العروج الحضاري بين مالك بن نبي وفتح الله جولن

الأستاذ الدكتور / فؤاد عبد الرحمن البنا

صفحة جزء
2- الهيمنة على (الحاضر) وهندسة (المستقبل):

إن أهل الخدمة - تحت قيادة حكيمهم ومربيهم فتح الله جولن - حاضرون بقوة في الواقع المعاصر، ويعملون بجد للسيطرة عليه، بحيث يصبح جسر عبور آمن إلى المستقبل المنشود.

ويبدو من استقرائي لفكر وتجربة "الخدمة" أن هذا الأمر المزدوج يتم من خلال الخماسية الآتية:

أ- الثقة اليقينية الكاملة بالله:

يتحـدث جولن عن النور الخـالد محمد صلى الله عليه وسلم وكيف كانت ثقته بالله لا حدود لها، وينقل عن الفيلسوف والأديب الإيرلندي الشهير "جورج برنارد شو" قوله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن محمدا شخص له جوانب سامية متعددة، ومذهلة، وليس في الإمكان فهم هذا الإنسان اللغز حق الفهم، ولاسيما فهم أحد جوانبه وهو ثقته المطلقة بالله، فهذا سر لا يمكن فهمه". ويعلق جولن على هذه الشهادة فيقول: "كانت ثقته بالله لا يمكن قياسها [ ص: 159 ] ولا تقييمها بموازيننا العادية، لذا كانت مكانته ومنـزلته عند الله سامية، سمو ثقته وإيمانه بالله وتوكله عليه، لذا فلو دعا الله لانقلب الليل إلى نهار والظلام إلى نور والفحم إلى ماس" >[1] ، هذا لأن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو مصدر كل القيم والمبادئ ومنها الثقة بالله.

ومن ثقة جولن بالله تأكيده الأكيد على أن المسلمين سيكونون أصحاب القول الفصل في الألفية الثالثة >[2] ما التزموا بشروط التمكين والعبور إلى المستقبل، ومنها الاستفادة من الماضي وحسن إدارة الحاضر.

ب- الاستفادة من الماضي واستثمار الحاضر:

يجيد جولن استثمار الزمن لصالح مشروعه الحضاري، بحيث يجعل الماضي أداة لإعمار الحاضر، ويجعل الماضي والحاضر طاقة لصناعة المستقبل.

ففي حديثه عن (الأجيال المثالية) وصفهم بأنهم "ينشغلون بحساب الغد مع اليوم قياما وقعودا، ويستعملون الإمكانات والحركيات الحاضرة أحجارا لإنشاء الجسور الموصلة إلى الغد" >[3] .

ويشير إلى هذا الترابط الوثيق بين الأزمنة الثلاثة حيث صناعة المستقبل، فيقول: "إن تماسك أجيال الغد وقوامها وسعادتها، حاصل من حواصل الأرواح والأنفاس المضحية هذا اليوم. وإن انتظار مستقبل متكامل ومنظم [ ص: 160 ] من ركام البشر الضجر الشريد السادر في الراحة والرخاوة، ليس إلا محض وهم وسلوان كاذب. المستقبل يتطور إلى براعم في رحم اليوم، ويربو برضاع اليوم ليتماسك قوامه" >[4] .

ولأن الماضي سلاح ذو حدين، فيمكن أن يكون خنجرا في اليد أو في الظهر، ويمكن أن يكون طاقة دفع إلى الأمام أو إلى الخلف، فإن جولن يصف لتلاميذه الدواء الناجع، بالالتفات إلى إيجابيات الماضي ونقل ما يتم الاحتياج إليه كان ماديا أو معنويا، بعد تشذيبه بما يتناسب مع الحاجة، وغمسه في مياه العصر حتى يكون متناسبا مع الواقع.

ومما قاله في هذا السياق: "سنلجأ نحن أيضا إلى ماضينا وجذور معانينا، ونقتبس من مثلنا الروحية التي لم يتكدر صفاؤها بتعاقب الزمان. وسنأخذ من إبداعات عصورنا البيضاء التي نراها شريحتنا الزمنية الذهبية ومصدر فخرنا الأبدي، في الفكر الفلسفي كما في الحقيقة الصوفية، وفي طبيعة متلقيات الدين المستقرة كما في بعده الأخلاقي، ونزيد بغزل النقوش على أردية مرفلة تسربل المستقبل" >[5] .

وفي حديث عميق له عن "فلسفة الحياة عندنا" اختتم هذه الفلسفة بقوله: "نعم، نحن نجلب عناصر حياة الغد من ماضينا، فإن استطعنا أن نعجنها في معاجن ثقافتنا الذاتية بنور الدين وضوء العلم، نكون قد جهزنا [ ص: 161 ] خميرة أبديتنا" >[6] . ويمكن القول: إن خميرة الأبدية هي التربية المثالية العميقة والحركة الصاعدة التي لا تعرف الهبوط.

ج- التربية العميقة:

والتربية هي لب هذه العملية برمتها، ولذلك جعل الذين يتولون التربية في طليعة وارثي الأرض، وعدهم: "مهندسي مستقبل الضياء"، راسما لهم خارطة السير نحو الشمس >[7] .

إن الهيمنة على الحاضر لا تتم إلا بالتربية المركزة التي تجعل وارثي الأرض جسرا للعبور نحو المستقبل، ولأهمية التربية في هذا المضمار وجدناه يقول: "على الذين يرغبون في معرفة مستقبل أي أمة والتنبوء به القيام بالنظر إلى التربية المعطاة إلى شباب تلك الأمة. عند ذلك يستطيعون التأكد بأنهم يستطيعون هذا، وأن أحكامهم ستكون صحيحة مئة بالمائة" >[8] .

ولابد أن هذه الرؤية هي التي ترجمت دعوة جولة إلى تربية ولاسيما في مشروع المدارس والجامعات التي يمكن اعتبارها الأساس المتين لخدمة التيار، أو خميرة الأبدية، ولكن شعوبا إسلامية كثيرة ما تزال بينها وبين هذه التربية - للأسف الشديد - خرط القتاد، لكن هذا لايبرر حرق المراحل في طريق الإصلاح والتغيير! [ ص: 162 ]

د- السير المرحلي والصعود المتدرج:

وهذا الأمر مرتبط بالتخطيط ومن ثماره، وقد أعطينا نبذة عنه من قبل، ومع ذلك نعيد تعريفه بما يتواءم مع هذا الموضوع، بحيث يمكن القول: إنه الطائرة التي تقلع بأصحابها من أرض (الممكن) إلى سماء (ما يجب أن يكون)، أو من سفح (الواقعية) إلى سماء (المثالية)، حيث الفردوس الأعلى في المعاش قبل المعاد.

ولذلك نجد الحث الدائم من جولن على وجوب السير المرحلي وعدم التعجل وحرق المراحل، فإن من مقتضيات صناعة المستقبل التدرج المرحلي والسير نحو الشمس بخطوات مدروسة >[9] .

ويقول عن تياره - كما يبدو-: "نحن نعيش في عهد تسبك فيه رؤانا في أفكار مثالية، ونؤمن أن مسؤولي العصر سيحققونها بتوقيت جيد حين تأزف ساعتها" >[10] ، وهذا هو ديدن جولن، فإن قدميه في الأرض أما قلبه ففي السماء، وأما عقله فحاضر هنا وهناك.

هـ- استشراف السماء في رسم الآمال:

ظل جولن - مع واقعيته الشديدة - منشدا إلى المثالية، متطلعا إلى الـذرى، ولذلك كان يتطلع إلى تأسيس جمـاعة مثالية، تتبنى تعاليم [ ص: 163 ] المصطفى صلى الله عليه وسلم . كما فعل الصحابة الكرام، فقد ذكر أنه يمتلئ رغبة وطموحا "في الوصول إلى مثل هذه الجماعة وتحقيقها واقعيا" >[11] .

وبعد أن أوجد هذه الجماعة من أهل الخدمة، ظل يحثهم على الترقي إلى صفوف الجيل المثالي ومصاف الجيل الذهبي الذي أوجده النبي صلى الله عليه وسلم .

ونلاحظ هذا الاستشراف بوضوح في الواقع العملي لمن يعرف ماذا يفعل أهل الخدمة على الأرض، فهم يمتلكون مؤسسات ضخمة من حيث الكم والكيف لكن طموحهم بدون سقف، إلا سقف السماء. وعلى سبيل المثال عندهم بضع عشرة جامعة ويخططون خلال السنوات القادمة لأن تصل إلى خمسين جامعة >[12] .

ووصلت مبيعات صحيفة (زمان) التابعة للخدمة إلى مليون نسخة، وطلب منهم جولن مواصلة الصعود إلى سقف خمسة مليون نسخة!

ويمتلكون مؤسسة للترجمة، وصلت أقسامها في عام 2011م إلى اثنين وأربعين لغة، ووجههم أستاذهم إلى عدم كبح الفرامل إلا عند مائة لغة، بحجة أن هناك لغات عالمية كثيرة بحاجة إليهم! [ ص: 164 ]

وبجانب أكبر صحيفة في تركيا، يمتلكون أكبر شركة نشر واسمها (زنبق)، وأكبر شبكة توزيع للكتب، وأكبر مطبعة، وأكبر دار نشر، وأكبر وكالة أنباء واسمها (جيهان)، وأكبر جمعية رجال أعمال واسمها (توسكون)، وأكبر جمعية خيرية واسمها (هل من مجيب)، وما زالوا في سباق مع مسلسل (أفعل) التفضيل في كافة مجالات الحياة!!

وكجزء من نشاطهم العالمي، ركزوا على الولايات المتحدة الأمريكية، حتى وصل عدد الأنشطة التي أقاموها فيها إلى مائة وثلاثين نشاطا، منها بناء المدارس، حيث يوجد لهم 33 مدرسة في تكساس وحدها على سبيل المثال، بجانب مؤسسات لحوار الأديان والثقافات ومنتديات وصحف وقنوات فضائية (أبرو)، وجمعيات خيرية، وغيرها.

وقد أورد مسؤول الحوار في الولايات المتحدة بـ"تيار الخدمة" د.أحمد كورجان - في محاضرة له عن (الولايات المتحدة وتجربة العيش المشترك) - الكثـير من الحقائق والأرقام والمنجزات المدهشة، حتى أنني سألته: "هل يمكن أن تشكل هذه الأنشطة ما يشبه اللوبي - كما فعل خصومهم اليهود والأرمن في أمريكا - لخدمة القضايا التركية والإسلامية؟ فأجاب بتواضع جم قائلا: يجب أن نغتسل بماء زمزم سبع مرات قبل أن نقول: إن هذه الأنشطة يمكن تشكيلها كلوبي، لكنها مجرد أنشطة للحوار والتعارف والتعايش >[13] . [ ص: 165 ]

غير أن هذا التواضع لم يستطع أن يخفي تطلع الخدمة إلى أن تكون شيئا ذا بال، وفقا للقوانين الأمريكية، فقد ذكر د. كورجان ما يشير إلى ذلك، حيث قال: "نحن الآن نقطع الأشجار في أمريكا، والجيل الذي سيأتي بعدنا هو الذي سيقيم البناء"!

ويبدو استشراف السماء واضحا حتى في عناوين وأسماء المؤسسات التابعة للخدمة، وعلى سبيل المثال فإن من أكبر المجموعات العاملة في التربية والتعليم مجموعتان: الأولى تسمى (الفاتح) والأخرى (البرج)، وشبكة القنوات الفضائية المتنوعة عنوانها (درب التبانة)، وأكبر مستشفى يتبع الخدمة اسمه (سما).. إنه استشراف السماء والتطلع إلى الفردوس الأعلى!!

وهكذا، فإن جولن وتلامذته يردمون الفجوة بين (الكائن) و (الممكن)، بين (الإمكانات) و (المكانات)، حيث ينظرون إلى الواقع بموضوعية دون تهويل أو تهوين، ومن ثم ينطلقون للسيطرة على هذا الواقع والتحكم بمساراته، بحيث يساهم بكل (آلامه) في صناعة المستقبل (المأمول) وهندسة الغد المشرق.

التالي السابق


الخدمات العلمية