صفحة جزء
في مصادرة التراث

التراث قوة معنوية، ربما كان مصدرها قناعة الأمة به، وبالحاجة إليه، لذا يكون من السذاجة بمكان أن يتصور أحد أنه يمكن شطب التراث بقرار سياسي أو غيره، والذين يحاربون التراث سيجدون أنفسهم في مواجهة مع الأمة، كما سيجدون أنفسهم خارجها وبعيدا عنها.

وقد وجدت خاتمي يسترسل في شرح ذلك فيقول >[1] : "... لا يمكن مصـادرة التـراث، أو القـضـاء علـيـه بـقـرار يصـدره أهل الفكر أو السياسة؛ لأن التراث أعمق بكثير من ذلك، ولذا لا يقضى عليه بهذه السهولة، ونظرا لتأصله وتجذره في أعماق روح الأمة والمجتمع، فإن الصراع غير المدروس معه، من الممكن أن يقود إلى مضاعفة المعضلات الاجتماعية.. إذن لا يمكن القضاء على التقليد بسهولة، كما لا ينبغي أن نقدم على مثل هذا العمل الخطير دون دراسة، إذ لا بد من النظر إلى التراث باعتباره أحد الأسس الأصلية لهويتنا التاريخية، وعلينا أن لا نفرغ المجتمع من هويته بذريعة التحديث، وهذا لا يعني التسليم التام مقابل التراث، لأن التراث؛ كالحضارة شأن بشري يستحق التغيير". [ ص: 60 ]

فالتراث يمثـل جهد الإنسان، ولأن الإنسان ليس كاملا ولا معصوما، ولذا فما ينتجه لن يكون معصوما من الخطأ، لكن وفي نفس الوقت لن يكون كله خطأ في خطأ، كما يريد البعض أو يشتهي، لذا ليس مصيبا من يعتبر كل ما في التراث نافعا ومفيدا يجب التمسك به، ولا من يريد حرقة كله بحجة التحضر والتقدم، والدخول في حضارة اليوم.

هذه اليابان تحضرت وتقدمت دون أن تتنكر لتراثها، ولا إلى لغتها، وهي من أصعب لغات العالم.

سألت يوما أستاذا جامعيا يابانيا - كان يدرس في جامعة الملك سعود-: يقال إن في لغتكم أكثر من ثلاثة آلاف بين حرف وصورة، وإن ضبط "الإملاء" من المعضلات؟! فتبسم الرجل وقال: بل الموجود يزيد على عشرة آلاف.. ومع ذلك فالياباني من أكثر الناس تمسكا بلغته وعاداته.. وهذه إسرائيل، حين قامت نبشت القبور لتخرج منها اللغة العبرية الميتة، ولتجعلها اللغة الرسمية لها، أما التراث اليهودي، حتى العنصري منه فقد أحيته، واليوم يدرس الشاب اليهودي ما قاله ملك العنصرية "موسى بن ميمون" الأندلسي، قبل قرون، وهو المعتمد في الدراسة، فهل يكفي ذلك بعض أبنائنا أم على القلوب أقفال وأقفال؟!

أنتقل إلى "الهم" الثقافي، فحين نهضت أمتنا، طلب الكل العلم، من الوزير إلى العبد والجارية، وسجل تاريخنا الثقافي وقائع تصور ذلك "العشق" للعـلم وأهـلـه، ليـس مـن الـكبار بـل من الصبيان أيضا، فهذا أحدهم وهو [ ص: 61 ] ابن ست سنين يكتب الحديث، ويتنقل بين العلماء، ويجلس للتعلم قبل أن تنبت شعرة في وجهه.

يذكر الذهبي في ترجمته "للإسماعيلي" >[2] : أنه ولد عام سبع وسبعين ومئتين، وكتب الحديث بخطه وهو صبي صغير، قال في معجمه: كتبت في صغري "الإملاء" بخطي في سنة ثلاثة وثمانين ومئتين، ولي يومئذ (ست سنين)، ونقل من سمع منه أنه لما ورد نعي محمد بن أيوب الرازي، قال: بكيت وصرخت، ومزقت القميص، ووضعت التراب على رأسي، فاجتمع علي أهلي وقالوا: ما أصابك؟ قلت: نعي إلي محمد بن أيوب الرازي، وقد منعتموني الارتحال إليه، فأذنوا لي في الخروج إلى (نسا) حيث الحسن بن سفيان.

يقول الإسماعيلي: ولم يكن هاهنا شعرة، يشير إلى وجهه.. وقال: خرجت إلى العراق سنة ست وتسعين، في صحبة أقربائي، أي حين كان عمره ست عشرة سنة، وسمعه حمزة السهمي يقول: كتبت بخطي عن أحمد الدامغاني إملاء في سنة ثلاث وثمانين، أي حين كان ابن ست سنين.. قال حمزة السهمي: سألني الوزير أبو الفضل جعفر بن الفضل ابن الفرات بمصر عن الإسماعيلي وسيرته وتصانيفه، فكنت أخبره بما صنف من الكتب، وبما جمع من المسانيد، وتخريجه على "صحيح البخاري"، وجميع سيرته، فتعجب من ذلك، وقال: لقد رزق من العلم والجاه والصيت الحسن.. وكان حمزة يقول: لقد كان الإسماعيلي مقدما في جميع المجالس، وكان إذا حضر مجلسا لا يقرأ غيره". [ ص: 62 ]

إن أمة يكتب صبيانـها، ويجـلس للعـلـم والإمـلاء شبابـها، ويسأل وزيرها في مـصـر عـن عـالـم في طـاشـقـنـد، هـذه الأمـة أخـذت الـقـيـادة عـن جـدارة ولم يتصدق بها أحد عليها.

كنت أحدث طلبتي عن طالب علم اسمه "أسد بن الفرات"، أحب العلم فرحل من القيروان إلى المدينة، ليتلقى العلم من عالمها مالك بن أنس، رضي الله عنه، فلما استوعب ما عنده سأل: أين أجد العلم الذي أريد، فأشار الناس عليه أن توجه إلى بغداد، فرحل وحل في بغداد فوجد محمد الحسن الشيباني تلميذ أبـي حنيفـة، وحـامل علمه، يقول أسد: جلست في الحلقة، وإذا عدد الطلبة كثير، فراح يشكو إلى أستاذه وشيخه قائلا: أنا رجل غريب، والطلبة حولك كثير، فماذا أعمل؟ يرد محمد بن الحسن: تجلس مع العراقيين نـهـارا، وأجـعـل لك الليـل وحـدك، يقـول أسـد: فإذا أطـل الليـل توجـهـت إلى دار الشيـخ فـيـحـضر ويـضـع بـين يـديـه إنـاء فيـه مـاء، فـإذا درسـت وتعبت ونعست، نضح وجهي بالماء، فمازال ذلك دأبه ودأبي حتى أتيت على ما عنده من العلم.

أقول لطلبتي مازحا: أريد طالبا كأسد بن الفرات اليوم، فيردون: شرط أن تجد لنا مدرسا كمحمد بن الحسن.

ذهب الزمان بحاتم وبرهطه، والشكوى لله تعالى وحده. [ ص: 63 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية