إدراك الواقع وأثره في ضبط الفتوى (الفتوى الاقتصادية نموذجا)

الدكتور / محمد محمود الجمال

صفحة جزء
المطلب الثالث

الدبلوماسية النبوية

نشأت الدبلوماسية كوسيلة اتصال بين الجماعات السياسية المتجاورة منذ القدم، إلا أنها لم تكن منتظمة بل كانت ترتب تبعا للحاجة، والنبي صلى الله عليه وسلم تواصل مع الملوك والرؤساء في عصره مما يدل على إدراكه صلى الله عليه وسلم لواقع عصره في مجال العلاقات الدولية.

فعرفت دولة النبوة التمثيل الدبلوماسي على نحو قريب لما هو عليه الآن، واتفقت المصادر التاريخية على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رسلا من أصحابه، وكتب معهم كتبا إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام،

فبعث دحية بن خليفة الكلبي >[1] إلى قـيـصر، مـلك الـروم،

وبـعـث عـبـد الله بن حـذافـة السـهـمي >[2] إلى كسرى، ملك فارس، [ ص: 69 ]

وبعث عمرو بن أمية الضمري >[3] إلى النجاشي، ملك الحبشة،

وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس، ملك الإسكندرية،

وبعث عمـرو بن العاص >[4] إلى جيفر وعياد ابني الجلندى الأزديين، ملكي عمان،

وبعث سليط بن عمرو بن لؤي >[5] ، إلى ثمامة بن أثال،

وهوذة بن علي الحنفيين، ملكي اليمامة >[6] . [ ص: 70 ]

ويـمكننا تـحديد التاريخ، الـذي انطـلـق فيه سـفـراء الرسـول صلى الله عليه وسلم ، وذلك بـما أخرجه ابن سعد في الطبقات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ست أرسل الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام وكتب إليهم كتبا. فقيل: يا رسول الله إن الملوك لا يقرأون كتابا إلا مختوما. فاتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ خاتما من فضة. فصه منه. نقشه ثلاثة أسطر: محمد رسول الله. وختم به الكتب. فخرج ستة نفر منهم في يوم واحد. وذلك في المحرم سنة سبع. وأصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم، الذين بعثه إليهم >[7] .

وقد اتسمت الرسائل والوثائق النبوية بالبلاغة والدقة والوضوح والاختصار والموضوعية، وكانت تضم بعض الآيات القرآنية، وكان السفراء يحترمون تقاليد وأعراف الدول، التي يوفدون إليها ولا يخرجون عنها، إلا إذا تعارضت مع أحكام الدين، كعادة السجود للملوك، التي كانت شائعة وقتئذ >[8] ..

وقد تباينت ردود هؤلاء الملوك على رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرد اللطيف كالمقوقس عظيم القبط والذي قال للرسول: أنت حكيم، جاء من عند حـكيم، هـذه هـدايا أبعث بـها معك إلى محمد >[9] ، وهرقل عظيم الروم، [ ص: 71 ] وملك الحبشـة، وبين الرد القبيـح كـكسرى مـلك الفرس، الذي مزق الكتاب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه ذلك: ( مزق الله ملكه، إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ) >[10] .

كما استقبل الرسول، عليه الصلاة والسلام، رسل المشركين وكانوا يعاملون معاملة السفراء، لهم الأمان والضمان بالعودة سالمين، وقد أعد صلى الله عليه وسلم عددا من دور المدينة لإنزال الوفود بها، منها دار رملة بنت الحارث النجارية، وهي دار واسعة، وفيها نخيل وزروع، وقد نزل بها وفد [ ص: 72 ] سلامان، ووفد تـميم ابن عيينة بن حصن، ووفد بني كلاب، ومنها دار المغيرة بن شعبة >[11] ، ونزل بـها الأخلاف من ثقيف، ومنها دار أبي أيوب الأنصاري >[12] ونزل بها وفد نجران، ومنها دار يزيد بن أبي سفيان >[13] ، ونزل بها وفد همدان، ومنها دار بلال، وقد نزل بها ملك أيلة حين قدم مع أهل الشام واليمن >[14] .. وقد اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم قبة في المسجد النبوي يستقبل فيها الوفود، وجعل خالد بن سعيد بن العاص >[15] لاستقبالهم >[16] ، [ ص: 73 ] وتيسير معاشهم مدة إقامتهم، وإكرام وفادتهم، ففي طبقات ابن سعد أن وفد بني حنيفة نزلوا دار رملة فأكلوا مرة خبزا ولحما، ومرة خبزا ولبنا، ومرة خبزا وسمنا >[17] .

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم حين يلتقي بالوفد يلبس أحسن ثيابه، ويأمر أصحابه بذلك، فقد لبس صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يوم استقبال وفد كندة حللا يمانية، وكانت عادته بعد استقبال الوفد، أن يستمع منه أولا >[18] .

وكان صلى الله عليه وسلم يهدي للوفود، فقد أهدى النبي صلى الله عليه وسلم لرسول فروة بن عمرو الجذامي >[19] اثني عشر أوقية ونصف الأوقية من الفضة، وأعطى كل واحد من وفـد تميم ذلك، وفعل ذلك مع كل من وفد عليه. وكان يحسن توديع الوفود [ ص: 74 ] كما يحسن استقبالهم >[20] . روى البخاري بسنده عن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى عند موته بثلاث، منها ( أجيزوا الوفود بنحو مما كنت أجيزهم ) >[21] .

وهكذا وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم سياسة حسنة في التعامل مع رجال الوفود، التي قدمت إليه في المدينة المنورة؛ لأن كل وفد يمثل قبيلته وجماعته، فتقدير الوفد وتكريمه يعد تكريما للقبيلة كلها >[22] .

هـذا، ولم يقـصر النبي صلى الله عليه وسلم صفة المفاوض الدبلوماسي على ممثلي المـلـوك، بل شمل مبعوثـي مسيلمـة الكذاب: ابن النواحة >[23] ، وابن آثال >[24] ، [ ص: 75 ] وكان معهما رسالة من مسيلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، نصها: "من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسـول الله، سـلام عليك. أما بعـد؛ فـإني قـد أشـركت في الأمر معـك، وإن لنـا نصـف الأرض، ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم لا يعدلون".

فلمـا سمع رسـول صلى الله عليه وسلم ذلك قال: ( فما تقولان أنتما؟ ) قالا: نقول كما قال.

قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو كنت قاتلا رسولا، لضربت أعناقكما ) >[25] ، ثم كتب إلى مسيلمة رسالة نصها:

( من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى. أما بعد؛ فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ) >[26] .

هذه هي معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لمبعوثي الأعداء وحاملي رسائلهم؛ احتـرام وصيانة وأمن لأرواحهم، مهما بدا منهم من الوقاحة والبذاءة >[27] . [ ص: 76 ]

كما ألزم الرسـول صلى الله عليه وسلم السفـير بتأدية الأمـانة، فعن أبي رافـع >[28] أنه أقبـل بكتاب من قريش إلى رسـول الله صلى الله عليه وسلم ، قـال : فلما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وقع في قلبي الإسـلام، فقـلت: يا رسـول الله، إني والله لا أرجـع إليهـم أبدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجـع إليهم، فـإن كان في قلبـك الذي في قلبـك الآن فارجع ) قـال أبو رافـع: فرجعـت إليهم، ثـم إني أقبلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأسلمت >[29] .

وقـد أدرك العرب أهمية الصـفات الجسـمانية للسفراء فكانوا يستحـسنون في السفير تمام القدر واعتدال الطول وعبالة الجسم وحسن الـرداء، أما عن الصفـات الخلقـية فيجب أن يكون السفير على درجة عالية [ ص: 77 ] من سـداد الرأي ونـفاذ البصيرة وحصـافـة العقل، والإقدام والفصاحة والذكاء والأمانة >[30] .

قال الجاحظ

>[31] : "ومن الحق على الملك أن يكون رسوله صحيح الفطرة والمزاج، ذا بيان وعبارة، بصيرا بمخارج الكلام وأجوبته، مؤديا لألفاظ الملك ومعانيها، صدوق اللهجة، لا يميل إلى طمع ولا طبع، حافظا لما حمل. وعلى الملك أن يمتحن رسوله محنة طويلة، قبل أن يجعله رسولا" >[32] .

ولذا اختار النبي صلى الله عليه وسلم رسله بعناية، فدحية مثلا كان من أجمل الناس صورة، وكان جبريل ينزل أحيانا على صورته، وقد قيل فيه: كأن على وجهه مسحة ملك. وأما "عمرو الضمري" >[33] فهو معدود في رجالات العرب جرأة وشجاعة ونجدة. وأما عمرو بن العاص، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدنيه ويقربه [ ص: 78 ] لمعرفته وشجاعته، وقد ولاه غزوة ذات السلاسل وأمده بأبي بكر وأبي عبيدة ابن الجراح، ثم ولاه عمان فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليها >[34] .

مما سبـق يـمكن الـوقـوف على أبرز مظـاهـر إدراك النبـوة لـواقـع العـصر في العلاقات الدولية فيما يأتي:

أولا: تعميم الرسل والسفراء لجميع الشعوب؛ ولهذا أرسل النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم ستة سفراء في غداة واحدة، وأتبعهم بآخرين، فكانت رسله شاملة لجميع الأمم المحيطة بالعرب من جميع الجهات، وشاملة لجميع رؤساء العالم، وقد مثلت هذه البعوث منعطفا كبيرا ومعلما بارزا في تاريخ الإنسانية إذ جعلت الإسلام وأمته الشغل الشاغل للعالم أجمع.

ثانيا: الاختيار المناسب للرسل، الذين أوفدهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى عظماء عصره لأداء رسالته، فقد اختارهم من السابقين إلى الإسلام، الراسخين في معرفته، المشهود لهم بالفضل، ووفور العقل، وطلاقة اللسان، وقوة الحجة والبيان، والمعرفة بالبلاد، التي أرسلوا إليها ولغاتها.

ثالثا: إقـراره صلى الله عليه وسلم للصفـة، الـتي منحتها الأمم والشعوب لقادتها ومخاطبتهم بها دون تحقير أو ازدراء، ومن استعراض الكتب النبوية وجدنا أنه قد خاطب هرقل بقوله صلى الله عليه وسلم : ( من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم ) [ ص: 79 ] وخاطب كسرى بقوله صلى الله عليه وسلم : ( من محمد بن عبد الله إلى كسرى عظيم الفرس ) وإلى النجاشي بقوله: ( من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة ) وإلى المقوقس بقوله: ( من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط )

وقد حملهم مسؤولية شعوبهم، ونبههم إلى خطورة دورهم في الهداية والضلالة لمن يسوسونهم ويتولون أمرهم.

رابعا: حافظ رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما كان سائدا في عصره من معاني الخير والإنسانية في العلاقات، فكان يستقبل الرسل وهم له مكذبون، ويؤمنهم على أنفسهم وأمتعتهم بل وينزلهم ويكرمهم >[35] . [ ص: 80 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية