القيم الحضارية في الخطاب القرآني (سورة العنكبوت أنموذجا)

الأستاذ الدكتور / موفق سالم نوري

صفحة جزء
أولا: الخطاب القرآني:

القرآن الكريم خطاب الله عز وجل لبني البشر، رسالة تدعوهم إلى الهداية؛ تبين لهم ما يجب أن يعتقدونه وما يجب عليهم تركه، ببيان ما يحل لهم وما يحرم عليهم؛ منهج لبناء نمطهم الحياتي الحضاري الخاص.

وابتدأت سورة العنكبوت، كما بدأت بعض السـور بالحروف المقطعة: ( الم ) ، ومع كثير مما قيل فيها إلا أن أقرب ذلك إلى القبول ما قاله جمهور من المتقدمين والمتأخرين في أن هذه الحروف هي إشارة إلى إعجاز هذا الكتاب، فكأنها تقول للعرب - أرباب البلاغة والبيان - : إن هذا القرآن في كل كلامه إنما يتكون من حـروف الهجـاء، التي تنطـقونـها وتتحـدثون بـها، وبها تنشدون أبلغ أشعاركم، وأروع خطبكم، ولكنكم في مواجهة تحد حقيقي لتأتوا بمثل ما جاء به القرآن [ ص: 10 ] >[1] .

فقد تحدى القرآن الكريم العرب من جنس ما برعوا به، كلامهم الجميل البليغ، ولا سيما بعدما بلغوا أقصى نضجهم اللغوي، فقال الله تعالى في كتابه العزيز: ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) (الإسراء:88 )، وقال تعالى: ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) (هود:13)، وقال سبحانه: ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ) (البقرة:23)، فما كان من هؤلاء إلا أن سلموا بحقيقة القرآن، وأنه وإن نزل بكلامهم وبحروفهم إلا أنهم وجدوا فيه لغة غير ما يألفون ويعرفون، وكل ما صنعه القرآن أنه أخرج من المادة، التي عهدوها آيات هي السحر الحلال، البيان الساحر، فتحيرت منهم العقول والألباب، وتحقق الإعجاز الظاهر من القرآن >[2] .

ومن ناحية أخرى، فإن للخطاب القرآني خاصية تميزه عن غيره من الكتب، التي وضعها البشر، إذ اعتاد المؤلفون على اتباع نمط منهجي معين في التأليف، فضلا عن مراعاة الوحدة الموضوعية لفصولها. ومن ثم بوسع القارئ الإحاطة بيسر بالموضوع الواحد بقراءة الفصل المعني، أو على الأقل [ ص: 11 ] يمكن أن يشعر بوجود نوع من الاستقلالية والانفصال حتى بين تلك الفصول المترابطة ارتباطا وثيقا، وهذه الاستقلالية والانفصال يمليها طبيعة المنهج العلمـي الوضـعي، وكذا المنـطـق البشـري في حـد ذاته، أما القرآن الكريـم فإنه لا يخضع لهذه القاعدة المعهودة عند الذين أنزل إليهم وخاطبهم من الجنس البشري، فإذا عرض القرآن موضوعا ما فإنه يعرضه مجزأ القضايا، يعرض بعضه في سورة، ويعرض بعضه الآخر في سورة أخرى، ثم يعرض بعضا في سورة ثالثة وهكذا >[3] .

ثم إننا لا نجد في القرآن الكريم ذلك التسلسل والتتابع، الذي يقود إلى نتائج معينة، كما هو معهود في المنهج البشري لتأليف الكتب، إذ إن ترتيب القرآن الكريم جاء على غير هذا المألوف، فضلا عما احتواه من تكرار لعدد من المسائل، وهذا غير معهود أيضا في كتب بني البشر؛ لأن هدف القرآن الرئيس هو أن يكون كتاب هداية، ومحفزات الهداية وجدناها منبثة في ثنايا المصحف على الدوام حتى لا ينفك القارئ للقرآن من تحسسها طالما أنه يتلو هذا الكتاب في أية سورة منه. [ ص: 12 ]

ومن جانب آخر، فإن النص القرآني غني بالمعاني والدلالات والأفكار، لذا قد يأتي بعضها متسلسلا في السورة الواحدة، لكن المعاني والأفكار الأخرى ستأتي غير متسلسلة في السورة نفسها، وهذا ما سنراه في موضوع دراستنا، فإن القيم الحضارية في سورة العنكبوت لم تأت متسلسلة على وفق هيكلية معينة؛ لأن السورة لم تعالج هذه القيم بوصفها الموضوع الرئيس لها، بل جاءت في ثنايا الكلام على موضوعات أخرى ومتضمنة فيها، لذا عمدت هذه الدراسة إلى إعادة هيكلة هذه القيم على موجب تسلسل لا ينطبق مع تسلسل الآيات الواردة في السورة، وهدفنا من ذلك الخروج بتصور منهجي عن طبيعة هذه القيم وما ترمي إليه.

ومن زاوية أخرى، فإن مما هو معجز في الخطاب القرآني بقاءه مشغلة للدارسين، جيلا بعد جيل، رحبا في مداه، سخيا في موارده، كلما حسب جيل أنه بلغ الغاية منه امتد الأفق بعيدا وراء كل مطمح، عاليا يفوق طاقة الدارسين كافة >[4] . وسيجد كل جيل أن له بغية وغرضا وهدفا في هذا الكتاب العظيم، وسيبقـى يستـقـطـب قـدرات الباحثين والمفكرين والمبدعين ينهلون من مضامينه الكثير. [ ص: 13 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية