تطوير التعليم الشرعي (حاجة أم ضرورة)

الدكتور / محمد بن عبد الله الدويش

صفحة جزء
بين التعليم الشرعي والعلم الشرعي

ينتمي العلم الشرعي للكتاب والسنة، ويستمد من هذا الانتماء مكانة خاصة؛ فمحتواه هو كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما استنبط منهما، وأعان على فهمها، وهما حق لا يتطرق إليهما الشك أو الريبة، ولا يختلف حولهما، ودائرة الخلاف إنما هي منحصرة في دلالة النص وفهمه وما يتصل بذلك من عموم وخصوص، أو إطلاق وتقييد، أو إحكام ونسخ، أو في ثبوت نص السنة من جهة الرواية.

ولقد كان الخلل في التعامل مع النص الشرعي من أهم مداخل انحراف الفرق الضالة، مما ولد مساحة واسعة في النقاش والحوار حول منهجية التعامل مع النص الشرعي.

ومن هنا ارتبط الحديث عن التعليم الشرعي لدى فئة من المهتمين به بالحديث عن محتوى العلم الشرعي نفسه، أو عن النص الشرعي، وأثارت القلق كثير من الدعوات المعاصرة التي نادت بتطوير مناهج العلوم الشرعية، وتطوير أدوات التعليم الشرعي.

والقلق من الدعوات التطويرية له ما يبرره؛ بالنظر إلى مصادر تلك الدعوات، والسياق الذي صدرت فيه، وبالنظر إلى أن كثيرا منها لم يكن [ ص: 45 ] موضوعيا، لكن القلق لا ينبغي أن يمتد إلى عملية التطوير نفسها، ولا ينبغي أن يقود إلى إغلاق باب التفكير والتقويم.

وهذا يقودنا إلى أهمية الفصل بين محتوى العلم الشرعي وبين التعليم الشرعي؛ فمحتوى العلم الشرعي يتعلق بالنصوص الشرعية وما يتصل بها، أما التعليم الشرعي فهو عمل بشري.

ويستمد هذا العمل البشري قيمته من انتمائه للعلم الشرعي واتصاله به، لكن ذلك كله لا يخرجه عن كونه عملا بشريا.

إن التعليم الشرعي يتضمن عمليات عدة، منها:

- تنظيم محتوى العلم الشرعي، وأساليب عرضه، ويدخل في ذلك مناهج التأليف وأساليبه.

- طرق تلقي العلم الشرعي وتدريسه.

- العلاقة بين المعلم والمتعلم، وأدوار كل منهما في عملية التعلم.

- مناهج التعليم الشرعي وأنماطه، وبم يبتدئ المتعلم وينتهي؟.. إلخ.

وهذه العمليات كلها عمل بشري، لا يحوله انتماؤه للعلم الشرعي إلى دائرة العصمة وفقدان الحاجة للتطوير.

ويمكن أن نجد الأمر نفسه بصورة أوضح في تعليم القرآن الكريم تلاوة وحفظا؛ فالقرآن قد أجمع المسلمون قاطبة عليه، لا يختلفون في كلمة أو حرف منه، لكن وسائل ومناهج تعليمه قد تنوعت:

- فهناك الكتاتيب، التي يتعلم فيها الصبيان بطرق مختلفة. [ ص: 46 ]

- وحلق التحفيظ في المساجد.

- والمؤسسات والجمعيات.

- والدورات الصيفية المكثفة.

- والمدارس النظامية الخاصة بتحفيظه.

وكثير من هذه المناهج والبرامج ليست محل اتفاق بين القائمين على تعليم القرآن، وستبقى مجالا للأخذ والرد، والحوار والجدل ما بقي تعليم القرآن قائما.

والخلط بين محتوى التعليم الشرعي، وعمليات التعليم الشرعي، ليس قاصرا على المتحفظين على التطوير، فإن المتطرفين في المناداة بتطوير التعليم الشرعي كثيرا ما يتجاوزون المطالبة بتطوير التعليم الشرعي إلى الحديث عن تطوير المحتوى، ليس في تنظيمه فهذا عمل بشري، بل بما يقود إلى التحريف وتبديل الشريعة.

إن الفصل بين محتوى التعليم الشرعي المتسم بالثبات >[1] ، وبين ما يقبل التطوير من تطبيقات وأدوات وعمليات؛ إن هذا الفصل يعيننا على المراجعة والتقويم والتطوير دون أن يقود ذلك إلى خلل أو انحراف. [ ص: 47 ]

وارتباط المهتمين بالتعليم الشرعي بهذه الوظيفة الشرعية العظيمة لا يعني انتفاء القصور والخطأ عنهم، ولا يمنع من تقويم الواقع ونقدهم، وهذا التقويم لا يلزم منه إسقاط مكانتهم أو منزلتهم.

لقد جاء في كتاب الله عز وجل عن خير الناس أهل بدر قوله سبحانه: ( فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ) (الأنفال:1). وقوله تعالى: ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) (الأنفال:7).

وجاء عن أهل أحد: ( أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ) (آل عمران :165).

وعن أهل حنين: ( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ) (التوبة:25).

وقال صلى الله عليه وسلم عمن وصفه بأنه سيف من سيوف الله، قال: ( اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ) (رواه البخاري).

فالجهاد، من حيث هو، شعيرة إسلامية وحكم شرعي، لكن عمل المجاهدين عمل بشري، فنقدهم ليس طعنا في الجهاد، وتعظيم الجهاد لا يمنع من نقد واقع المجاهدين.

وهكذا الشأن في التعليم الشرعي، فهو عمل وممارسة بشرية. [ ص: 48 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية