علم الجمال رؤية في التأسيس القرآني

الدكتور / عبد العظيم صغيري

صفحة جزء
تقديم

عمر عبيد حسنة

الحمد لله، الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، فسواه بيده ونفخ فيه من روحه وصوره فأحسن تصويره، فتبارك الله أحسن الخالقين؛ يقول تعالى: ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) (التين:4)، ويقول: ( وصوركم فأحسن صوركم ) (غافر:64)، وبذلك فالإنسان ليس فقط محل تذوق الجمال ووسيلة اكتشافه والاستمتاع به وإدراك قيمته بما جهز به من الحواس اللاقطة المتذوقة والعقل الذي يشـكل المرآة واللوحـة المستقبلة، وإنما هو أيضا بؤرة الجمال بقوامه وقامته وتناسق وانسجام خلقه ومؤهلاته وقدرته على تذوق الجمال والاستمتاع المباح به وصيانته عن الدنس والقباحة والابتذال والانفلات، والارتقاء والتسامي به، وامتلاك مفتاح الولوج إلى كنهه، وإدراك رسالته ومغزاه في الحياة والكون والإنسان، الذي يقوده إلى الإيمان بصانعه ومشكله.

والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، منقذ الإنسانية من الضلال، الهادي لقيم الحق والخير والجمال، الذي ارتقى بالخصائص [ ص: 5 ] والصفات الإنسانية إلى مرحلة الكمال والاكتمال التي تشكل أعلى مدارج الجمال وغايته، يقول تعالى: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) (المائدة:3)، وبذلك حررت قيم الإسلام مفاهيم الجمال من كل التباس، وخلصتها مما يمكن أن يداخلها من غبش وغش وكبر وتعال وابتذال، وصانتها من الاقتصار على الشكل والهيكل وعدم النفاذ إلى تذوق الأبعاد والقيم المعنوية والخلقية للجمال.

ولعـل ما ورد في حديث عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، عن رسـول الله صلى الله عليه وسلم من قـوله: ( إن الله جميل يحب الجمال ) إضافة إلى ما رواه أبو هريرة، رضي الله عنه، ( أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان رجلا جميلا فقـال: يا رسـول الله، إني رجل حبب إلي الجمال وأعطيت منه ما ترى حتى ما أحب أن يفوقني أحد -إما قال: بشراك نعلي، وإما قال: بشسع نعلي- أفمن الكبر ذلك؟ قال: لا، ولكن الكبر من بطر الحق وغمط الناس ) (أخرجه أبو داود).

لعل ما ورد في هذه الآثار، وغيرها، يبرز الملامح الرئيسة لأبعاد مفهوم الجمال، ويكشف عن الرؤية الإسلامية لمكوناته، ولذلك دلالات بعيدة وإشارات واضحة وآفاق ومساحات فنية مغرية ينطلق إليها ويستمتع بها الخيال.

فعبارة: ( إن الله جميل يحب الجمال ) ليست مجرد مقولة عابرة، وإنما هي حديث شريف أخرجه الإمام مسلم، في صحيحه، وأخرجه أيضا عدد كثير من أهل الحديث. [ ص: 6 ]

فالجمال والتجمل في الإسلام هو النعمة والتنعيم، الذي يدعو إلى الشـكر والمتعـة التي لا تصحبها مخيلة ولا كبر، فقد أخرج أبو داود عن أبي الأحوص، عن أبيه، قال: ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في ثوب دون، فقال: ألك مال؟ قـال: نعـم، قال: من أي المال؟ قال: قد آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيـق، قال: فإذا آتاك الله مالا، فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته )

قال المناوي في "فيض القدير": "وكان الحسن يلبس ثوبا بأربع مائة، وفرقـد السنـجي يلبس المسـح، فلقي الحسن فقال: ما ألين ثوبك! قال: يا فرقد، ليس لـين ثيابي يبعـدني عن الله، ولا خشونة ثوبك تقربك منه، إن الله جميل يحب الجمال".

لذلك نقول: إن ما روي في تلك الآثار، وغيرها، يشكل الرؤية الإسلامية للجمال، بكل أبعادها المادية والمعنوية، ويوضح القيم الخيرة المركوزة في الفطرة الإنسانية والمتمثلة للصور الجمالية، التي يتوافق فيها وينسجم جمال الشكل والمضمون، جمال المبنى وجمال المعنى، مما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.

وبعد:

فهذا "كتاب الأمة" الحادي والخمسون بعد المائة: "علم الجمال.. رؤية في التأسيس القرآني"، للدكتور عبد العظيم صغيري، في سلسلة "كتاب الأمة"، التي تصدرها إدارة البحوث والدراسات الإسلامية في وزارة [ ص: 7 ] الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، سعيا منهاإلى بيان أبعاد رسالة الاكتمال والكمال، التي انتهت إليها النبوة التاريخية وتمثلت وتجلت واتضحت ملامحها وسماتها وأنساقها وتناسقها وانسجامها في عطاء النبوة الخاتمة، الذي يشكل السفر الخالد المفتوح للقراءة الإنسانية بكل حقولها وآمالها وتطلعاتها وأشواقها وسعادتها ونزوعها إلى الكمال الفطري، الذي يتحقق بالخلود بعيدا عن المتع الموقوتة الزائلة: ( إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار ) (غافر:39).

لذلك فقد تبدو الإشكالية في الرؤية الجمالية المبتورة المفككة لعناصر الجمال وآفاقه، التي تحوله إلى ومضات سريعة ومتع آنية ولحظات يخالطها الأسى والخوف والهلع مما تحمل هذه العناصر في جوفها من عوامل انقضائها، لذلك نراها تدفع الكثير من متذوقيها إلى حالة من الانبهار، الذي يداخله الخوف مما بعدها، والحيرة في كيفية الاحتفاظ بها، وعدم القدرة على الصمود أمامها، حالة قد تدفع ببعضهم إلى الانتحار ظنا منهم أن ذلك يحتفظ بسعادتـها ويخـلدها في نفوسهم ويحول دون انقضائها ومعاناة عواقبها أو عقابيلها .

لذلك نقول: إن وضوح فلسفة الجمال في القيم الإسلامية وشموليتها وفطريتها وتحقيقها للانسجام والتجانس والتناسق الساحر بين الكون والإنسان والحياة، وامتداد هذا التناسق والضبط في النسب والانسجام مع الرؤية الكلية للحياة والمؤاخاة بين مكوناتها ( وما من دابة في الأرض ولا [ ص: 8 ] طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ) (الأنعام:38)، هو الذي يحمي الإنسان من التبعثر والتمزق والضلال والتآكل.

فالرؤية الإسلامية للجمال رؤية هادفة، تمجد الجمال وتهفو إليه وتبصره في قيم الحق والخير والعدل والحب والإيثار والإخاء والعفو والرحمة، وتربي الإنسان على تذوق هذه القيم وممارستها والحس بالسعادة الغامرة عند ممارستها، والتسابق في الخيرات لبلوغ درجة الكمال المنشود فيها، الذي يعني الوقوف على قمة الجمال، كما يعني الاحتفاظ بعطاء الجمال وتخليده، تخليد الجمال والاستمتاع به في الدنيا والنـزوع إليه في الآخرة.

وهنا قضية قد يكون من المفيد التوقف عندها وفتح بعض النوافذ وإلقاء بعض الأضواء أو الإضاءات عليها، وهي أنه على الرغم من أن إدراك الجمال نسبي ورؤيته وتذوقه ذاتي، إلى حد بعيد، حيث يرتبط تقديره والإحساس به وتذوقه بكثير من المكونات الثقافية الذاتية من مثل العقيدة والتربية وتكاليف الحل والحرمة في الطعام والشراب والزينة والبيئة المحيطة والموروث الاجتماعي أو ما يمكن أن نطلق عليه بشكل عام مصطلح "الشاكلة الثقافية"، التي تتحكم بتشكيل وصقل وتنقية وصفاء المرآة اللاقطة، وتنمية الاستعـدادات والقـابليات المركوزة في النفس البشرية، إلا أن الفيصـل الأسـاس بين الرؤى المتعـددة أو الفلسفـات الجمالية المتنوعة - فيما نرى- يتمحور حول المنطلق الرئيس لرؤية الجمال، الذي [ ص: 9 ] يتحكم في بلورة قيمه وتحديد مقاييسه وأهدافه وإدراك التباينات الكبيرة بين اتجاهاته.

ذلك أن التناقضات والفروق سوف تكون كبيرة بين رؤية جمالية تنطلق من الفطرة الإنسانية وتنساب منها وتبصر ذلك الانسجام والتناغم بين الخلق كله والحياة كلها، ورؤية ترتكز إلى الغريزة؛ فالرؤية التي تنطلق من الفطرة تسعد بالتزام وممارسة القيم السامية، وتسر بالتسابق إلى فعل الخير، وتبصر ذلك في توجه كل الكائنات، وتتذوقه في كل المشاهد والمخلوقات، حتى في أشد حالات الكروب والمحن والعسر فهي تبصر اليسر في مكونات العسر، وتتذوق العذوبة من خلال العذاب والمجاهدة والموت في سبيل تحقيق الأهداف الكبرى، التي تشكل رسالة الإنسان في الوجود، وتبصر أيضا سبيل السعادة الممتد باتجاه الخلود، الذي سوف لا يتحقق إلا بالإيمان بيوم الخلود، فالإنسان بطبعه وفطرته ينـزع إلى البقاء، ونلحظ ذلك من سعيه إلى الاحتفاظ بالصور الجمالية، ومحاولته تثبيتها بشتى الوسائل، والتوجه صوب الأعمال الباقية في الدنيا، التي تضمن استمرار ذكره وحضوره ويسعد بها، وتهفو نفسه إلى يوم الخلود المغروز في فطرته حيث الجمال الدائم والعطاء لكل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.

إن الانطلاق في الرؤية الجمالية من الفطرة تجعل الإنسان يدرك أن المتع في الدنيا موقوتة وزائلة، وسوف ينتهي به ذلك إلى السعـادة بتذوق حلاوة الإيمان بيوم الخلود حيث المتع الباقية. [ ص: 10 ]

وهذا لا يعني بحال دعوة للعزوف عن التمتع والاستمتاع بالجمال في الدنيا وتجاوز متعها الفانية وتحريمها على النفس انتظارا لمتع الآخرة الباقية واعتبار أن ذلك من التدين الصحيح، وإنما يعني التوازن: ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ) (البقرة:201)، والقراءة بأبجدية صحيحة لكيفية التعامل مع الجمال والاستمتاع به ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) (الأعراف:32).

ولعلنا نقـول هنا: إن ما يراه الإنسـان ويعيشـه في الدنيا من الصور الجميلة والمتع والسعـادة الموقوتة واللذائذ، التي تحقق حظوظ النفس، لا يقتصر في الرؤية الإسـلامية على التمتع بـها وإنما يرتقي إلى الإيمان بقدرة وجمـال الله الخـالق، مبدعها ومانحها، وبذلك تتحـول لتشكل له وسيلـة إيمان بالله بهذا الخالق القـادر على زوالها، كما تشكل له نوافذ أمينة تعينه على إبصار مشاهد اليوم الآخر بكل ألوانها وأشكالها وإغرائها، وما أعده الله لعباده المؤمنين من الجمال الخالد مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فيـكون تذوق المتعة الحلال في الدنيا الفانية مطمئنا له وسبيلا للانضباط وتصويب السعي للوصول إلى المتعة الخالدة في الآخرة الباقية.

إن ما يبصره الإنسان من اللوحات البديعة الجمالية الفنية المتنوعة المجالات في تناغمها مع مشاهد الكون والإنسان والحياة الإنسانية، التي تهفو نفس الإنسان للوصول إليها، والاستمتاع بها، وتسمو بها إلى الإيمان بمبدعها [ ص: 11 ] وقدرته على تخليدها، وتدعوه إلى الاستجابة لتكاليفه والانسلاك في الطاعة وتذوق حلاوة الإيمان وجماله ومتعه: ( فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب ) (الشرح:7-8)، إن ما يبصره الإنسان في الدنيا من آلاء الله الجميلة يحمـله على أن يغز السـير في طريق الطـاعة ليحط رحـاله في الجنة، التي وعد المتقون.

فحلاوة الإيمان وعذوبة المتعة وسعادة الأمل وانسجام الحياة في لحن التسبيح وإيقاعه ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) (الإسراء:44)، ( يا جبال أوبي معه والطير ) (سبأ:10)، في رحلة الحياة صوب المصير الموعود والنظر إلى الله الجميل خالق الجمال ومبدعه، المتصف بالجلال والكمال، هي غاية الغايات.

وليس الأمر كذلك، بكل فلسفته ومعطياته، عندما تنطلق الرؤية الجمالية من الغريزة البهيمية وتتمحور حول اللذائذ الفانية وتستجيب لنداء الشهوة الموقوتة التي تنتهي بصاحبها إلى الجحود لله والكفر بآلائه وعدم إدراك أبعاد وتناسق وانسجام خلقه.

إن ارتكاز الرؤية الجمالية إلى الاستجابة للغريزة المتأججة (وهي حالة غير سوية) والومضات الآنية لنـزوات الإنسان، والانغماس في اللحظة دون إبصار عواقبها وعقابيلها شعاره: (اليوم خمر وغدا أمر)، يشوه الرؤية الجمالية ويبعثرها ويهبط بـها إلى مستوى الحيوان، الذي لا يعقل ولا يتذوق الجمال وإنما يندفع ويتحرك بدوافع غريزية محرومة من عنصر الإدراك. [ ص: 12 ]

فالارتكاز لدوافع الغريزة ومحركاتها وتفكيك الصورة الجمالية وتجزيئها والتعامل مع أحد مكوناتها يورث الكآبة، وينسج خيال المآتة، ويبرز جوانب القبح، ويشوه ويعبث بتناسق الصورة ويحول دون شموليتها وتذوقها من كل مكونات الإنسان وكل حواسه.

وقد لايكون مستغربا أن نرى أن الذين ارتكزوا في تقييم الجمال وبناء الصورة الجمالية إلى الغريزة، التي تمثل الجانب البهيمي، والاستجابة للشهوة والسـعي وراء اللذة الآنية، التي تحمل عوامل فنائها وانقضائها في ذاتـها، لم يمكنهم الاحتفاظ بتوازنهم وتماسكهم والانضباط بملكاتهم العقلية والاحتفاظ بها، حيث انتهوا في معظم الأحوال إلى إلغاء العقل وتعطيل الحس بتناول المخدرات والمسكرات ومعاناة الاختلال العقلي والجنون وما يعقب ذلك من التفكك الأسـري، والفساد الاجتماعي، وكأن تذوق الجمال والتمتع به يناقض الخيرية والسعادة وسكينة النفس والحياة المطمئنة (!)

ولعلنا نقول هنا: إن محل الجمال في النهاية هو لوحة الخلق، هو لوحة الحياة، بكل معطياتها وتراكيبها وقوانينها وألوانها ومخلوقاتها وأصواتها وحركتها وانتظامها وآفاقها وتنوع أشكالها وكواكبها وتعاقب مساراتها وصباحها ومسائها، ينعكس ذلك كله على الحس والسعادة بجمال العمل والعطاء، والاستمتاع بالانسلاك في قافلة الحياة، والاستمتاع بحب الخير، والتحقق بسمات الكرم والتسابق إلى فعلها، والتخلق بأفعالها من العفو [ ص: 13 ] والعدل والإيثار والحب والإحسان وإلحاق الرحمة بالخلق جميعا، وتذوق حلاوة الإيمان في النفس، الذي يشكل الوعاء لذلك كله، فالله سبحانه وتعالى، مصدر الخـير والجمال، محـل الإيمان، حتى في لحظات التعامل مع ما أحله الله للإنسان من الطعام والشراب، بكل ضوابطها وأدابها: ( كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته ) (أخرجه مسلم)، ( كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة ) (أخرجه البخاري)، فالإحسـان وإلحـاق الرحمـة والتراحـم الغاية والمقصد الأساس للإيمان والتدين.

لذلك نرى أن الجمال الذي مصدره الخالق العظيم يرسم للحياة لوحة مؤثرة متناسقة الألوان، منسجمـة الإيقاع، متناغمة العناصر، متنوعة الأشكال والأصوات، يحدوها التسبيح لحن التوجه صوب الخلود ونداء الفطرة ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) (الإسراء:44)- كما أسلفنا- فكمـا أن الارتـكاز إلى الغريزة هبوط وارتكاس بالجمال واختزاله في بعده البهيمي فإن تفكيك الصورة الجمالية وتجزيئها عبث وتشويه وتمزيق واختلال في النظر، وفساد في التذوق، وعجـز عن الرؤية، وتعامل مع الجمال بغير أدواته.

فالجمال آفاق ممتدة متجددة مفتوحة أمام الإنسان في كل مستوياته وأحواله وحالاته، آفاق بلا حدود، لذلك فكلما حاولنا نزع القيود [ ص: 14 ] والقوالب والكوابح ومحاولات التقنين عن الحواس والعقل ارتقينا إلى ارتياد آفاق أبعد وأجمل، وتحصلنا على المتعة والراحة والانشراح، وعدنا بروح جديدة متجددة وعزيمة راشدة؛ فالتمتع بالجمال غسيل للروح، وتنقية للنفس، وتطهير للعمل، وعودة لإنسانية الإنسان، وخلاص من مصائب الدنيا، وفرار إلى الله.

من هنا نقول: إن محاولات تنهيج الجمال وإخضاعه لحدود العلم وتعاريفه وتفاصيله وتفريعاته قد يتناقض مع طبيعته ويفقده بعض روائه وعطائه وإدراكه وتذوقه، فالجمال رؤية مفتوحة، لذلك فالانشغال بالبحث عن حدود الجمال ومقوماته عن البحث فيه وصقل أدوات تذوقه وتنقية مرآته والانفعال به، يناقض طبيعته، وهذا لا ينافي أن هناك خصائص مشتركة يبصرها الناس جميعا أو معظم الناس إلا أن الرؤية الجمالية تبقى ذوقا ذاتيا، واستعدادا ذاتيا، وتأهلا نفسيا، وتمرينا وتربية على تنمية الذوق، وتطوير الإحساس بالجمال، وبناء الشخصية ذات الحس المرهف والذوق الرفيع؛ فرؤية الجمال وتذوقه وإبصار مكوناته وتأثيراته على الخيال والنفس والسلوك ثقافة وأخلاق، بل يمكن القول: إن الجمال هو من أهم مكونات الثقافة الفردية والمجتمعية وسبيل الخلق الرفيع.

فالإنسان، الذي خلقه الله في أحسن تقويم هو محل الجمال وأداته ووسيلته في الوقت نفسه، والفوارق الفردية تبدو أكثر وضوحا في إدراك [ ص: 15 ] الجمال، فالمنظر الواحد قد تتفاوت وقد تتناقض فيه الرؤية الجمالية لدرجة قد لا تبقي حدودا معرفية تتمايز في موضوع الجمال.

لذلك نقول: إن تسمية الرؤية الجمالية بالعلم فيه الكثير من المجازفة والتجاوز العلمي والمعرفي، ولئن كانت بعض العلوم النفسية والاجتماعية بشكل عام ما تزال إلى اليوم لم ترق إلى مستوى العلم بتعاريفه وحدوده فإن الرؤية الجمالية ستبقى عصية على التقنين والتعريف والتنهيج؛ وجماليتها في انطلاقها ورحابتها ومرونتها وذاتيتها.

فالإنسان الذي خلقه الله على صورته في أحسن تقويم وهو محل الجمال وأداته ووسيلته -كما أسلفنا- زوده الله بمجموعة حواس تعتبر مرآة لاقطة لصور الجمال وآفاقه المتعددة، كما يعتبر العقل مرقاة للتسامي والارتقاء بالجمال إلى مراحل الكمـال وتذوق حلاوة الإيمان بالله الجميل مصدر الخلق الجميل.

فالجمال ليس محله العين فقط، التي تبصر المناظر الجمالية وتحسها وتنقلها إلى العقل، محل إدراكها وتمثلها، وإنما للأذن مجالها في سماع الأصوات الجميلة والألحان الساحرة وإيقاع الألفاظ والبيان المؤثر في النفس والعقل: "إن من البيان لسحرا" (أخرجه البخاري).

ومن هنا ندرك لماذا كان المشركون يفرون من سماع القرآن والشغب عليه عنادا منهم وخوفا من أن يأسرهم تأثيره في النفس والعقل فيقودهم إلى الإيمان: ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ) (فصلت:26). [ ص: 16 ]

وليست الحواس الأخرى من مثل اللمس والذوق والشم أقل حظا وشأنا في تذوق الجمال وتمثله ونقله إلى مركز الإدراك، فالحواس جميعا هي النوافذ، التي نطل منها على المنظر الجميل بكل مكوناته وتأثيراته، إضافة إلى أن المنظر الجمالي لا يقتصر على المكون المادي، ذلك أن المكون المادي هو أحد مجالاته، وإنما يتعداه إلى تذوق الجمال وأنس النفس وارتياحها واستمتاعها بنصرة وممارسة الأعمال الخيرة والمعاني الجميلة، مهما كلف ذلك من مشاق، وعمل الخير والتسابق إليه، والمسالك النقية والنفوس التقية، وولوج جميع أبواب الإحسان، وتذوق حلاوة الإيمان وأثره في النفس، ورؤية جمالية اليسر في معاناة العسر، ورؤية جمالية الفرح في قلب الشدة، ورؤية المنحة في قلب المحنة، ورؤية انفساح الحياة في شدة الكرب، ورؤية سبل السلام والانخراط فيها، مهما كلف ذلك من مشاق، والانسلاك في لحن الكون والحياة الخالد والعمل الممتع ليوم الخلود.

إن المسلم يبصر الجمال في كل خلق من خلق الله، حتى صور القبح التي تمر أمام حواسه المتعددة يرى أنها تساهم في دعم الجمال وتظهره وتغري به؛ وبضدها تتميز الأشياء.. إن القبح، ورب ضارة نافعة -والشر من لوازم الخير- يشكل مساهمة سلبية في إبراز صور الجمال في القول والفعل؛ لأنها تنفر من القبح في الشكل والممارسة.

إن المسلم يبصر الجمال في الخلق الصادر عن الخالق المبدع الجميل الرحيم، يبصره في اتساق الحياة ووحدة وانسجام عناصرها، في انسجام الكون والإنسان [ ص: 17 ] والحياة، إنه يبصر جمال الوحدة والتنوع والانسجام الذي ينتهي به إلى الحس فطريا بالخلود والنزوع إليه، الأمر الذي يقوده عضويا ونفسيا وعقليا إلى الإيمان بالله الواحد وإبصار آثار التوحيد والإحساس به في كل شيء.

وقد لا يكون من مكرور القول: إن للجمال عناصر ومكونات ومقومات مشتركة وعامة يمكن محاولة تحديدها والنظر في تأثيرها، كما أن هناك تربية وتدريبا لتمرين الإنسان والارتقاء به للإحساس بها وإدراكها، وعلى الرغم من تفاوت درجات الإحساس بحسب طبيعة التنوع في الخلق ووجود الفوارق الفردية، يبقى هناك قاسم جمالي مشترك يدركه الجميع.

نعاود القول: إن رؤية الجمال في لوحات الوجود تبقى استعدادا فطريا خلقيا وتذوقا ذاتيا، كشفا وانكشافا واستشفافا، حتى ليكاد يتجاوز بعض الناس الصور الظاهرة للقبح ليبصر ما تتضمنه من بذور وعناصر الخير والجمال، التي يصاحبها، ومهما حاولنا الانسلاك في قواعد وقوانين وتدريبات على تذوق الجمال وتنمية حواسه وتحريضها تبقى المساحة الذاتية في التذوق والنظر عصية عن التطويع والقولبة.

لذلك نقول: إن طبيعة الموضوع تحمل الكثير من التنوع في الرؤى والنظر والمذاهب والمدارس والنظريات والتباين في وجهات النظر، الأمر الذي يجعل من هذا الموضوع أفقا لا يمكن تحديده وفصله عن جميع موضوعات الحياة، أو بمعنى آخر هو عصي عن تحديد محله وموضوعه؛ فنظرياته ورؤاه أكثر من أن تحصى وتحصر، وملامحه تختلف من إنسان لآخر، [ ص: 18 ] وقد تتمايز المذاهب الجمالية والنظريات الجمالية بحسب القيم الموجهة لتلمسه وإدراكه والعقيدة التي تشكل المصباح المنير المرافق لرحلة الإنسان وإبصـاره الأشيـاء وتمـده بأبجـدية قراءتـها بالحواس الخمس بكل استعداداتها ومعطياتها.

فالأصح القول: إن الجمال رؤية لها عواملها ومعالمها وذاتيتها، والجمال نظر أو نظرية، وقد يكون من المجازفة القول: إن الجمال علم، بكل ما تحمل كلمة علم من تعريف جامع مانع، من منهجية وموضوعية واستقلالية وحدودية، فتعريفه حتى عند المشتغـلين فيه هو نوع من المقاربة، غير جامع ولا مانع، بل إن التعاريف والتأطير والتنهيج قد يناقضه ويشوه تذوق الجمال نفسه، كما أسلفنا.

ولكل رؤيته الجمالية المنبثقة عن فطرته وعقيدته وقيمه وتشكيله الثقافي، لذلك فالرؤية والنظرية والمذهب والمدرسة على الرغم من أن تعددها يشرح المنظر الواحد ويفككه ويمزق وحدته وعضويته إلا أنها قائمة في واقع الحياة، وكلها أمور تسبق الوصول إلى مرحلة العلم بتعريفه العام وحده الخاص.

ويعتبر هذا الكتاب محـاولة جـادة للكشف عن الرؤية الإسـلامية أو المذهبية الإسلامية وتأسيسها وتأصيلها للجمال انطلاقا من القيم الإسلامية في الكتاب والسنة والسيرة وحياة الصحابة.

وتأتي أهمية هذا الجهد المعرفي والثقافي من أن المكتبة الإسلامية بشكل عام ومجالات البحث في هذا الشأن لم تتوفر إلا على النذر اليسير وإلقاء [ ص: 19 ] بعض الأضواء الخافتة التي لا تكاد تكشف عن المذهبية الإسلامية في مسألة الجمال، على الرغم من غنى القيم الإسلامية بالأصول الجمالية وتجلي ذلك بشكل واضح في الحياة والحضارة الإسلامية، حتى لتكاد تكون رؤية الجمال والإبداع في أساليبه ووسائله، ومشاهدة ذلك من أبرز ملامح الحضارة الإسلامية وتنوع عطائها.

لذلك فقد لا يكون مستغربا، نتيجة للجهل بسبب قلة العطاء، أن يتهم الإسلام والمسلمون بالعداوة للفن والجمال، ولعل مرد ذلك الصورة الشائعة والمغلوطة عن الدين والمتدينين والزعم أنهم ضد الجمال واعتباره من المحرمات، وأنهم محرومون من رؤية الجمال وتذوقه، وأن بعضهم يتوهم أن التدين يرادف الخشونة والتجهم والعبوس والجفاء وتقطيب الوجه والاستمتاع بتعذيب النفس وحرمانها، وقد يعتبر بعضهم أن التدين والتكاليف الشرعية جنوح صوب الحرمان من متع الحياة وركوب المراكب الوعرة والسعي نحو المشقة، والتقعر في التعبير والقول، والتقطيب في الوجه، وامتشاق السيف، وممارسة القتل، والعزوف عن الدنيا!!

ولعل في ذلك قدر من الحق والكثير من التجني، ذلك أن الإسلام دين الفطرة بكل أبعادها، فطرة الله التي فطر الناس عليها، وأن دعوته للمسلم أن يكون كالشامة بين الناس، ملتزما بآداب الطعام والشراب والاغتسال والزينة، وأن من تعاليم الإسلام أخذ الزينة عند كل مسجد، عند كل تجمع [ ص: 20 ] إنساني ( ... خذوا زينتكم عند كل مسجد ) (الأعراف:31)، واستنكار تحريم زينة الله التي أخرج لعبادة والطيبات من الرزق: ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) (الأعراف:32)، واعتباره أن التبسم في وجه الأخ صدقة، وأن المشقة تجلب التيسير، وأن مع العسر يسرا، واستنكار الدين لفعل من حرم نفسه من متع الحياة وزينتها، من الامتناع عن النساء، والصوم الدائم، والامتناع عن الطعام، والقيام المديد، والامتناع عن النوم، وما أحـله الله، وظن ذلك من الارتقـاء بالعبادة... وغير ذلك كثير مما لا يتسع المجال للإتيان عليه، وإنما هي نوافذ للإطلالة منها على مذهبية الإسلام في الجمال وتقديره والدعوة إليه وممارسة تذوقه والنفاذ من الصور الجمالية إلى مبدعها وخالقها.

ولعل مرد تشكل هذه الصور المشوهة عن الدين والتدين تجاه الاستمتاع بالجمال وتنمية الإحساس به، هو ما انتهى إليه الفن المسمى بالجميل من الارتكاز إلى الغريزة والشهوة بدل الفطرة، وانتهاك الحرمات وممارسة العهر والإباحية والعري وتقديم الصور الفاضحة المنافية للفطرة باسم الفن والجمال!

ويبقى الكتاب محاولة -كما أسلفنا- للكشف عن الرؤية والمذهبية الإسلامية لفلسفة الجمال والتأسيس والتأصيل لمقوماته وسماته ومعالمه، بعيدا عن تأطيره وتقنينه ومحاصرته بالقوالب التي قد تفسد طبيعته وتحاصر أفاقه وتحويله إلى علم له حده وتعريفه وموضوعه. [ ص: 21 ]

فالجمـال يتألـق ويترقـى كلما كان منطلقا من الفطرة، ويصبح أكثـر نطقـا ودلالـة بقدر ما يحمل من معـاني الخير وبما يستـدعي من مـديد النظر والتأمل والتعمق، للولوج إلى الفـكرة والرسـالة، التي تكمـن وراء المنظر الجميل أو المظهر الجميل.

والجمـال في الرؤية الإسـلامية لا يقتـصر على محـاكات الإحساس وإثارة المشـاعر والعواطـف والأحـاسيس وإنما ينفذ إلى تحريك العقـل وملـكات الإدراك التي تغـري به، وترقى برسالته، وتصقل مرآته، وتنمي أدواته.

والله من وراء القصد، والحمد لله واهب الجمال ومبدعه.

[ ص: 22 ]

التالي


الخدمات العلمية