مقاصد القضاء في الإسلام (إحقاق الحق) [الجزء الثاني]

الدكتور / حاتم بوسمة

صفحة جزء
المبحث الأول

التعجيل بإيصال الحقوق

المطلب الأول: استيفاء طرق بيان الحق:

لئن كانت طرق المرافعات في عهد النبوة وما يليه بسيطة جدا، وكان الذي يدعى إلى الانتصاف لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده لا يتردد في الاعتراف والرجوع إلى الحق كما مر معنا قريبا، إلا أن الزمان تغير بعد ذلك وتبدلت تبعا له أخلاق الناس وتصرفاتهم. واجترأ الناس على الحقوق طمعا في العاجلة وزهرتها ونفضوا أيديهم من الآخرة، كما أنشد بعضهم:


نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع [الطويل]



وابتكروا من أجل تحقيق أطماعهم تحيلات عجيبة "واستباحوا النكاية بخصومهم وإثارة الشغب، وكتموا أشياء في النوازل ليتوسلوا إلى تعطيل تنفيذ الأحكام عند صدورها" >[1] .

وسار القضاة على خطاهم فابتكروا لأجل تحقيق إيصال الحقوق وقطع أسباب المنازعات أساليب في إجراء المحاكمات. وقد قال مالك بن أنس رضي الله عنه : "تحدث للناس أقضية على نحو ما أحدثوا من الفجور" >[2] . [ ص: 81 ]

ولعل أول هذه الأساليب البحث عن أحوال الشهود. ولا خلاف بين الفقهاء في اشتراط العدالة في الشاهد وكذلك في اعتبار العدالة الحقيقية الحاصلة بالسؤال والتزكية، ولكن اختلفوا في الاكتفاء بالعدالة الظاهرة، والذي عليه التحقيق اليوم أن عدالة الشهود لا تثبت إلا بالتزكية لفشو الكذب، وضعف الإيمان بعد أن كان يكتفى بمجرد إسلام الشاهد >[3] .

قال أشهـب: وينبغي للقاضي أن يتخـذ رجـلا صالحا مأمونا متنبها أو رجـلين بهـذه الصفة، فيسألان عن الشهود في السر في مساكنهم وأعمالهم >[4] .

وذكر ابن العطار في "كتاب الوثائق" ما نصه: "ويزكوا في السر وليس له أن يسأل إلا شاهدي عدل في السر، وقد قيل إنه يستجزي بواحد، وبالقول الأول القضاء" >[5] .

وعلى هذا جرت السنة أنه إذا كان ريب زكى الشاهدان، وذلك لأن شهادتهما إنمـا اعتبرت من جهة صفاتهما المرجحة للصدق على الكذب، فلا بد من تبيينها.

وجرت السنة أيضا أنه إذا كان ريب غلظت الأيمان بالزمان والمكان واللفظ، وذلك لأن الأيمان إنما صارت دليلا على صدق الخبر من جهة [ ص: 82 ] اقتران قرينة تدل على أنه لا يقدم على الكذب معها فكان حقها إذا كانت زيادة ريب طلب قوة القرائن



>[6] .

قال ابن القيم: حكي عن ابن وضاح >[7] ، وقاضي الجماعة بقرطبة وهو محمد بن بشر >[8] ، أنه حلف شهودا في تركة "بالله أن ما شهدوا به لحق" >[9] . [ ص: 83 ]

وعن ابن وضاح قوله: "أرى لفساد الزمان أن يحلف الحاكم الشهود" >[10] .

قال ابن القيم: وهذا ليس ببعيد، وقد شرع الله سبحانه تحليف الشاهدين إذا كانا من غير أهل الملة على الوصية في السفر >[11] . وهذا واقع للضرورة فقياسه أن كل من قبلت شهادته للضرورة استحلف. وإذا كان للحاكم أن يفرق الشهود إذا ارتاب بهم فأولى أن يحلفهم إذا ارتاب بهم



>[12] .

قال ابن مرزوق: "واليمين مع تحقيق الدعوى متفق عليها ومع التهمة مختلف فيها والراجح عندي في هذا الوقت اليمين مطلقا" >[13] . [ ص: 84 ]

وهذا القول قريب مما جاء في مختلف القوانين الوضعية من وجوب تحليف الشاهد اليمين.

ومن أحسن ما رأيت في مسألة الشهود، وجوب تدوين شهاداتهم وتمييزهم من حيث اكتمال عدالتهم. ذكر ابن أبي الدم أن "المقصود تمييز الشهود على قدر مراتبهم في إكرامهم فعلا ومجلسا وعلامة ووضعا في الترتيب على أحسن وضع، فإنه إذا فعل ذلك وميز بينهم رغب الأكابر في حفظ حقوق الناس بشهادتهم وإجابتهم إليها... وإن عاملهم بضد ذلك، وسوى بين الأعيان منهم وبين من هو دونهم، امتنعوا عن الشهادة وتحملها وانخرمت قواعد الحكم" >[14] .

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ( أكرموا الشهود، فإن الله يستخرج بهم الحقوق، ويدفع بهم الظلم ) >[15] .

ومما يدخل تحت مسـمى استيفاء طرق بيان الحكم ضرب الآجال، وهو مصروف إلى اجتهاد القضاة والحكام، وليس فيه حد محدود لا يتجاوز إنما هو الاجتهاد وبحسب ما تعطيه الحال >[16] . [ ص: 85 ]

والإعذار للخصم قبل الحكم واجب، والحكم بدونه باطل عند أهل المذهب وينقض إذا ثبت عدم الإعذار ببينة أو بإقرار الخصمين والقاضي، والتأجيل لذلك وسيلة له، ووسيلة الواجب واجبة >[17] .

والإعذار إلى ذلك لا يكون إلا بعد استيفاء الشروط وتمام النظر، فإن الإعذار في شيء ناقص لا يفيد شيئا. قاله ابن سهل >[18] .

ومن أهم أسباب إحقـاق الحـق وإيصـاله وقطع أسباب المنازعة، فهم واقعات الدعـوى وصـولا إلى حقيقتها. ومن أهم وسائل ذلك، حسن الاستماع للخصمين. روى الحاكم بسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ( بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقلت : تبعثني إلى قوم ذوي أسنان وأنا حدث السن؟! قال: إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمـع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنك إذا فعـلت ذلك تبين لك القضاء )

ذكر ابن قدامة في "المغني" ما نصه: "وإذا اتصلت به الحادثة واستنارت الحجة لأحد الخصمـين حكم، وإن كان فيها لبس أمرهما بالصلح، فإن أبيا أخرهما إلى البيان، فإن عجلها قبل البيان لم يصلح حكمه" >[19] . [ ص: 86 ]

وقد أوضح ابن خلدون في رسالته للقضاة "مزيل الملام عن حكم الأنام"، أن على القاضي فهم واقعات الدعوى بأن يتأنى على المدعي حتى يذكر ما عنده كله، ويتفهمه حتى يعلم قطعا مراده، ثم يسأل المدعى عليه متأنيا عليه حتى يذكر جميع ما عنده ويتفهمه جهده، ثم يستجلي الحال منهما ومن العالم بواقعتها بأحسن استجلاء وبأشد استيضاح >[20] .

والواقع أن الفهم الصحيح أساس إصابة الحق، فلا يجوز للقاضي أن يتساهل في الحكم بأن يسرع في إيقاعه قبل استيفاء حقه من النظر والفكر، لأن الله تعالى قال: ( فاحكم بين الناس بالحق ) (ص:26). ومن لم يعرف الحق، كيف يحكم به؟ >[21]

جاء في كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري، رضي الله عنهما "فافهم إذا أدلي إليك". وقد علق على ذلك ابن القيم بقوله: "إن صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده" >[22] .

وذكر أشهب ما نصه: "ولا يقضي حتى لا يشك أن قد فهم، فأما أن يظن أن قد فهم وهو يخاف أن لا يكون فهم لما يجد من النكول أو الحيرة، ولا ينبغي أن يقضي بينهما وهو يجد شيئا من ذلك" >[23] . [ ص: 87 ]

ومن أحسن الوسائل أيضا ما ثبت من توثيق الأحكام، وأحسنه ما كان بشهادة العدول، إذ لا معنى للوثيقة حتى تكون مختومة بالشهادة >[24] . "وقديما اتخذ قضاة الإسلام دواوين لكتب ما يصدر عنهم من آجال وقبول بينات ونحو ذلك لتكون مذكرة للقاضي ولمن يجيء بعده فيبني على فعل سلفه لكي لا تعود الخصومات أنفا، وربما كتبوا ذلك كله بشهادة عدلين" >[25] .

جاء في "شرح تحفة الحكام" لابن الناظم، أن تسجيل الحكم بعد إنفاذه أمر واجب لا خفاء في صحة ذلك، لما فيه من رفع مفسدة تجديد الخصومة >[26] .

وذكر ابن وهب عن مالك قوله: أنه لا يجـاز كتاب قاض إلى قاض إلا بشاهدين أنه أشهدهما بما فيه >[27] .

والحاصل أن تعجيل إيصال الحقوق إلى أهلها لا يتعارض مطلقا مع الحاجة إلى استيفاء طرق بيان الحق، بل لعل التهاون في هذا هو أول أسباب تعطيل الأحكام باستئناف الخصام وبقاء المنازعات أو تطويل أمدها. وليس هذا قطعا من مقاصد الشريعة "ولا شك أن في كثير مما أحدثه العلماء تطويلا في سير النوازل، ولكن طوله قصر من التطويل الذي يحصل من مراوغات الخصوم وتحيلاتهم على إبقاء المتنازع فيه بأيديهم" >[28] . [ ص: 88 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية