ظاهرة التطرف والعنف (من مواجهة الآثار إلى معالجة الأسباب) [الجزء الثاني]

نخبة من الباحثين

صفحة جزء
أولا: الدعوة إلى صياغة الخطة الفقهية (الاستراتيجية الفقهية) المعاصرة:

هذا المشروع المدعو إليه هو بمثابة الإطار النظري الفكري الجامع لمفردات الفقه الإسلامي وعلومه وأصوله ومقاصده وقواعده ومتعلقاته المختلفة ومشتملاته المتعددة، المدروس بمنهجية دراسية جامعية وموسوعية وتحقيقية وتنظيرية، تتضافر فيه الجهود وتتكامل فيه الأدوار (فقه الأجيال كلها)، ويستأنس فيه بعلوم العصر وتقنياته (المستحدثات العلمية والتقنية) ومستـجدات الإنتاج الحضـاري (فقه النوازل المعاصرة)، ويركز فيها على الجانب التطبيقي والعمـلي، الذي يهدف إلى إيجاد الحلول والبدائل للقضايا والنوازل (فقه البدائل)، ويوجه إلى جماهير الأمة وفئاتها ونخبها وأعلامها (فقه الأمة)، ولا ينـسى فقـه الأوطان والدول الوطنية (فقه المواطنة والمدنية)، كما يوجه إلى غير المسلمين ليعالج بعض القضايا العالمية في بعض المجتمعات الدولية (فقه العالم أو الفقه العالمي)، ومن هذه القضـايا العـالمية قضايا الأقليات والعرقيات (فقه الأقليات). وينبغي أن يدرس هذا المشروع العملاق بآليات يتكامل فيها العقلي والمنطقي والواقعي مع المطلوب الشرعي الديني والخلقي (فقه الأولويات، وفقه المآلات، وفقه الموازنات، وفقه التدابير والتقادير...). [ ص: 67 ]

وهذا المشروع يهدف إلى تكوين العقلية الفقهية المعاصرة المتأسسة على وفق المنظومة المعرفية الفقهية المتكاملة والمتناسقة التي تفهم الدين كما فهمه الأوائل وتتعامل مع الشرع وتنـزله كوحدة متكاملة (معرفيا ومنهجيا)، وليس كأجزاء متفرقة يعتنى فيها بجانب على حساب جانب آخر، كالعناية بالجانب الفرعي على حساب الجانب الأصولي، أو الجانب المقاصدي على حساب الجانب الظاهري واللغوي أو غير ذلك.

وتكوين هذه العقلية يشمل عقلية المجتهد والمفتي والقاضي، وعقلية القائم بأي نوع من أنواع الأداء الفقهي وفي أي مجال من مجالات العمل الشـرعي (كمجـال التربية والإعـلام والتدريس والإدارة والتخطيط...). كما يشمل تكوين هذه العقلية عقلية الإنسان المسلم المكلف على وجه العموم. ويتحدد هذا التكوين على وفق تخصصه ومجالات عمله ومختلف أدواره، وغير ذلك.

فكل هذه العقـليات ينبغي أن تتأسس على أسـاس هذه الخطة (الاستراتيجية) الفقهية الشرعية الحضارية المعاصرة المتكاملة والناهضة والبانية والواعدة، وذلك لتحصيل المنتوج المتناغـم والأثر المتكامل على صعيد الفعل والممارسة، بناء على الفهم السليم والعلم العميق.

ولست هنا بصدد تفصيل مسائل هذه الخطة ومحتوياتها النظرية ومسوغاتها ومبرراتها الشرعية والواقعية وآلياتها العملية ووسائلها العصرية وغير [ ص: 68 ] ذلك مما يجلي حقيقة هذه الخطة وماهيتها، فذلك متروك لمناسبة أخرى تقتضيها ظروفها ومبرراتها، وتمليها ضروراتها وحاجاتها المعرفية والمنهجية والواقعية، وإنما أود الإشارة في هذا السياق إلى أن هذه الخطة الفقهية ستكون بمثابة الإطار العلمي والثقافي العام في معالجة حالة العنف من خلال معالجة الجذور والأعماق والأسباب الحقيقية التي تؤدي إلى العنف، أو تغذيه وتنميه، أو تبرر وتسوغ له، أو تناصره وتؤيده، أو تسكت عنه ولا تبالي بخطره وضرره على صعيد الدين ورسالته، وعلى صعيد الأمة وشهودها، وعلى صعيد العالم وإعماره، وعلى صعيد القائمين بالعنف أنفسهم والذين قد يتضررون أكثر من غيرهم بحصول هذا العنف، بسبب ما يعود عليهم من أضـرار وأخطـار دنيوية وأخـروية، بدنية ونفسية وأسرية واجتماعية، فقـد يبوء أحـدهم أو بعضهم بإثـم كبائر الذنوب، كقتل نفس معصومة، أو حصول حالة من اليأس تؤدي إلى اليأس من الدين نفسه، أو إلى الخروج منه والكفر به، أو إفساد نسل أو حرث، أو إذاية (الغير) من غير موجب شرعي لذلك.

إن معالجة جذور العنف بموجب هذه الخطة يكون بمثابة المعالجة الإسلامية الشاملة التي تبني شخصية الإنسان المسلم بناء عقديا وعباديا وأسريا واجتماعيا وأخلاقيا وحضاريا شاملا، يتحقق عن طريق التعليم الديني الشامل والمتكامل والمنهجي والمدرسي والجامعي والمجتمعي والإعلامي [ ص: 69 ] والثقـافي، ويقـوم به المتخصصـون والخبراء والعارفون من العلماء المشهود لهم بالكفاءة العلمية والأخلاقية والتربوية والحضارية، والمدعمين معنويا وقانونيا ورسميا وماديا ومدنيا، والقادرين على حسن التعليم والتوجيه والتربية والبناء الحضاري والموازنة بين مختلف الحاجات والسياسات والمستجدات، والذين لهم أقدار من الموضوعية والاستقلالية وعدم مسايرة الأهواء الخاصة والعامة، وعدم الصدام مع الآخر، والسعي إلى الخطط الاتفاقية أو الوفاقية أو الخلافية غير الصدامية العنفية، وإيثار الروح الجماعية والتجميعية والتوفيقيـة على الروح التفريقية والتباعدية والتوترية والتناحرية التي تقدم الشدة على اللين أو العنف على الرفق، مع ورود ما يرجح اللين أو الرفق، ويدفع العنف والتشدد والعسر.

وحري بالقول: إن هذا التعليم الشرعي الديني الذي يقوم به أصحابه وأهله، ينبغي أن يقع في بيئة إنسانية وحضارية تتكامل فيها كل الأبعاد الثقافية والسياسية والاجتماعية في بناء الإنسان المتحضر وإقامة الحياة على الكرامة والعدل والحرية وتأسيس النظام العام والخاص على مبدأ حيازة الحق وأداء الواجب وتحقيق العيش الكريم والمعاش السعيد الذي تتكافأ فيه فرص الأقوات والأرزاق وتتنافس فيه الإرادات الخيرية والإنمائية وتتسع فيه فضاءات العمل الاجتماعي والإبداع المدني وتتصافى فيه النفوس وتتآلف فيه القلوب وتتضافر فيه الجهود وتتواصل فيه الأفراد والهيئات والمنظمات معرفيا [ ص: 70 ] واجتماعيا وأسريا، وغير ذلك مما يوجد البيئة الحضارية الدافعة إلى الإنتاج والنماء ، والمدفوعة بقوة إيمانها ورسوخ إرادتها للبناء والتعمير، والتي لا تدفع الأثمان الكثيرة ولا التكاليف الباهظة لإيجاد العنف أو التسبب فيه بإيجاد أسبابه الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدولية، أو تبريره والسكوت عنه، أو المبالاة به، أو لعدم معالجة آثاره ونتائجه وعدم تطويقه وتقليله أو منعه وسد مداخله وإغلاق مسالكه بالبدائل الحضارية والخيارات السياسية والصيغ التنموية والاقتصادية والحلول الاجتماعية، وبالمشروع الحضاري العام الذي يعالج الوضع برمته والمشكلة بكل متعلقاتها ومشتملاتها ومفرداتها وقضاياها.

التالي السابق


الخدمات العلمية