ظاهرة التطرف والعنف (من مواجهة الآثار إلى معالجة الأسباب) [الجزء الأول]

نخبة من الباحثين

صفحة جزء
غياب العدل منبع التطرف

الدكتور سلمان بن فهد العودة >[1]

التطرف من أكثر الألفاظ إلحاحا على ألسن الكتاب والمثقفين والإعلاميين والساسة في هذا الوقت, خاصة بعد أحداث نيويورك وتداعياتها, وهي كلمة مولدة غير أصلية.

وعند ابن فارس: أن الطاء والراء والفاء أصلان؛ فالأول يدل على حد الشيء وطرفه, والثاني يدل على حركته فيه >[2] .

وتطرف الشيء صار طرفا >[3] .

والطرف الناحية والطائفة من الشيء >[4] .

ومن أقدم من ورد على لسانه لفظ التطرف ابن تيمية، رحمه الله، حيث يقول: "ثم إنه لسبب تطرف هؤلاء ..." >[5] . [ ص: 59 ]

وقال في المسودة: "من الناس من لا يحكي إلى القولين المتطرفين دون الوسط" >[6] .

ومصطلح التطرف في عصرنا الحـاضر أصبح فضفاضا واسعا, يدخل فيه ما قرب وما بعد, حيث إن المفهـوم لمصطلح ما في أي لغة هو عبارة عن ظـلال تلقيها عليه تجارب اجتمـاعية ومحـكات إنسـانـيـة وحـوادث طـويلة؛ تؤدي في النهاية إلى وظائف ومعارف مخصوصة لهذا المصطـلح في محيط بيئته, سواء أقرها المجتمع أو لم يقرها.

ومتاهة المصطلحات سبب وطيد للتباعد في المواقف، وتحول الحوار إلى نوع من الصراخ في قوم لا يسمعون، إذ إن التطرف هو محاولة للتعريف بحسب الموقع الذي يشغله المرء.

فـأنت إذا افـتـرضت نفسـك تعبيـرا عن الوسط، الذي هو رمز الاعتدال والتوازن والفضيلة، وهو مقام يتفق الجميع على نشـدانه وتطـلبه، فالفضـيلة وسط بين رذيلتين، كما كان يقـول "أرسطو" وهو الحسـنة بين السيئتـين وهـذا ما قرره علمـاء الإسـلام كالغـزالي وابن تيمـية وابن القيم وغيرهم، وهو أحد معاني الأمة الوسط في القرآن الكريم يقول سبحانه [ ص: 60 ] وتعالى: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) (البقرة:143)، قـال ابن عباس، رضي الله عنهما: جعلكم أمة عدولا؛

وقال علي، رضي الله عنه: خير الناس هذا النمط الأوسط، يلحق بهم التالي، ويرجع إليهم الغالي؛

إذا افترضت نفسك ممثلا لهذه القيمة الراقية "الوسطية" فأنت تحدد مواقع الآخرين تبعا لذلك، فهذا يمين، وهذا يسار، وذاك يمين اليمين، وذاك يسار اليسار، وهذا متطرف، وهذا غير متطرف.

ولنا أن نعتـبر هذا امتدادا للمبالغة في رؤية "الذات" وتقدير قيمتها واعتبارها ميزانا للحكم والتقدير، وربما محـاولة لرسم منهج تفكير الآخرين دون ترك الخيار لهم.

إن من الأشخاص من يوجد في نسيج تكوينهم العقلي والنفسي مبدأ التوازن والاعتدال، وهذه قيمة شريفة، ونعمة غالية، ولقد كان العلماء يجعلون الفضيلة العليا هي فضيلة العدالة التي تتمثل في التوافق والانسجام بين قوى النفس عن طريق العقل، فلا تبغي إحداها على الأخرى، فيكون ثمت توازن بين قانون العقل وحركة النفس.

وبإزاء هـؤلاء جبـل آخـرون على نوع من الحدة المتمثلة في تفوق صفة من صفـات النفـس عـلى غيرها، كصفة الغضب، أو صفـة الشهـوة، ويفتقد التوازن داخـل نظـام العقـل وحركة النفس، فأحيانا [ ص: 61 ] يكون العقل ذا سلطـة مستبدة على النفس، وأحيانا العكس، وفقدان التوازن هنا مؤهـل لصنع أنظمة غير وسطـية في مناهـج التفـكير والتربية، بل والعلم والمعرفة.

وهذا التكوين الفطري ذو علاقة وطيدة بنوع الاختيار العلمي والعملي الذي ينحو إليه المرء في غـالب الأحيان، ما لم يقـاومه ما هو أبلغ تأثيرا، وأعظم وقعا.

ونتيجة لهذا فإنك تجد اختيارات الإنسان وآراءه، وأنماط سلوكه وحياته متجانسة ؛ لأنها تخرج من مشكاة واحدة.

ولحسن الحظ فإن غالب الناس هم في دائرة الوسط والعدل، من حيث نظام التعامل الحياتي في أصل تكوينهم.. ودائرة الوسط ليست صيغة واحدة، لكنها إطار عام يحتوي طبقات عريضة من الناس.

ويبقى أن هذه الوسطية الفطرية التي يتحلى بها أكثر الناس ليست سوى مؤهل بقبول الحق والتأثر به والتسليم له، فهي نوع استعداد لا يفيد ما لم تنطبع عليه آثار الهداية الربانية.

ولهـذا جاء في الكتاب والسـنة تشبـيه الوحي بالمطر، وتشبيه النفس القـابلة للهـدى بالأرض الطيبـة، وأخـص من ذلك تشبيه القلب الخاشع بالأرض الحيـة، والقـلب الغـافل بالأرض الميتـة، قـال الله جـل شأنه: ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق [ ص: 62 ] ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ) (الحديد:16).

ثم عقب بقوله: ( اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون ) (الحديد:17).

قال ابن كثير في تفسيره: فيه إشارة إلى أن الله تعالى يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها...

وفي البخـاري ومسـلم وأحمـد، من حديث أبى موسى الأشعري، رضي الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ( مثل ما بعثنى الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشـربوا وسقـوا وزرعـوا، وأصـابت منها طائفة أخرى، إنما هى قيعان لا تمسـك ماء، ولا تنبت كلأ، فـذلك مثل من فقـه فى دين الله ونفعه ما بعثنى الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذى أرسلت به )

فيتحصل من هذا المعنى أن الاعتدال يقوم على ركنين:

الأول: الاتباع الصادق لما جاء عن الله ورسوله، وتحكيم الوحي في كل شاردة وواردة، وصغيرة وكبيرة. [ ص: 63 ]

الثاني: قـابلية المحـل لـذلك، بـكون المرء مستـعدا لذلك في تكوينه وجبلته.

فالوحي هو النور، والمحل القابل لذلك هو كالمشكاة التي ينبعث منها النور، ولذا قال الله سبحانه وتعالى: ( مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ) (النور:35)، على أحد الوجوه في تفسير الآية الكريمة >[7] .

والوحي هو المطر، والمحل القابل هو الأرض الطيبة المستعدة، كما في النصوص الأخرى.

وبهـذا يكون المعيـار هو الوحـي الرباني من الكتاب والسنة، والناطق بـهـذه الحجـة هـم أهـل الاعتدال من حمـلة الشريعة في كل زمان ومكان، وهـذا المعـنى ظـاهر في الحـديث المرسـل من طرق: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، وتحريف الغالين ) >[8] .

فهـذا النص ومثلـه كثـير، يكشف أن المهتدين بنور الكتاب والسنة مـن أهـل العـدل والإنصـاف والتوسـط هـم الجـادة التـي يرد إليها من نفر عنها. [ ص: 64 ]

وهكذا في سورة الفاتحة: ( الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) .

فـذكر الجـادة الـوسـط المستـقيمـة، وذكر ما يخـالفها ذات اليمـين وذات الشمـال من المغضـوب عليهـم والضـالين, وفيه إشارة إلى أهميـة قيام القـدوة العمـلية الحيـاتية لهذه الوسطية وأن لا تكون قيمة نظرية فحسب.

والغـلو بـكل صـوره وأشـكالـه هو الاستثنـاء الذي يعزز القاعدة ويؤكدها.

ولهـذا حـذر النبـي صلى الله عليه وسلم من الغـلو، كما في حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( بأمثال هؤلاء ) -وفي رواية: ( بمثل هذا فارموا"، يعني حصى الجمار- "وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) >[9] . [ ص: 65 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية