إدراك الواقع وأثره في ضبط الفتوى (الفتوى الاقتصادية نموذجا)

الدكتور / محمد محمود الجمال

صفحة جزء
الفرع الثالث: تعريف فقه الواقع:

اجتـهـد كثير من المعـاصرين في تعريف فقه الواقع، وأبرز هذه التعاريف ما يأتي:

عرفه د. ناصر العمر، بأنه: "علم يبحث في فقه الأحوال المعاصرة من العوامل المؤثرة في المجتمعات والقوى المهيمنة على الدول، والأفكار الموجهة لزعزعة العقيدة، والسبل المشروعة لحماية الأمة، ورقيها في الحاضر والمستقبل" >[1] . بيد أنه حصره في إطار ضيق، والواقع أعم من ذلك وأشمل.

وعرفه د. مصطفى مخدوم، بأنه: "فهم أحوال الناس والوقائع المعاصرة والأحداث الجارية، سواء كانت عامة أم خاصة، بمعرفة حقيقتها وأسبابها وآثارها ووسائل حماية المجتمع من أضرارها"

>[2] . وفهم الأمور، التي ذكرها هي فهم للواقع لا فقه الواقع . [ ص: 15 ]

وعرفه عمر عبيد حسنه، بأنه: "النزول إلى الميدان وإبصار الواقع، الذي عليه الناس، ومعرفة مشكلاتهم ومعاناتهم واستطاعاتهم وما يعرض لهم، وما هي النصوص، التي تتنزل عليهم في واقعهم، في مرحلة معينة، وما يؤجل من التكاليف لتوفير الاستطاعة، إنما هو فقه الواقع" >[3] . والحق أن تنزيل النصوص إنما هو ثمرة العمل بفقه الواقع.

وقال القرضاوي: "فقه الواقع مبني على دراسة الواقع المعيش، دراسة دقيقة مستوعبة لكل جوانب الموضوع، معتمدة على أصح المعلومات وأدق البيانات والإحصاءات" >[4] . وبهذا فقد جعل دراسة الواقع أساسا لبناء فقه الواقع، وهذا صحيح، لكن ما هو فقه الواقع؟

وعرفه الألباني، بأنه: "هو الوقوف على ما يهم المسلمين مما يتعـلق بشؤونهم أو كيد أعدائهم، لتحذيرهم والنهوض بهم واقعيا لا نظريا، أو انشغالا بأفكار الكفار وأنبائهم... أو إغراقا بتحليلاتهم وأفكارهم" >[5] . والوقوف على ذلك لا يتأتى إلا بإدراك الواقع، وفهمه وتحليله حتى يمكن تنزيل النص عليه . [ ص: 16 ]

وعلى ذلك: نستطيع أن نعرف فقه الواقع، بأنه: "العلم بحقائق الأشياء، وعلاقات الأفراد بالقدر، الذي يمكن الفقيه من تصور محل الحكم".

والمقصود بالعلم: هو الإدراك والمعرفة، الذي يشمل اليقين والظن.. ويقصد بالظن: الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض.

والمراد بحقائق الأشياء: جوهرها وكنهها وصورتها كما هي عليه.

والمراد بالأشياء: ما لها وجود مثبت متحقق، وهذا يشمل الإنسان والحيوان والجماد، وسائر الماديات وعلومها.

وبهذا يكون المعنى المقصود بفقه الواقع هو: إدراك جوهر الأشياء والظواهـر، وطبـائـع العـلاقـات بين البشر، أيا كان مـوضـوعـهـا، اجـتـمـاعـيـة أو اقتصادية أو سياسية...إلخ، وذلك بالقدر الذي يمكن الفقيه من تصور المسألة محل الحكم، أما ما وراء ذلك فليس واجبا عليه إدراكه بل يبقى وجوبه على المتخصصين والعلماء في تلك الفنون من ناحية فرض الكفاية.

روى أبو هريرة >[6] رضي الله عنه قال: ( بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت.. قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي [ ص: 17 ] وأنا صائم.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا.. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا.. فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا.. قال: فمكث النبي صلى الله عليه وسلم .. فبينا نحن على ذلك أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيها تمر-والعرق المكتل- قال: أين السائل؟ فقال: أنا.. قال: خذها فتصدق به.. فقـال الرجـل: أعـلى أفـقـر مني يا رسول الله؟ فو الله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي.. فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك ) >[7] .

ويلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستقص في السؤال، بل اكتفى بالتعرف على واقع الرجل بالقدر، الذي يفيد في التصور المطلوب للحكم دون زيادة، فلم يسأل عن عمله، وعدد أولاده، وسبب فقره، وصنعته، وعدد الفقراء في المكان... الخ، بل ولم يطلب منه توثيقا على ما يقول.

ومن هنا، أحسنت المجامع الفقهية صنعا حين وضعت مع الفقهاء خبراء في سائر التخصصات حتى يساعدوا الفقهاء في تصور القضية محل الدراسة.

وعلى ذلك: فلا مناص من اجتهاد جماعي، يجمع إلى الفقهاء جماعة مـن العدول، أولي علم بشؤون الدنيا في مجالاتها المختلفة، اجتماعية، اقتصادية، وسياسية... الخ. [ ص: 18 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية