إدراك الواقع وأثره في ضبط الفتوى (الفتوى الاقتصادية نموذجا)

الدكتور / محمد محمود الجمال

صفحة جزء
الفرع الثاني: الاقتطاع من الفائض التأميني لمواجهة مخاطر العجز:

في صندوق التأمين التعاوني أو لمواجهة مخاطر الكوارث الطبيعية لابد في البداية من تقرير ما يأتي:

أولا: اتفق المعاصرون على تمتع صندوق التأمين التعاوني بذمة مالية مستقلة، يمتلك بموجبها الحقوق ويتحمل الالتزامات على الرغم من عدم تمتعه بالاستقلال القانوني عن صندوق حملة الأسهم أو الشركة المديرة. [ ص: 87 ]

ولعل هذا الاستقلال أبرز ما يميز التأمين الإسلامي التعاوني عن التجاري التقليدي، الذي تنضم فيه ذمة الصندوق مع ذمة الشركة، ومن ثم كان الالتزام بالتعويض عندهم مضمونا برأس مال الشركة نفسها، أما الإسلامي التعاوني فالمـخـاطر لا يغـطيها إلا صنـدوق المـشـتـركين ولـيـس أمـوال الشـركة المـديرة أو حملة الأسهم.

ثانيا: اتفقوا كذلك على أن المصدر الأساس لأموال صندوق التأمين التعاوني هو اشتراكات حملة الوثائق (المؤمن لهم).

هذا، ويستدعي بيان الفتوى في الاقتطاع من الفائض التأميني التعرف على التكييف الفقهي للفائض التأميني، ومنه يمكن التعرف على ملاك فائض صنـدوق الـتـأمين، الذين يـمكن لهـم المـوافقة على الاقتطاع المطلوب دراسته، أو إضافة شرط في العقد يسمح بالاقتطاع.

التكييف الفقهي للفائض التأميني:

الفائض التأميني نتج من طبيعة عقد التأمين الإسلامي، وهو لا يمثل عقدا مستقلا عن العقد الأساسي، لكن المعاصرين اختلفوا في تخريج التأمين الإسلامي على أقوال أهمها قولان:

الأول: خرجه على "هبة الثواب".

والثاني: خرجه على عقد النهد أو التعاون.

وفيما يأتي تفصيل ذلك: [ ص: 88 ]

القول الأول: ذهب إلى أن ما يدفعه المشترك إلى الصندوق يعد من قبيل "هبة الثواب"، فالمؤمن له يهب لصندوق المشتركين مبلغ الاشتراك، مقابل أن يعوضه الصندوق عن الضرر المحتمل المؤمن عليه، وعلى ذلك يعتبر الفائض التأميني تنفيذا لشرط الثواب (العوض).

والهبة للثواب مقتضاها المكارمة، وأن تعوض المعطي أمثال ما صار إليه؛ لأنها تفعل على وجه المودة، وإيثار المواصلة >[1] ، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم : "أثاب على لقحة" >[2] >[3] . ولم ينكر على صاحبها حين طلب الثواب، وإنما أنكر سخطه للثواب وكان زائدا على القيمة >[4] . [ ص: 89 ]

وقد عرفها ابن عرفة >[5] بأنها: "عطية قصد بها عوض مالي" >[6] . وعرفها العلامة علي بن خلف المنوفي >[7] بـ "أن يعطي الرجل شيئا من ماله لآخر ليثيبه عليه. وهي: عقد معاوضة بعوض مجهول" >[8] . يفهم: أن هبة الثواب من المعاوضات، ولكنها من المعاوضات غير المحضة؛ لجوازها مع جهل عوضها. [ ص: 90 ]

قال البابرتي >[9] : "وليس من شرط العوض: أن يساوي الموهوب، بل القليل والكثير، الجنس وخلافه سواء؛ لأنها ليست بمعاوضة محضة فلا يتحقق فيها الربا" >[10] .

هذا، وقد قال سعيد بن جبير >[11] ، في قوله تعالى: ( وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله ) (الروم:39): "ما أعطيتم من عطية لتثابوا عليها في الدنيا فليس فيها أجر" >[12] . [ ص: 91 ]

وقال محمد بن كعب القرظي >[13] : "الرجل يعطي الشيء ليكافئه به ويزداد عليه فلا يربو عند الله" >[14] .

وقال السدي >[15] : "الربا في هذا الموضع الهدية يهديها الرجل لأخيه يطلب المكافأة؛ لأن ذلك لا يربو عند الله، ولا يؤجر عليه صاحبه ولا إثم عليه. وهكذا قال قتادة والضحاك" >[16] . وقال الزجاج >[17] : "دفع الإنسان الشيء [ ص: 92 ] ليعوض أكثر منه، وذلك ليس بحرام ولكنه لا ثواب فيه؛ لأن الذي يهبه يستدعي به ما هو أكثر منه" >[18] .

وعلى هـذا ترجم البخـاري: باب المكافأة في الهبة، وساق حديث السيدة عائشة، رضي الله عنها، قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقبل الهدية ويثيب عليها" >[19] .

قال ابن العربي >[20] : "الـعـرف جـار بأن يـهـب الرجـل الهـبـة لا يطـلـب إلا المكافأة عليها، وتحصل في ذلك المودة تبعا للهبة" >[21] .

بناء على ما سبق: فهبة الثواب جائزة؛ لقوله تعالى: ( وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله ) (الروم:39)، وقوله عز وجل: ( ولا تمنن تستكثر ) (المدثر:6)، قال المفسرون: وذلك أن يهدي هدية ليهدى له أكثر منها، فنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأبيح لسائر الناس >[22] . [ ص: 93 ] وبما روي "أن النـبي صلى الله عليه وسلم كان يقبـل الهدية ويثيب عليها >[23] " >[24] .. هـذا، والعـوض في الـهـبـة إما أن يشترط في العقد أو لا، فإن اشترط وكان معلوما صح العقد وصار بيعا، وثبتت فيه أحكامه عند الحنفية >[25] ، والمالكية >[26] ، والحنابلة >[27] ، والشافعية في الأظهر عندهم >[28] .

وعلى ذلك: فالهبة باشتراط الثواب فيها تصير بيعا، ويجوز فيها عند جمهور [ ص: 94 ] الفقهاء ما يجوز في البيع، ويمتنع فيها ما يمتنع في البيع من الربا والغش وغيرهما.

ولذا قال الدردير >[29] في شرحه الصغير: "فلا يقضي عن النقد نقدا لما فيه من الصرف أو البدل المؤخر، ولا عن الطعام طعاما ولا عن اللحم حيوانا من جنسه ولا عكسه" >[30] .

وقال النفراوي >[31] : "وما يقع في الأرياف بين العامة من رد الطعام [ ص: 95 ] عن الطعام فحرام ومثله قضاء الدراهم عن مثلها أو عن الذهب" >[32] .

وإذا اشترط العوض وكان مجهولا بطل العقد عند الشافعية >[33] ، والحنابلة >[34] ، وابن الماجشون >[35] من المالكية >[36] .

وصح العقد عند الحنفية وبطل الشرط فقط >[37] فيكون هبة ابتداء وانتهاء؛ [ ص: 96 ] لأن شرط العوض المجهول باطل ولا تفسد الهبة بالشرط الفاسد.

غير أن "شمس الأئمة الحلواني الحنفي" >[38] صحح الشرط أيضا؛ وعلل لذلك بأن الهبة تقتضي العوض المجهول، والقول في العوض للمعوض أي الموهوب له >[39] .

كما صـح العقـد عند المالكية غير أنه لا يلزم دفع العوض المجهول، ولهم رد الهبة، لكن إن دفع وكان بقدر قيمة الموهوب لزم الواهب قبوله >[40] . كما صح في ظاهر مذهب أحمد، وعلى هذه الرواية يرضيه فإن لم يرض فله الرجوع فيها >[41] .. وسبـب اخـتـلافهم، كما قـال ابن رشـد الحفيـد >[42] ، هو: [ ص: 97 ] "هل هي بيع مـجهـول الثمن أو ليس بيعا مـجهـول الثمن؟ فمن رآه بيعا مـجهـول الـثـمـن قـال: هو من بـيـوع الغرر، التي لا تـجوز. ومن لم ير أنـها بيع مـجـهول قال: يجوز" >[43] .

وعلى ذلك: يمكن تكييف علاقة المؤمن بالصندوق علاقة هبة ثواب لكن بعوض مجهول؛ لأن مقدار العوض، الذي سيدفع للواهب (المؤمن) غير معلوم وقت التعاقد؛ لتوقفه على تحقق أو تخلف الخطر المؤمن عنه.

بيد أن الجهالة في هبة الثواب ترتبط بعدم العلم بقدر الثواب وأوصافه، أما في التـأمين الإسـلامي فتزيد على ذلك انتفاء العلم بأصل الوجود من عـدمه إذ قد يتحقق التعويض وقد لا يتحقق تبعا لتحقق الخطر المؤمن عليه من عدمه.

القول الثاني: ذهب إلى أن ما يدفعه المشترك إلى الصندوق يعد من قبيل "النهد" أو التعاون، وهو: أن يخرج كل واحد من الرفقة شيئا من النفقة يدفعونه إلى رجل ينفق عليهم منه ويأكلون جميعا >[44] . [ ص: 98 ]

والتناهد هو: إخراج كل من الرفقة نفقة على قدر نفقة صاحبه >[45] .

وقال ابن التين >[46] : "قال جماعة هو: النفقة بالسوية في السفر وغيره والذي يظهر أن أصله في السفر، وقد تتفق رفقة فيضعونه في الحضر" >[47] .

والنهد: العون، وطرح نهده مع القوم أعانهم وخارجهم، وذلك جائز في جنس واحد وفي الأجناس، وإن تفاوتوا في الأكل، وليس هذا من الربا في شيء، وإنما هو من باب الإباحة، وحكى عمرو بن عبيد >[48] عن الحسن [ ص: 99 ] البصري >[49] أنه قال: "أخرجوا نهدكم فإنه أعظم للبركة، وأحسن لأخلاقكم، وأطيب لنفوسكم" >[50] .

قيل للإمام أحمد: أيما أحب إليك، يعتزل الرجل في الطعام أو يرافق؟ قال: يرافق، هذا أرفق يتعاونون، وإذا كنت وحدك لم يمكنك الطبخ ولا غيره، ولا بأس بالنهد، قد تناهد الصالحون. كان الحسن إذا سافر ألقى معهم، ويزيد أيضا بقدر ما يلقي، يعني في السر >[51] .

وقد ترجم البخاري في صحيحه باب الشركة في الطعام والنهد والعروض، وأورد أحاديث تدل على جواز النهد منها: ما روي عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم [ ص: 100 ] بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني، وأنا منهم )

والأحاديث في هذا الباب تدل على أنه لا يتقيد بالتسوية إلا في القسمة، وأما في الأكل فلا تسوية لاختلاف حال الآكلين >[52] . قال بدر الدين العيني >[53] : "وإنما المراد هنا إباحة بعضهم بعضا بموجوده. وفيه: فضيلة الإيثار والمواساة... وهذا لا يسمى هبة، لأن الهبة تمليك المال، والتمليك غير الإباحة، وأيضا: الهبة لا تكون إلا بالإيجاب والقبول لقيام العقد بهما، ولا بد فيها من القبض عند جمهور العلماء" >[54] .

وتخريجا على النهد: يتعاون حملة الوثائق ويدفع كل واحد منهم مبلغ الاشتراك لصندوق المشتركين، مقابل أن يعوضه الصندوق عن الضرر المحتمل المؤمن عليه، ولهذا: فهم متساوون في الدفع ولكنهم ليسوا متساوين في الصرف [ ص: 101 ] والإنفاق تبعا لوقوع الضرر من عدمه، وقسمة الفائض بعد ذلك تعتبر أثرا من آثار عقد النهد أو التعاون، جاء في حديث الأشعريين: ( جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية ) وهذا التخريج هو الأرجح عندي؛ لأن النهد فيه تعاون، ولأنه نوع إباحة فأشبه إباحة الطعام للضيفان، ومن ثم تباح أموالهم المشتركة لبعضهم البعض، ويبقى القدر غير المستهلك على ملكيتهم يمكنهم قسمته بينهم أو التصرف فيه لمصلحتهم.

بناء على التخريجين السابقين يعد الفائض التأميني من حق حملة الوثائق؛ إما تحقيـقا للشـرط في هبة الثواب، وإما أثرا من آثار التعاون، وهو ما أرجحه لما سبق بيانه.

وقد صدرت بشأن اختصاص حملة الوثائق بالفائض التأميني قرارات وفـتـاوى شرعية عـديدة >[55] ؛ لأن الـفـائـض هـو المـتـبـقـي من اشـتراكاتـهم، [ ص: 102 ] فلا استحـقـاق فـيـهـا لغـيرهـم، وهـو مـا نـصـت عليـه هيئة المحـاسـبـة والمراجعة في المـعـيـار الشـرعـي رقم (26)، والمعـيـار المـحـاسبـي رقم (12). كما نصت لوائح معظم شركات التكافل على أن الفائض في صندوق التكافل ملك لحملة الوثائق.

وبعد،

فهل يمكن الاقتطاع من الفائض التأميني لمواجهة مخاطر العجز في صندوق التأمين التعاوني أو لمواجهة مخاطر الكوارث الطبيعية؟

من المعـلـوم أن تـوزيع الفـائض التأمينـي على أصحاب الوثائق يسهم في ترسيـخ فكر التأمين الإسلامي، ويؤكد على مصداقية تلك الشركات، ويؤدي إلى ازدهـار صنـاعـة التأمـين الإسـلامـي وانتشارها في الأسواق المحلية والعالمية.

هذا، وقد صادق مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورته الأولى المنعقدة في 10 شعبان 1398هـ بمكة المكرمة بمقر رابطة العالم الإسلامي على قرار مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية رقم (51) والصادر بتاريخ 4/4/1397 هـ من أنه: "إذا تجاوزت المخاطر موارد الصندوق [صندوق التأمين التعاوني] بما قد يستلزم زيادة الأقساط، تقوم الدولة والمشتركون بتحمل هذه الزيادة". ولعل ما اقترح بشأن تحمل الدولة والمشتركين غير عملي، خاصة مع تحقق فوائض مالية في صندوق المشتركين في كثير من السنين. [ ص: 103 ]

ولعـل هـذا يدفعنـا إلى القول: إن الاحتياط للأضرار والآثار التدميرية، التي قد تسببها الكوارث المتوقعة مطلوب، لا سيما وأن مدار النشاط التأميني يقوم على "إدارة الخطر"، وهو قائم على المفاجأة، وقد يكون عند وقوعه من الضخامة بحيث يعجز حساب المشتركين عن تغطية التعويضات المترتبة عليه، مما قد يسبب عجزا ماليا في حسابهم يجبر شركة التأمين على الإخلال بالتزامها تجاه المشتركين بحيث يتعسر عليها تغطية قيمة التعويضات المستحقة.

ومن ثم يمكن القول: إن الاحتفاظ ببعض الفائض التأميني لمواجهة مخاطر العجز في صندوق التأمين التعاوني أو لمواجهة مخاطر الكوارث الطبيعية، يقوي الملاءة المالية لصندوق التأمين التعاوني، ويحميه من اللجوء إلى الاقتراض من أموال المساهمين، ويعزز التعاون وهو الأساس، الذي يقوم عليه التأمين التعاوني، ويؤدي إلى نجاح النشاط التأميني وتواصله في المستقبل، ومن هنا عمدت بعض الشركات إلى خصم نسبة 15% من الفائض كاحتياط تأميني يحتفظ به في نهاية السنة المالية ويرصد للتي تليها

>[56] .

ولعـل هذا يستـدعي موافقـة حملة الوثائق على ذلك؛ لأن الفائض من حقهم، الأصـل أن يقسم بينهم أو ينفـق على مصـالـحـهم، لا سيما والفائض لا يكون إلا بعد استيفاء جميع الاحتياطات الفنية ومنها احتياطي المخاطر المتوقعة. [ ص: 104 ]

ويقترح في هذا الصدد أن تتولى تقدير نسبة الفائض المحتجز لما سبق جهة محايدة، لها حق الولاية على صناعة التأمين الإسلامي؛ لضمان تحقيق المصلحة العامة، مع الالتزام بالمعايير المحاسبية، والقوانين، واللوائح، والقرارات المنظمة لصناعة التأمين الإسلامي، وكذا المنبثقة عن اجتماعات هيئة المشتركين والجمعية العمومية، وذلك تحقيقا لسلامة الأداء المهني لشركات التأمين الإسلامي، وتقوية لسلطان الرقابة.

وعلى هذا، نص البند 5 / 5 من المعيار الشرعي لهيئة المحاسبة المذكور آنفا، على كيفية التصرف في الفائض التأميني: "يجوز أن تشتمل اللوائح المعتمدة على التصرف في الفائض بما فيه المصلحة حسب اللوائح المعتمدة مثل: تكوين الاحتياطيات ... على أن لا تستحق الشركة المديرة شيئا من ذلك الفائض".

التالي السابق


الخدمات العلمية