صفحة جزء
مكونات المجتمع

في كل شعب وأمة يوجد حـكمـاء وحمـقـى، جـادون وعـابثـون، عقلاء ومجـانين، علمـاء وجهـال، فإذا أراد الله بالأمـة خيرا صـار أمرها إلى ذوي العقل والحكمة فيها، وإذا أراد الله بها شرا استلم قيادها شرارها، فأوردوها المعاطب والمهالك.

والمال عصب الحياة قد يوجد بأيدي أهل السخاء والكرم فينتفع منه خلق كثير، وقد يكون بأيدي أهل الشح والبخل فلا يستفيد منه حتى صاحبه.

والأحنـف بن قيس حـكيم من حكماء العرب، يصفه بعض من رآه فلا نجد فيه صفة كمال ولا جمال، ولكنه يملك عقلا لا مثيل له، علما وحلما ودقة نظر، يقول في بعض جواهره: "لا يتم أمر السلطان إلا بالوزراء والأعوان، ولا ينفع الوزراء والأعوان إلا بالمودة والنصيحة ، ولا تنفع المودة والنصيحة إلا بالرأي والعفة" >[1] .

وعن هذه المشكاة يقول الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه : "لا إسلام إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمارة، ولا إمارة إلا بطاعة" >[2] . [ ص: 52 ]

سؤال: من أين للأحنف ولعمر رضي الله عنه هذا الفقه الرائع؟

جواب: بعضه من صفاء الفطرة والبعض من التعلم، فمن المعروف أن قبيلة عمر رضي الله عنه في الجاهلية كانوا يقومـون في السفـارة بين القبائل فيصلحون ما فسد من العلاقات، وهذا العمل يتطلب معرفة جيدة، وإلا عجز الإنسان عن الإصلاح، وبعد ذلك وفوق ذلك قول الله تبارك وتعالى: ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) (البقرة:282)، إن عمر رضي الله عنه ذلك العبقري كان تلميذا جيدا لصاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم ، فلا عجب إن صدر عنه ما صدر.

وما دمنا في "الحكم"، وتراثنا مشحون بها شحنا، فلا بأس أن نذكر ولو بعضا من هذه الجواهر.

لقد ذكر أبو حيان التوحيدي في موسوعته الرائعة "الإمتاع والمؤانسة" وهي اسم على مسمى، وقد قام الكاتب المعروف أحمد أمين بتحقيق الكتاب وضبطه فأجاد وأفاد، يقول أبو حيان >[3] : جاء رجل حاتم الزاهد بنميمة، فقال له: يا هذا، لقد أبطأت عني ثم جئت بثلاث جنايات: بغضت إلى حبيب، وشغلت قلبي الفارغ، وأعلقت نفسك التهمة، وأنت آمن.

قضية صغيرة يتداولها وتناولها أكثر الناس، يذكرون الناس بالشر، وينقلون أمورا سيئة تفسد العلاقات الإنسانية، يستصغرها الناس، فيسقطون بها، وقل من ينجو منا، ولكن هذا الزاهد الكبير أراد أن يلقن هذا النمام وكل من على شاكلته درسا قاسيا، فجعل للنميمة ثلاث جنايات، أولها كره ذلك الذي [ ص: 53 ] نقل عنه الكلام، وإشغال نفس من سمع بما سمع، وحصول التهمة لذلك الناقل؛ ورب كلمة تقول لصاحبها: "دعني".

ومن هذه المشكاة يقول يحيى بن معاذ >[4] : "العلم قبل العمل، والعقل قائد الخير، والهوى مركب المعاصي، والمال داء المتكبر".

كلام فيه رائحة الوحي، أليس كذلك؟!

وهذا الثوري يتعوذ من أمور فيقول >[5] : "نعوذ بالله من فتنة العالم الفاجر، وفتنة القائد الجاهل".

فالعالم الفاجر يمكن أن يحل الحرام، أو يحرم الحلال، ثم يفلسف ذلك ويعرضه بثوب جميل.

أما القائد الجاهل فيورد أمته الهلاك، يسوقها لحرب لا يعرف لها هدفا، ويشتري عداوة أقوام هو في غنى عنها، ويبذر أموال الأمة، وهي بحاجة إلى القروش القليلة، إنه فاجعة تنزل على الأمة، وقد يخرج هو منها سليما معافى، والشكوى لله أولا وأخيرا.

ولعل من أجمل ما قاله الثوري: "العالم طبيب الدين، والدراهم داء الدين، فإذا اجتر الطبيب الداء إلي نفسه، فمتى يداوي غيره؟" >[6] . [ ص: 54 ]

نعم العلم طب الدين والحياة، وأما المال - في بعض استعمالاته - فداء ومرض، ولا أدل على ذلك من قول الحق تبارك وتعالى: ( واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة ... ) (الأنفال:28)، ويتكرر هذا المعنى في سورة التغابن (الآية:15)، فإذا دخل حب المال سويداء القلب وسيطر على الإنسان، فإنه يصـبـح مثل جهـنم لا يشبـع، ويظل يصـرخ: هل من مزيد، فإذا صار للمال هذه القوة والسلطان، صار الإنسان عبدا وخادما له، يجمع ولا يبالي من أين يجمـع، فيفسـد دينه ويفسد حياته، وصدق صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم وهو يذم هذا النفر فيقول: ( تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة... ) >[7] ، وما أكرم الإنسان وهو مترفع، يجعل المال خادما له ولأهله وبلده، وما أشقاه وأتعسه، وقد صار عبدا للمال، وسخر نفسه وكل قواه لجمعه، دون أن ينظر من الحلال أم الحرام أخذه.

ومثل هذا يحتاج لطبيب نفسي يعالجه، فكيف يكون طبيبا ومعالجا، وفاقد الشيء لا يعطيه؟!

وقد جمع شاعر بعض هذه المفارقات فقال:

لا خير في وطن يكون المال عند بخيله

والسيف عند جبانه

والحكم عند دخيله [ ص: 55 ]

وقد استتب قليله بكثيره

ظلما وذل كثيره لقليله

مأساة كبيرة، وخلل في الحياة، ليس فوقه خلل، وكارثة بحكم زلزال مدمر، نسأله تعالى العافية.

جاء رجل يستشير محمد بن أسلم، فقال: "لي بنت أريد أن أزوجها، فمن تشير؟ قال: لا تزوجها عالما مفتونا، ولا كاسبا كاذبا، ولا عابدا شاطا" >[8] .

وأختم هذا الحديث بمقولة لحاتم الزاهد، إذ يقول: إذا رأيت من أخيك عيبا، فإن كتمته عليه فقد خنته، وإن قلته لغيره فقد اغتبته، وإن واجهته به فقد أوحشته.

سؤال: لقد وجه السؤال لحاتم: ما العمل وكيف أصنع؟

فقال: تكني عنه، وتعرض به، وتجعله في جملة الحديث.

حكم؛ أرجو أن لا يقول البعض: لـقـد شبعنـا مـن الحـكم والمـواعـظ، وما ينقصنا هو حسن التطبيق، فاجعل اللهم ذلك من نصيبنا. [ ص: 56 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية