علم الجمال رؤية في التأسيس القرآني

الدكتور / عبد العظيم صغيري

صفحة جزء
المعلم الرابع: تسخير علم الجمال الإسلامي لأداء أدوار رسالية وإنسانية وأخلاقية عالمية:

ننطلق في مقدمة شرحنا لهذا المعلم من مسلمة معرفية، ترى أن البعد الإنساني والأخلاقي، يصدران من مشكاة واحدة، إنهما يتماهيان في المقاصد والغايات، ويكمل بعضهما بعضا الآخر، ونعتقد أن علم الجمال الإسلامي هو الـمؤهل للقيام بهاته المهمة الرسالية النبيلة، خاصة وهو يحمل رسالة الإسلام، التي جاءت بقيمهـا الأخلاقية، لإنقاذ البشرية من الشقاء والتيه الذي تعاني منه.

إن المتتبع للمشهد الجمالي العالمي المعاصر، يفاجأ بالكم الهائل من الإنتاجات، في مختلف فنون القول ووسائط التواصل السمعي والبصري والشفهي، كما يفاجأ بالـميزانيات الضخمة والإمكانات المادية والبشرية [ ص: 152 ] الهـائلة المرصـودة لهـاته الإنتـاجات، التي تقصف الإنسـان المعاصر وهو في بيته، بواسطة الآلات الجهنمية لتقنيات التواصل والإعلام، عبر الإنترنت والصحون المقعرة، التي قعرت وعي الإنسان فجعلته أسيرا للشاشة الصغيرة في البيت، وبلدت إحساسه فصار يستهلك كل ما تلفظه وسائل الإعلام من مواد، الغث فيها ينسي السمين، والرديء فيها يلغي الجيد، والاستثناء فيها يلغي القاعدة، يقول د.حلمي القاعود: "إن الفنون الدرامية في عالم اليوم لها تأثيرها الفعال؛ حيث يمكنها أن تصل بسرعة وسهولة إلى غرف النوم وتقدم للمشاهد أفكارا وقيما وسلوكيات يستوعبها ويتشربها بسرعة؛ لأنها تتسلل إليه وهو في حال استرخاء تام، لا يستطيع لها دفعا. ومن ثم فإن أهمية التزام العمل الفني والجمالي بروح الدين تضحى ضرورة أساسية في تقديم التصور الصحيح والفكرة الناضجة والقيمة الإيجابية والسلوك المستقيم" >[1] .

إن العالـم اليوم، في مسيس الحاجة إلى إنتاجات جمالية ترجع الإنسان إلى إنسانيته، وتحقق له السعادة التي افتقدها في غمرة انشغالاته المادية، وعدم قدرته على المواءمة بين متطلبات الروح وحاجات الجسد، وتهب لحياته قوة وفاعلية ومعنى وغاية، وتـمدها بأسباب النجاح، وتعزز لديه قيم الفضيلة [ ص: 153 ] والحق والخير والجمال. هذا المعنى هو الذي دفع بالـمفكر والأديب الغربي "بيتر"، إلى التراجع عن تبنيه لمذهب "البرناسية" و"الفن للفن" >[2] ، بعد عشرين عاما ليـقول: "إن الفن العظيم لا ينفذ شروط الفن الجيد فحسب - وهو ما يجب أن يفعله ابتداء ليكون فنا - ولكنه يجب أن يعالج كذلك المسائل الإنسانية الكبرى، وعظمة الفن لا تعتمد على الشكل بل على الـمادة ، وعندما يـكون الأدب أكبر تكريسا لزيادة سعادة الناس، ولإنقاذ المظلومين، أو لتوسيع نطاق التعاطف الإنساني، أو لتقديم حقيقة جديدة أو قديـمة عن أنفسنا وعلاقتنا بالعالـم، مما قد يعلي من أقدارنا، أو يشد عزائمنا في مقامنا بهذه الحياة، فإنه بهذه الصفة - أي الفن - من الفن العظيم" >[3] .

وقد لخص "بيتر" هذا المعنى بشكل بديع في إجابته للطالب الجامعي الذي سأله قائلا: لـماذا يجب أن نكون أخلاقيين في الفن؟ فأجابه "بيتر" قائلا: لأن ذلك غاية الجمال >[4] .

لعل هذا ما يفسر في تقديرنا النجاحات العالمية الـمتتالية لبعض الأفلام، التي حققت نتائج باهرة وسط عمالقة هذا الفن في المهرجانات [ ص: 154 ] العالميـة ذائعة الصيت، ويرجع الكثـير من النقـاد السبب في هذا التـألق إلى طريقة هاته الأفـلام الجميلة في عرضـها لمتطـلبات إنسانية بحتة، بصـورة نظيفة بعيـدا عن الإسفاف والتهويل، فضلا عن عدم متاجرتـها بالجنـس، وترويجـها المكثف لقيـم مجمـع عليها عنـد سـائر الطوائف والديانات.

إن هذا التوجـه من قبل علم الجمال الإسلامي نحو صياغة بدائل جمالية أخـلاقية وإنسـانية، يتعزز لدينا أكثر مع تنامي المظاهر الثقافية المنذرة بإفلاس يأتي على الحضارة المعاصرة من جذورها، فالـمشهد الفلسفي يكشف عن متوالية من التنظـيرات لا تنفك تتجدد بوتيرة متسارعة، يجد المتخصص صعوبة بالغة في متابعتها، هكذا لـم تكد العولمة بإيديولوجيتها المهيمنة تستقر في الأذهان، حتى سمعنا بفلسفة "نهاية التاريخ" مع "فرانسيـس فوكوياما"، وهي فلسفـة لـم تصمـد طويلا لبعدها المبرر للاستكبار العالمي، الذي سيستنجـد بفلسفة أو بالأحرى بنظرية "صدام الحضارات" لـ"صمويل هنتجتون"، والتي عدلت لتصير "حوار الحضارات"، وأخـيرا "تحالف الحضارات" مع معهد للدراسات الاستراتيجية في إسبانيا.

هاته الحركية في المشهد الفلسفي، توازيها حركية أقوى في ثورة الاتصالات وتكنولوجيات الإعلام والتواصل، مع التحكم الزائد للشركات العابرة للقارات في مقدرات الأمم والشعوب، وسيادة ثقافة عالمية جديدة، [ ص: 155 ] تتسلح بلغة "حقوق الإنسان" و"حقوق المرأة والأقليات" و"الحرية الجنسية"، مع إمكانيات واسعة للتدخل الدولي في أي مكان من "القرية الكونية" التي تتضاءل تدريجيا أمام التوسع العنكبوتي للشبكة المعلوماتية العالمية. وقد أدى هذا المشهد المعقد، إلى إيجاد واقع جديد أكثر حدة وشراسة، وبالتالي أكثر تعقيدا وتشابكا، فكان من الطبيعي وسط هذا الخضم المتلاطم من التطورات، وفي ظل غياب مرجعية قيمية كونية حاكمة، أن تذبح القيم ويضحى بها على مستوى النظم والشعوب؛ لذلك فإن تأثر الإنسان بجمال القرآن وخضوعه لجلاله، هو وحده الكفيل بإخراج إنسان القرن الحادي والعشرين من متاهات الضياع والخيبة، وهو وحده القادر على إكسابه التوازن الذي يحتاجه كي يحيا حياة بعيدة عن التوتر والضغط، يقول "بريجنسكي" مستشار الأمن القوي الأمريكي السابق في كتابه "الانهيار": "نحن أصبحنا مجتمع إباحة الاستباحة؛ الفرد في الولايات المتحدة استباح كل شيء، ولـم يعد في قاموسه كلمة حرام أو محرم؛ وبهذا لا تستقيم حضارة ولا تستمر. السفينة كلها تغرق ولا يـملك أحد إنقاذها! وإنقاذها مرهون بالعودة إلى الدين والأخلاق" >[5] . [ ص: 156 ]

لكن هاته العودة ستكون أسرع وأوفق وأكثر فاعلية إذا حملت في قوالب جمالية أخاذة، وصيغت في صيغ تتوافق والذوق الجمالي المرهف، ولفت في لفائف من البهاء والحسن، مخـاطبة فطرة الإنسان، منبهة إياه إلى ما به تتحقق سعادته في الدنيا والآخرة: ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) (الأنعام:162-163).

التالي السابق


الخدمات العلمية