أخلاقيات التعامل الأسري في السيرة النبوية

الدكتور / عبد الله بن ناصر السدحان

صفحة جزء
6- حقوق الأقارب، من الكتاب والسنة.. وتعامل الرسول صلى الله عليه وسلم معهم:

الأقارب والأرحام تكاد تأتي بمعنى واحد، وإن كان هناك من يفرق بعض التفريقات الدقيقة، قال ابن الأثير: "ذوو الرحم هم الأقارب، ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب" >[1] . والأرحام عند الفقهاء - غير الفرضيين منهم - يراد بهم عند الإطلاق الأقارب. وهناك اختلاف في حد الرحـم، التي ينبـغي أن توصل بين الناس، فقيل: "كل رحم محرم، بحيث لو كان أحدهما أنثى والآخر ذكر حرمت مناكحتهما" >[2] . ومثال ذلك: الآباء والأمهات، والإخوة والأخوات، والأجداد والجدات وإن علوا، والأولاد وأولادهم وإن نزلوا، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات، ومن عدا هؤلاء من الأرحام فلا تتحقق فيهم المحرمية، كبنات الأعمام، وبنات العمات، وبنات الأخوال، وبنات الخالات.

وصلة الرحم هي: فعل كل ما يعد به الإنسان محسنا لقرابته ورحمه، فقد تكون هذه الصلة بالمال، أو بالجـاه، أو قضـاء حاجـة، أو بالزيارة والسلام، أو بالكتابة إن كان غائبا، أو بالتواصل الهاتفي المنتظم، كما تكون صلة الرحم [ ص: 152 ] بتقديم خدمة مما يعد من الإحسان بين الناس عامة، وبكل حال فهي تختلف باختلاف الواصل والموصول، وبالجملة هي "كناية عن الإحسان إلى الأقربين من ذوي النسب والأصهار والعطف عليهم والرفق بهم والرعاية لأحوالهم؛ وقطع الرحم ضد ذلك كله" >[3] . ولعل أدنى مراتب صلة الرحم هو إلقاء السلام لقوله صلى الله عليه وسلم : ( بلوا أرحامكم ولو بالسلام ) >[4] . فدل على أن أقل صلة الرحم هو السلام، سواء بشكل مباشر أم من خلال الكتابة، أو من خلال الهاتف.

ومن هنا نجد أن الإسلام لم يكتف بأن تكون علاقة العطف والرحمة والود قاصرة على الأسرة في نطاقها الضيق في حدود الأبوين والأولاد فقط، بل وسع دائرتها، حتى شملت كل قريب تصله بالإنسان علاقة نسب من جهة الأم أو من جهة الأب، وبهذا تمتد حبال الود وخيوطه لتصل إلى أماكن بعيدة في المجتمع المسلم. ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله يوصيكم بأمهاتكم ثلاثا، إن الله يوصيكم بآبائكم، إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب" >[5] .

ولقد أوصى الإسلام الإنسان المسلم بقرابته خيرا، كما أكد صلة الرحم ومودة ذوي القربى، وحذر من قطعها في مواطن شتى من القرآن [ ص: 153 ] الكريم والسنة النبوية، فيقول الله عز وجل في حق ذوي القربى: ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ) (النحل:90). "وهذه اللفظة - ( وإيتاء ذي القربى ) - تقتضي صلة الرحم، وتعم جميع إسداء الخير إلى القرابة.. وهذا المعنى المأمور به في جانب ذي القربى داخل تحت العدل والإحسان، لكنه تعالى خصه بالذكر اهتماما به وحتما عليه" >[6] .

وفيما يتعلق بالأرحام، يقول عز من قائل: ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) (النساء:1)، ويقول عز وجل: ( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب * الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق * والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب ) (الرعد:19-21). والمقصـود بوصـل ما أمر الله به أن يوصل: القرابات، كما ذكر ذلك عدد من المفسرين >[7] .

أما في السنة النبويـة فتتوالى الوصـايا من لـدن خـير البرية صلى الله عليه وسلم بصلـة الرحم، فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: ( أن أعرابيا عرض [ ص: 154 ] لرسـول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سـفر، فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها، ثم قال: يا رسول الله، أو يا محمد، أخبرني بما يقربني من الجنة وما يباعدني من النار؟ قال: فكف النبي صلى الله عليه وسلم ثم نظر في أصحابه ثم قال: لقد وفق أو لقد هدي، قال: كيف؟ قلت: قال: فأعاد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم ) >[8] ، فقد قرنها صلى الله عليه وسلم مع التوحيد، والصلاة، والزكاة التي هي أركان الإسلام. وليس هذا فحسب، بل عده صلى الله عليه وسلم من الموفقين والمهتدين أن سأل هذا السؤال، ولاشك أنه صلى الله عليه وسلم أجابه بما يحقق للسائل التوفيق والهداية وهي: عبادة الله عز وجل، والصلاة والزكاة، وصلة الرحم.

وكما حث الإسلام على صلة الرحم فقد حذر من قطعها بالوعيد الشديد والحرمان من الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم : ( لا يدخل الجنة قاطع رحم ) >[9] . وقطيعة الرحم من أسرع الذنوب تعجيلا بعقوبتها في الحياة الدنيا مع ما يجده من عقوبة في الآخرة، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من ذنب [ ص: 155 ] أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدخر له في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم ) >[10] . ولقد دلنا الرسول صلى الله عليه وسلم على إحدى الوسائل المعينة على صلة الرحم، وهي معرفة النسب ليتعرف درجة قرابته، ليبـدأ بصلتـهم، الأقرب فالأقـرب، وفق الحـديث السـابق ذكره. روى أبـو هريـرة رضي الله عنه أن رسـول الله صلى الله عليه وسلم قـال: ( تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر ) >[11] .

ومما ينبغي أن يعلم أن الواصل ليس بالمكافئ، والمكافئ هو الذي يصل من أرحامه من وصله، ولا يصل من يقطعه، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها ) >[12] . فليس الوصل لمن وصلك، بل حقيقة الوصل يكون لمن قطعك، ويوضح ابن حجر هذه المسألة بقوله: "المراد بالواصل في هذا الحديث الكامل، فإن في المكافأة نوع صلة، بخلاف من إذا وصله قريبه لم يكافئه فإن فيه قطعا بإعراضه عن ذلك، فلا يلزم من نفي الوصل ثبوت القطع، فهم [ ص: 156 ] ثلاث درجات: واصل ومكافئ وقاطع، فالواصل من يتفضل ولا يتفضل عليه، والمكافئ الذي لا يزيد في الإعطاء على ما يأخذ، والقاطع الذي يتفضل عليه ولا يتفضل. وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين كذلك يقع بالمقاطعة من الجانبين، فمن بدأ حينئذ فهو الواصل، فإن جوزي سمي من جازاه مكافئا" >[13] .

ومما تحسن الإشارة إليه في هذا الأمر مسألة اختلاف الدين بين الواصل والموصول، حيث لا تلزم المسلم الصلة حال كون من يرغب وصله كافرا، لقول الله عز وجل: ( لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون ) (المجادلة:22).

أما كون الصلة مع الأبوين فالأمر متعين على المسلم قولا واحدا فهي مطلوبة لقول الله عز وجل: ( وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) (لقمان:15). ويؤكد ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: ( إن آل أبي.. ليسوا [ ص: 157 ] بأوليائي، إنما وليي الله وصالح المؤمنين.. ولكن لهم رحم أبلها ببلاها ) >[14] . فيوضح الرسول صلى الله عليه وسلم أن وليه صلى الله عليه وسلم من كان صالحا وإن بعد منه نسبه، وليس وليه من كان غير صـالح وإن قرب منه نسبه. ويستفاد من هذا أن الرحم المأمور بصلتها والمتوعد على قطعها هي التي شرع لها ذلك، فأما من أمر بقطعه من أجـل الدين فيستثنى من ذلك، ولا يلحق بالوعيد من قطعه لأنه قطع من أمر الله بقطعه، لكن لو وصلوا بما يباح من أمر الدنيا لكان فضلا.

ولصلة الرحم آثار فورية في الحياة الدنيا، ومن ذلك ما ورد في الحديث الشريف وهو قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : ( فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر ) >[15] . ففي صلة الرحم زيادة في الرزق، وزيادة في العمر.. ومن أثار صلـة الرحم كذلك تخفيـف الشحـناء بين القرابات، فعن عمر بن الخـطاب رضي الله عنه أنه قال: "تعلموا أنسابكم، ثم صلوا أرحامكم، والله إنه ليكون بين الرجل وبين أخيه الشيء، ولو يعلم الذي بينه وبينه من داخلة الرحم لأوزعه ذلك عن انتهاكه" >[16] . فمعرفة العلاقة بين المتشاحنين [ ص: 158 ] تردعهم في الغالب عن استمرار العداوة، وطول المخاصمة، بل قد تفضي بهم هـذه المعرفة لما بينهـم من رحم إلى الصلح إن كان ثمة تخاصم، أو تحجز عن ظلم أن كان ثمة نية لابتدائه. ومن آثارها تقوية أواصر العلاقات الاجتمـاعية بين أفراد الأسـرة الواحدة، انطلاقا منها إلى تقوية تلك العلاقة في المجتمع ككل.

ولقد كانت هذه الصفة المحمودة، وهي صلة الرحم، مما يوصف به صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، ففي حديث السيدة خديجة، رضي الله عنها، عندما رجع من الغار أول لقائه بجـبريل، عـليه السـلام، فقالت مطمئنة له: ( كلا، والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق ) >[17] . واستمر هذا الخلق معه صلى الله عليه وسلم بعد البعثة، فهو من بعث ليتمم مكارم الأخلاق.

ومن مواقفـه صلى الله عليه وسلم في هـذا الأمر ما قام به من إعانة عـلى زواج اثنين من آل بيته الشريف؛ ففي الحديث الذي يرويه البخاري أنه ( اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد المطلب فقالا: والله لو بعثنا هذين الغلامين، قالا لي وللفضل بن عباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلماه، فأمرهما على هذه الصدقات، فأديا ما يؤدي الناس وأصابا مما يصيب الناس.. ثم تكلم أحدنا فقال: يا رسول الله، أنت أبر الناس، وأوصل الناس، وقد بلغنا [ ص: 159 ] النكاح فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات فنؤدي إليك كما يؤدي الناس ونصيب كما يصيبـون، قال: فسـكت طـويلا.. ثم قال: إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس، ادعوا لي محمية، وكان على الخمس، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، قال: فجاءاه، فقال لمحمية >[18] : أنكح هذا الغلام ابنتك، للفضل بن عباس فأنكحه، وقال لنوفل بن الحارث: أنكح هذا الغلام ابنتك، لي فأنكحني، وقال لمحمية: أصدق عنهما من الخمس، كذا وكذا ) >[19] .

ومن مواقفـه صلى الله عليه وسلم ، الدالة على حرصه على صلة رحمه وشفقته عليهم أنه لما أنزلت هذه الآية، وهي قول الله عز وجل: ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) (الشعراء:214)، دعا قريشا ( فاجتمعـوا فعم وخص، فقال: يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسـكم من النار، يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة، أنقذي نفسـك من النار، فإني لا أملك لكـم من الله شيئا، غير أن لكـم رحـما سأبلها ببلالها ) >[20] . فقـد أبان صلى الله عليه وسلم موقفـه معهم أنـهم [ ص: 160 ] لا يغني عنهم شيئا إن هـم لم يؤمنـوا بـهذا الدين، ولـكن على الرغـم من تكذيبهم فأنه أبـان، عليه الصـلاة والسـلام، أنه سيصل الرحم بحدها الشرعي فحسب.

ومن مواقفـه صلى الله عليه وسلم في صلـة الرحم استقباله لأخته من الرضاعة الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى لما استاقها الصحابة هي وزوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منصرفـه من غزوة الطائف، فإنها قدمت إليه وقالت له: ( يا رسول الله، أني أختك من الرضاعة.. فبسط لها رداءه فأجلسها عليه، وخيرها، وقال: إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك >[21] ، وترجعي إلى قومك فعلت، فقالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي، فمتعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وردها إلى قومها، وأعطاها غلاما له يقال له مكحول وجارية ) >[22] .

ومما تجدر ملاحظته هنا أن تعامله صلى الله عليه وسلم معها كان وهي لم تدخل الإسلام بعد، ثم أسلمت، رضي الله عنها، بعد ذلك.

أما ثمرات صلـة الرحم، التي يجنيها المسلم في دنياه وأخراه، فأبرزها أنها اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم ، كما أنها تقوي أواصر العلاقات الاجتماعية بين أفراد الأسرة الواحدة، ليعم المجتمع بكامله الترابط والتواد. [ ص: 161 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية