تكامل الحضارات بين الإشكاليات والإمكانيات

الأستاذ الدكتور / عطا محمد حسن زهرة

صفحة جزء
1- أزمة الحضارة الغربية:

من المعروف أن الحضـارة الغربية تمـر منذ عقـود بأزمـة حقيقية، فهي في الوقت الذي تبلغ فيه الذروة في الرفاهية المادية، فإنها تصل إلى مستويات دنيا في "اللامعنى" و"قيم السوق" و"تقديس الوسائل". وقد دخلت منذ الربع الأخير من القرن الماضي مرحلة حرجة، ومظاهر ذلك عـديدة من بينها التمحـور حـول قيم التقنية، وفقـدان القاسم المشترك بين الحضارات >[1] . [ ص: 51 ]

فقد تم التمحور حول قيم التقنية، وفقدان التوازن الضروري بين الأفكار والأشياء، جراء طغيان الثانية على الأولى، بما يعني دخول المجتمعات الغربية مرحلة انطلاق الغرائز الدنيا من عقالها، لتعود بالإنسان إلى مستوى الحياة البدائية، وهي المرحلة الأخيرة من مراحل دورة الحضارة.

كما تم، في لحظة ما، فقدان القاسم المشترك بين الحضارات، وهو امتلاك الإجابات الحاسمة عن الغايات النهائية للإنسان. فالحضارة الغربية هي الوحيدة في التاريخ التي تجيب التساؤل عن معنى الحياة بـ "لا أعرف". وهي لهذا حضارة "اللامعنى"، كما أنها أسست فلسفة للوجود لا فلسفة للعمل. وبات التمحور اليوم حول قيم التقنية أكثر وضوحا في ظل العولمة الجديدة وقيم السوق.

إن ما أصاب الحضارة الغربية يختلف عما حدث للحضارات الأخرى السابقة، على أساس أن حجم الخسائر الداخلية، الناجمة عن تمحور الأفكار حول الأشياء لحظة أفول الحضارة، هو أكبر من حجم الخسائر الناجمة عن تمحور الأشياء حول الأفكار في حينه. ولهذا تعتبر مشكلات الغرب جوهرية، بخلاف مشكلات الأمم الأخرى، التي وصفت بـالطارئة، مما يعني وقوع الغرب وسط الحيرة وفقدان معـنى الحياة. فالحضـارة الغربية هي بذلك جسـد قائم بلا روح. وليس هناك ما يمنع انتقال الحضارة من الغرب إلى الشرق، عندما تتوفر الشروط اللازمة لذلك وفق دورة الحضارة التي تحدث عنها ابن خلدون >[2] . [ ص: 52 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية