجد لذلك. وقال الكرابيسي >[24] : كره بعضهم الحكم في المسجد من أجل أنه قد يكون الحكم بين مسلم ومشرك، فيدخل المشرك المسجد، قال: ودخول المشرك المسجد مكروه" >[25] .

مما سبـق بيانه أخـلص إلى القول: إن مجلس القضاء سواء كان مسجدا أو دارا أو غير ذلك ينبغي:

- أن يكون ظاهرا لا يخفى على عامة الناس، فلا يجلس القاضي في مكان مستتر، لأن ذلك يتناقض مع مبدأ علانية مجلس القضاء.

- أن يكون في وسط البلد، ليتساوى الناس في الوصول إليه، فلا يشق على أحـدهم قصده. وفي ذلك تيسـير على الضعيف والعاجز، وهو من العدل والمساواة.

- أن يكون رحبا فسيحا لا يضيق بالمترددين عليه عادة، ولا يتأذى فيه ببرد ولا حر ولا غبار ولا دخان، وغير ذلك مما يسبب الإزعاج، فيوفر مجلس القضاء الاستقرار النفسي، والراحة الجسدية لمن يقصده، وكذلك للقاضي الذي يستقر فيه للحكم. [ ص: 179 ]

وقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى واليه حينما نزل جبل الأهواز، ووجـد الناس مشقـة في الوصـول إليه: "بلغني أنك نزلت منـزلا كؤودا، لا تؤتى فيه إلا على مشقة، فأسهل ولا تشق على مسلم ولا معاهد، وقم في أمرك على رجل تدرك الآخرة، وتصف لك الدنيا، ولا تركنك فترة ولا عجلة فتكدر دنياك وتذهب آخرتك" >[26] .

ومقصد جميع ما تقدم ذكره في مجلس القضاء واختلاف الفقهاء في المحل الأولى: واحد، وهو ضمان نزاهة القضاء بتوفر شرط علانية المحاكمة.

ذكر أشهب أن القاضي "لا ينبغي أن يقضي بين المسلمين سرا، بل ينبغي الإشهار به، ولا يكتب إلى أحدهما بطاقة دون صاحبه، وإن كتبها إليهمـا فلا بأس. ولا ينبغي أن يكتب إلى كل واحد منهما بطاقة إلا أن يقرأها علانية" >[27] .

وأما في القانون الوضعي، فقد اعتبرت علانية المحاكمة >[28] من القواعد الأساسية في المرافعات، ويكون انعقاد الجلسة في القاعة المخصصة للمحاكمة؛ لأن في ذلك احتراما لحرية الإنسان، وصيانة لحقوقه ولشرف القضاء، وتحقيقا [ ص: 180 ] للمساواة بين المتقاضين، حيث يلتزم القاضي العمل من غير ميل لأحدهما، ويتيح للناس الوقوف على سير العدالة.

ولكن يجوز للمحكمة أن تعقد جلسة المحاكمة سرا. ويكون ذلك بقرار تصدره المحكمة وتنطق به علنا، إما من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم، إذا رأت في ذلك محافظة على النظام العام والآداب العامة أو لحرمة الأسرة. وتجري المحاكمة في هذه الحال في غرفة المذاكرة، وينطق بالحكم في جلسة علنية دائما.

وينبـغي للمحـكمة ألا تتوسـع في ذلك، فالعـلنية في المحـاكمـة ضمـان لجديتهـا بإتاحـة الفرصـة للرأي العام ليكون رقيبا على أداء القضاة لأعمالهم >[29] .

فرقـابة الجمهور على القضـاء تجعل القاضي متيقـظا إلى ما يجب عليه، وحذرا من الوقوع في الخطأ أو تعمد الميل، ولأن حصول المرافعات وصدور الأحـكام على مرأى ومسمع من الناس، مما يزيد في طمأنينة المتقاضين ويجعلهم واثقين من سير القضاء في الطريق السوي، آمنين من تحكم القاضي وميله >[30] . [ ص: 181 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية