تكامل الحضارات بين الإشكاليات والإمكانيات

الأستاذ الدكتور / عطا محمد حسن زهرة

صفحة جزء
1- الوجود الحضاري في الزمان:

لقد شهدت فترة ما بعد الحرب الثانية ظاهرة مميزة وهي بروز أيديولوجيتين مختلفتين: الليبرالية والشيوعية على خلفية الحضارتين الغربية والأرثوذكسية، كما يعتقد "فوكوياما Fukuyama". ولكل منهما إمكانات كبيرة، ما أتاح لهما قدرة واضحة على التقدم والتفوق. لكن الثانية أخذت تتراجع بعد عدة عقود، مع استمرار الأولى في التقدم، وبدا وكأنها تمثل أفضل صيغة للتطور الإنساني >[1] ، مقارنة ليس فقط بحضارة المجرفة الزراعية، وإنما أيضا بحضارة المنتجات الصناعية >[2] .

لكننا نعيش تحـولات حقيقيـة كـبرى من أهمـها انتهاء انفراد الحضـارة الغربيـة والدخـول في عهـد التعـدد الحضاري، وهـو تحـول على درجة كبيرة من الأهمية؛ لأنه بدونه لا مجال للحديث عن التكامل. وهـذا يمثل في الحقيقة أساسا للتفاؤل على المـدى البعيد، ليس فقط بالنسبة للعالم الغربي، الذي لا يتعـدى 4 أو 5% من سـكان العالم >[3] ، [ ص: 46 ] وإنمـا أيضا بالنسبـة للعالم ككل، لاسيما وأن هذا التحول سيقود إلى تفاعل حضاري سلمي.

ولأول مرة في التاريخ، تجتمع حضارات عديدة في فترة زمنية واحدة، ويكون لبعضها من الحضور والتأثير ما يفوق بكثير ما كان لمثيلاتها في العصور القديمة. وقد أوردها "هنتنجتون Huntington" في سياق افترض أن العلاقة فيما بينها هي علاقات صراعية >[4] . وأخذ يجري الحديث عن أشكال الصراعات المستقبلية.

غـير أن ردود أفعـال أخـرى دفعت باتجـاه تفعيل الحوار والتعايش بين الحضارات، رغبة في إبعاد العالم عن مخاطر الحرب والصدام، واستخدمت مفردات على درجة كبيرة من الأهمية كالترابط والتواصل والتعايش وغيرها. ففي ظل التواصل بين الأمم والشعوب، ونتيجة للمصير المشترك بين أبنائها، ولوجود مشكلات إنسانية أخذ يظهر الإحساس بضرورة تكاتف وتضامن المجتمعات البشرية للتصـدي لها والتغلب عليها حفظا لمستقبل البشرية >[5] . وما عقد من مؤتمرات وندوات في هذه الخصوص يظهر أهمية هذا الاتجاه. [ ص: 47 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية