مقاصد القضاء في الإسلام (إحقاق الحق) [الجزء الثاني]

الدكتور / حاتم بوسمة

صفحة جزء
المبحث الثاني

تبيين الحقوق

المطلب الأول: أحوال الشهود:

لا مراء أن الشريعة الإسلامية أولت مسألة إظهار الحقوق وتبيينها أهمية كبيرة، وقرنتها خاصة بالشهود، لما في الشهادة من إحياء الحقوق، وفي تركها من إبطالها وتضييعها، وجعلها من جملة الأمانات، وذلك في قوله تعالى: ( والذين هم بشهاداتهم قائمون ) (المعارج:33)، بعد قوله سبحانه: ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) (المعارج:32).

قال الرازي: "وأكثر المفسرين قالوا: يعني الشهادات عند الحكام يقومون بها بالحق ولا يكتمونها. وهذه الشهادات من جملة الأمانات، إلا أنه تعالى خصها من بينها إبانة لفضلها، لأن في إقامتها إحياء الحقوق وفي تركها إبطالها وتضييعها" >[1] .

ولهذا المعنى ذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى: ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) (النساء:58)، أنها تتناول الولاة ومن دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات >[2] . [ ص: 27 ]

ووجه المناسبة في عد الشهادات من جملة الأمانات، هو أن حق المشهود له وديعة في حفظ الشاهد، فإذا أدى شهادته فكأنه أدى أمانة لصاحب الحق المشهود له. ولهذا كان أداء الشهادة إذا طولب بها الشاهد واجبا عليه >[3] ، قال الله تعالى: ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) (البقرة:282).

واعتبارا لهـذا، اعتنت الشريعـة الإسـلامية بموضوع الشاهد، فنصت في آي كثيرة على شـروطـه وأوصـافه. وجاء قصر الشهـادة على الرضا والعدالة >[4] ؛ لأنها تنفيذ قول (الغير) على (الغير)، ومن ثم كان لزاما على من يتحمل الشهادة أن يتحلى بأوصاف وينفرد بفضـائل تكون له مزية على غـيره، توجب لـه تلك المزية رتبة الاختصاص بقبول قوله على غـيره، ويقضى له بحسـن الظـن ويحـكم بشغل ذمة المطلوب بالحق بشهادته عليه، ويغلب قول الطالب على المطلوب منه بتصديق الشاهد له في دعواه >[5] .

ولما كان مقصد الشريعة من الشهود الإخبار عما يبين الحقوق ويوثقها، كان القصد منهم أن يكونوا مظنة الصدق فيما يخبرون به، بأن [ ص: 28 ] يكونوا متصفين بما يزعهم عن الكذب. والوازع أمران: ديني، وهو العدالة؛ وخلقي، وهو المروءة >[6] .

ونظرا لأهمية الشهود ومدى تأثيرهم في توجيه حكم القاضي، عد بعضهم الشهود هم القضاة الحقيقيين >[7] .

وجاء في "المغني" عن شريح قوله: إن القضاء جمر ينبغي إزالته بعودين -يعني شاهدين- وإنما الحكم داء والشهود شفاء، فأفرغ الشفاء على الداء >[8] . وما يدخل في هذا المعنى قول الحصكفي: "والشهادة أقوى من القضاء، لأنها ملزمة على القاضي والقضاء ملزم على الخصم، فلذا قيل: حكم القضاء يستقى من حكم الشهادة" >[9] .

ومن هنا اشترط في الشاهد عدة شروط، تعود في جملتها إلى شروط تحمـل وشـروط أداء >[10] . وبعضها آكـد من بعض في قيامـها بمقصد تبيين الحقوق. [ ص: 29 ]

وأهم هذه الشروط:

- العدالة >[11] : وهي شرط في قبول الشهادة، وهو أمر متفق عليه في جملته

>[12] ، وهي "لا تختلف إلا باختلاف مذاهب أهل العلم في اعتبار بعض الأعمال دليلا على ضعف الديانة، إذا كان الاختلاف في ذلك بين العلماء وجيها، وبحسب ما غلب على الناس المشهود بينهم من تقلد بعض مذاهب أهل العلم" >[13] . وإذا كانت الشهادة مبناها على الصدق، والصدق لا يظهر إلا بالعدالة، فلا تقبل شهادة من ليس بعدل.

ولأن سبب اشتراط العدالة، هو المصلحة لحصول الضبط بها وعدم الانضباط مع الفسقة ومن لا يوثق به، واشتراطها في الشهادات من الضرورات لحفظ دماء الناس وأموالهم وأبضاعهم وأعراضهم عن الضياع، فـلو قبل قول الفسقـة ومن لا يوثق به لضـاعت >[14] ؛ ولأن غير العـدل [ ص: 30 ] لا يؤمن منه أن يتحامل على غيره فيشهـد عليه بغـير الحق >[15] . ولهذا نهى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يؤسر أحد في الإسلام بغير العدول.

روى ابن أبي شيبة عن عمر قوله: "ألا لا يؤسر أحد في الإسلام بشهادة الزور، وإنا لا نقبل إلا العدول" >[16] .

وفي رواية الإمام مالك والبيهقي، قال عمر: "والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول" >[17] .

وقد علق ابن عبد الرفيع على هذه النصوص بقوله: "وينبغي للقاضي ألا يقبل إلا شهادة العدول" >[18] .

على أن هذا القول لا يؤخذ بإطلاق، إذ قد تقتضي الضرورة إشهاد غير العدول عند تعذر وجود العدول، كما هو واقع حال السفر

>[19] . [ ص: 31 ]

وعلى هذا أجاز ابن حبيب شهادة مجهول الحال على التوسم فيما يقع بين المسافرين للضرورة >[20] .

وإذا كانت أحوال السفر تقتضي جواز شهادة غير المسلم على المسلم للحاجة والضرورة عند تعذر حضور المسلم، فإن القول بقصر الجواز على السفر بعيد في عرف الشرع ومقاصده، لأن الحاجة والضرورة كما تكون في السفر تكون في غيره، وربما تكون في غيره أولى. فدل هذا على قبول قولهم في كل ضرورة، حضرا أو سفرا >[21] .

ويتخرج على هذا جواز شهادة الطبيب غير المسلم حيث لا يوجد طبيب مسلم عند مالك >[22] .

يقول ابن قيم الجوزية: "ولو قيل نقبل شهادتهم مع أيمانهم في كل شيء عدم فيه المسلمون لكان له وجه ويكون بدلا مطلقا" >[23] . [ ص: 32 ]

والواقع أن مدار الشهادة وقبولها في الحكم كونها صالحة لكشف الحق في المسألة، إذ البينة كما يقول ابن القيم وابن فرحون: اسم لما يبين الحق ويظهره >[24] . وغير المسلم قد يقوم على خبره شواهد الصدق فينبغي قبوله والعمل به.

وقـد سـئل السيوري >[25] عن أهـل قرية لا عدل فيهم شهدوا بأمر لا يعرفه غيرهم، فأجاز شهادتهم إن لم تكن فيهم تهمة >[26] .

بل ونص الفقـهاء على أنه إذا عمـت في الناس معصية يعاقب صـاحبها العقـاب الذي وعد به عليها، ولكنها لا تقدح في الشهادة حفظا للحقوق >[27] .

وقد نص ابن أبي زيد على أنه إذا لم نجد في جهة غير العدول أقمنا أصلحهم وأقلهم فجورا للشهادة عليهم لئلا تضيع المصالح، قال: "وما أظن أحدا يخالف في هذا، لأن التكليف من شرطه الإمكان وهذا كله للضرورة، لئلا تهدر الدماء وتضيع الحقوق وتعطل الحدود" >[28] . [ ص: 33 ]

وجاء في "الأمهات الفاسية" أنه: "إذا كان البلد لا عدل فيه فإنه يكتفى بالأمثل فالأمثل" >[29] .

وهذا نظر يتماشى ومقاصد الشريعة الرامية إلى حفظ الدماء والفروج والأموال، وتوثيق الحقوق وصيانتها لأصحابها. واشتراط العدول في كل مكان أمر متعذر، فجازت شهادة غير العدول للضرورة لئلا تضيع الحقوق.

وهكذا كل موطن يتعذر فيه حضور العدول، فالشهادة على التوسم بظاهر الإسلام جائزة احتياطا لأموال الناس >[30] .

ويرى ابن رشـد أن أصل هـذه المسـألة هو الاستحسان، لأن القياس ألا تجـوز شهـادة أحد حـتى تعرف عدالته >[31] ، لقوله تعالى: ( ممن ترضون من الشهداء ) (البقرة:282) .

ولم يتوقف متأخرو المالكية عند نوع الشهادة التي ركن إليها المتقدمون في الحكم بـها عند غياب شهـادة العـدول، بل تجاوزوا ذلك إلى إحداث نوع آخر من الشهادة لم تتناوله النصوص، وهذا النوع هو شهادة لفيف الناس >[32] . [ ص: 34 ]

قـال أبو الحسـن بن عمران >[33] : "وهـذا القسم من شهادة اللفيف لا مستند له وإنما هو شيء اصطلح عليه المتأخرون لتعذر العدول في كل وقت وكل موضع وكل نازلة" >[34] .

وقد سأل القاضي عياض شيخه أبا الوليد بن رشد عن شهادة الكافة، يريد اللفيف، فأجاب بأنـه ما لم يبلغ عدد الشهود حـد التـواتر الذي يوجب العلم، فلهم حكم الشهادة على وجهها، والذي لا تتوسم فيه جرحة ولا عدالة لا تجوز شهادته في موضع من المواضع >[35] .

ومضى العمل في فاس على قبول شهادة اللفيف حيث قال صاحب نظم عمل فاس >[36] :


والعمل الآن لأهل فاس على شهادة لفيف الناس >[37] [الرجز]

[ ص: 35 ]

ومستنـد العمل في هذه المسـألة على الضرورة والحاجة، ومنها شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراح والقتل >[38] . وشهادة النساء في المآتـم والأعـراس إذا لم يوجد غيرهم >[39] . ولا أظن أحدا يخالف في هذا، ولو أهـدرت هـذه الشـهادة في الموضع الذي لا عدول فيه، لما جاز للناس بيع ولا شراء، ولا تم لهم عقد نكاح ولا غيرها من الأشياء التي تتوقف على الشهادة.

وقد ذكر ابن فرحـون أن العدالة المعتبرة في كل زمان بأهله وإن اختـلفوا في وجـه الاتصاف بـها، فإنـما نقطع بأن عـدالة الصحابة لا تساويها عدالة التابعين، وعدالة التابعين لا تساويها عدالة من يليهم، وعدول كل زمان بحسبـه، ولو لم نعتبر ذلك لم تكن إقامة ولاية تشترط فيها العـدالة. ولو فرض زمـان انعدم منه العدول جملة ولم يكن بد من إقـامة الأشبـه، فهو العدل في ذلك الزمـان، إذ ليس يجاز في قواعد الشرع تعطيل المراتب الدينية جملة لإفضاء ذلك إلى مفاسد عامة يتسع [ ص: 36 ] خرقـها على الراقـع ولا يلـم شعثـها، وهـذا الأصل مستمد من قاعدة المصالح المرسلة >[40] .

والـذي تنبـغـي الإشـارة إليـه، أن شهـادة غـير العـدول بمختلف أنواعها سواء التي نص عليها المتقدمون أو التي أحدثها المتأخرون، إنـما أجيز بـها العمل للضرورة فقط، ومن ثمة فلا يعمل بها في مكان يوجـد فيه العدول. وإنما يجب الاقتصار بها على محل الضرورة دون تجاوزها إلى غيرها.

كما لا يعمل بشهادة لفيف الناس التي قال بها المتأخرون في وجود شهادة اللفيف التواتري، وهي التي يعتبر فيها حصول العلم بالمشهود عليه لدى الشهود >[41] .

فتبين مما تقدم كله أنه لما عدم ما هو محصل للعلم الذي يحكم به صير إلى ما يؤدي إلى رتبة الظن الغالب "لأن الظن إصابته غالبة وخطؤه نادر، ومقتضى القواعد لا نترك المصالح الغالبة للمفسدة النادرة، فلذلك أقام الشارع الظن مقام العلم لغلبة صوابه وندرة خطئه، وورد على ذلك أمرنا أن نحكم بالظواهر والله يتولى السرائر" >[42] . [ ص: 37 ]

مع أن العدالة قد يعرض لها ما يوجب ضعفها "مثل شدة المحبة وشدة البغضاء فإنهما يضعفان الوازع الديني، ومنها القرابة. وبمقدار ضعف الوازع يتعين التحري في صفات الشهود" >[43] .

وعلى هذا مذهب مالك وأصحابه أن الرجل لا تجوز شهادته لأبويه ولا لولده أو زوجه. وخالف سحنون فرأى أن الرجل إذا كان مبرزا في العدالة بين الفضل لا يشك فيه جازت شهادته >[44] .

والأصـل في المنـع قـول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تجوز شهادة خصم، ولا ظنين ) >[45] . والظنين المتهم، فذهب أهل العلم إلى عدم جواز شهادته، ويدخل فيه شهادة العدو للتهمة >[46] . وهذا تخريجا على قاعدة: "لا حجة مع الاحتمال الناشىء عن دليل" >[47] . [ ص: 38 ]

وروى البيهقي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ( لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر >[48] على أخيه، ولا تجوز شهادة القانع >[49] لأهل البيت )

>[50] .

وأما الوازع الخلقي، وهو المروءة >[51] "فمنه ما لا يختلف وهو ما كان منبئا بالدلائل النفسانية، ومنه ما يختلف باختلاف العادات ولا ينبغي الاعتناء به في علم المقاصد" >[52] . فيجب الرجوع فيه إلى العرف >[53] .

وأما بقية الشروط كالإسـلام والذكورة والعقل، فهي إما متضمنة فيما ذكر آنفا أو لا تعلق لها بعلم المقاصد، وهي إلى مباحث الفقه أقرب.

والحاصل أن مقصـد الشريعـة من الشهود أن يكونوا مظنة الصدق في ما يخـبرون به، سـواء كانوا رجالا أو نساء، كهولا أو صبيانا أحرارا أو عبيدا. [ ص: 39 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية