القيم الحضارية في الخطاب القرآني (سورة العنكبوت أنموذجا)

الأستاذ الدكتور / موفق سالم نوري

صفحة جزء
الفصل الأول

القيم الحضارية المتعلقة بالعقيدة

أولا: قيمة الإيمان:

اتفق أهل اللغة على أن الإيمان هو التصديق >[1] . وفي الشرع هو تصديق القلب بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإقرار ذلك باللسان، والعمل به >[2] .

أما أركان الإيمان، التي ينبغي على المـؤمـن اعتقـادها والتمسك بـها فـهـي كمـا جـاءت في حديث جبريل مع النبي : ( قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: "أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره ) >[3] . فهذه هي أركان الإيمان، التي لا يصح لمؤمن أن يجحدها كلا أو يـجـحـد شيئا منـهـا، وإلا خـرج من الإيـمـان اعتـقـادا، ويكون بذلك قد خرج من الملة. [ ص: 29 ]

وقد اتفق علماء الأمة في كل عصورها، ممن اتسم بسلامة العقيدة والمنـهـج، أن الإيـمـان قـول باللسـان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح >[4] . ولا يصح الإيمان بفقدانه أحد هذه المواضع: اللسـان أو القلب أو الجوارح. كما اتفق علماء الأمة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات والقربات، وينقص بالذنوب والمعاصي >[5] .

فالإيمان نفسه القيمة الأكثر أهمية وخطورة في حياة الإنسان.. نقول: إن الإيمان قيمة؛ لأنه المعيار الأهم في تحديد نمط السلوك، وتحديد نمط المفاهيم والأفكار، التي يعتقدها المرء. [ ص: 30 ]

إلا أن الإيمان يختلف من شخص إلى آخر؛ يختلف في مقداره من حيث الزيادة والنقصان، ويختلف من حيث صحته من عدمها بين مؤمن صادق الإيمان وآخر منافق، ويختلف من حيث كونه إيمانا حقا أو باطلا، فمن آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث والحساب والقدر خيره وشره كان إيمانه إيمانا حقا، ومن آمن بالأصنام والأوثان والرجال والأفكار والفلسفات الوضعية، كان إيمانه باطلا.

فهذه المحددات جميعا تدخل في تحديد ماهية سلوك المرء ومفاهيمه وأهـدافه واتـجاهاته. فالإيمان الحق يهدي إلى الحق، والإيمان الباطل لا يهدي إلا إلى باطل.

وفي سورة العنكبوت - موضوع دراستنا - فإن متعلقات الإيمان في جوانبها المختلفة وردت الإشارة إليها فيما يقرب من سبعين موضعا، فقد سبقت الإشارة إلى أن موضوع السورة الرئيس يتعلق بكليات الإسلام ومعتقده. أما لفظ الإيمان نفسه، فقد وردت اشتقاقاته: آمنوا، آمنا، آمن، المؤمنون، يؤمنون في اثني عشر موضعا >[6] .

وثمة مسألة أساسية وردت في السورة فيما يتعلق بالإيمان، ألا وهي مسـألة الفتـنـة والابـتـلاء، وقـد وردت فـي مـوضـعـيـن هـمـا قول الله تعالى: [ ص: 31 ] ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) (الآية:2)، ثم قوله تعالى: ( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ) (الآية:10).

ومثل ذلك قول الله عز وجل في القرآن الكريم: ( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين ) (الحج:11).

وسنشير إلى فتنة الابتلاء وسنة الله تعالى في ذلك في صفحات لاحقة، وسنشير هنا إلى فتنة الناس للمؤمنين؛ فالناس في الإيمان أقسام ثلاثة: مؤمن حسن الاعتقاد والعمل، وكافر مجاهر بكفره، وثالث متذبذب بينهما يظهر الإيمان بلسانه ويبطن الكفر في قلبه >[7] . ويدخل في هؤلاء المتذبذبين ضعفاء النفوس، ليس لهم الحزم والعزم والثبات. مثل هذا الأنموذج يعلن كلمة الإيمان في الرخاء، يحسبها خفيفة الحمل، هينة المؤونة، ليس له إلا أن ينطقها ليغدو في عداد المؤمنين: ( فإذا أوذي في الله ) (العنكبوت:10) بسبب هذه الكلمة وهو آمن معافى ( جعل فتنة الناس كعذاب الله ) (العنكبوت:10) استقبل ذلك بجزع، واختلت في نفسه القيم والمعايير، فاهتزت في ضميره العقيدة، وتصور أن لا عذاب بعد هذا الأذى، الذي يلقاه، فتراجع [ ص: 32 ] القهقري >[8] . بل إن الخوف من غير الله دليل في ضعف عقيدة التوحيد نفسها وعدم رسوخها في النفس >[9] .

وهكذا فإن المحن تظهر جواهر الرجال وأقدارهم، فمن خشي أن تكون محنته في الدنيا ونقصان حظه منها، أو في فقدان المحبوبين عنده، فمثل هذا قدره بقدر ما تعلق به من الدنيا، أما من خشي أن تكون محنته في دينه، فمثل هذا معدود في الراسخين الثابتين على إيمانهم >[10] .

مما تقدم، يظهر أن الإيمان هو قضية الإنسان الحقيقية في حياته على الأرض وماهيتها؛ وفي مصيره الأخروي.. وطبيعة هذا الإيمان ونوعه هو الذي يحدد نوع الخيط الرابط بين حياة الإنسان ونوع مصيره في الآخرة. ومن هنا سنجد أن الإيمان سيترك أثره العميق في بناء الإنسان ومفاهيمه، التي ستسهم في تحديد ملامح عيشه، وملامح عمرانه للأرض، وطبيعة الاستخلاف، الذي سيمارسه على الأرض.

كيف يفعل الإيمان الحق فعله في بناء الإنسان؟

لننـظر في قـول الله تـعـالى: ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) (الحـجـرات:14)، [ ص: 33 ] وقـد نزلت في بعض الأعراب وليس كلهم >[11] . ممن كان إسلامهم خوفا من القتل والسبي >[12] . ثم منوا على الرسول صلى الله عليه وسلم في إسلامهم؛ فضلا عن أنهم صدقوا بألسنتهم؛ ولم يصدق قولهم بفعلهم >[13] . ولهـذا ارتد كثـير منـهـم بعـد وفـاة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يكونوا قد بلغوا مبلغ الإيمان الراسخ، ولم ترتق قواهم الروحية إلى ما بلغ إليه المؤمنون الصادقون >[14] .

فالإيمان درجة من الرقي الروحي ينبغي بلوغها ليكون هذا الإيمان فعالا، يكون فيه قد رسخ في القلب وسكن فيه حتى تمكن من جميع جوانبه، فيكون عندها قد انتقل إلى مستوى الفعل والأداء، وانعكس على السلوك انعكاسا تلقائيا ليس فيه تكلف أو اصطناع، ومن هنا جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: ( إيمان بالله، وجهاد في سبيله ) >[15] . [ ص: 34 ]

فالإيمان بالله هو ذروة ما يتطلب من المرء بلوغه، من دون أن يكون فيه نفاق أو مراءاة.

وعليه، فلا بد من أن يتوطن الإيمان في القلب، فإذا تحقق ذلك تبلور الضمير لدى المؤمن، وتبلورت المعايير، التي بوسعه أن يحكم على أساسها، أصبح لديه قاض يحكم على الأفعال، سلبا وإيجابا.

إلا أن القاضي لا يلزم الأفراد على الأفعال، وذلك ما يتطلب وجود قوة ملزمة تضطرهم إلى إتيان أفعال معينة وترك أخرى؛ قوة تملك السلطة، سلطة الثواب والعقاب، تلك هي سلطة الله عز وجل، سلطته على القلوب والنفوس والأبدان، ومن ثم فإن الإيمان بالله يستوجب العلم بالله، والعلم بما عنده من عناصر العقاب والثواب، والعلم بماهية كل منهما.. ما طبيعة عقابه وما نوع ثوابه؟ هنا نجد أن الخوف من الله يدفع المؤمن الصادق في إيمانه إلى اجتناب النواهي، التي نهى الله تعالى عنها، فيتجنب الذنوب والمعاصي والآثام صغيرها وكبيرها.

ولكن هـل هـذا كل شـيء؟ هـل أن اجـتـنـاب هـذه المنـهـيات هو كل ما يترتب على المؤمن؟ هذا في الحقيقة نصف ما عليه فعله، أما نصفه الآخر فهو إتيان أعمال البر والصلاح؛ الأوامر التي أمر الله سبحانه بها، وهذا يستلزم محبة الله جل شأنه، فمحبته تقتضي إتيان مراضيه، لأن محبة الحبيب، تستوجب رضاه، ورضاه يتطلب فعل ما يرضيه ليتحقق الرضا، وعبر هذه السياقات من الخوف والحب يتبلور السلوك الشرعي. [ ص: 35 ]

إلا أن هـذا ليس فيـه مـا يـكفي أيـضـا، إنه يتـطلب - حقيقة - معرفة ما الذي نهى الله تعالى عنه، وما الذي أمر به، فلما كان الإيمان تصديقا، فإنه التصديق بما أخبر به الرسول ، وبما جاء به.. أخبر عن الغيبـيات المتعـلقة بالعقيـدة، وجـاء بشريعـة ومنـظـومـة من الأحـكام، التي تنـظم حيـاة الأمة في جوانبها كافة، أقول جوانبها كافة بحيث لم تدع شعبة من شعب الحياة إلا وانتظمها حكم مباشر، أو قاعدة شرعية يستمد منها حكم معين.

وهنا يظـهر معـنى قـول العلمـاء: إن الإيـمان يتـضمن العمـل، والمراد به العمل بالأحكام الشرعية في جوانبها جميعا؛ في العقيدة، وفي العبادات، والمعاملات، والأخـلاق والفضـائل، فمـا لم يتحـقق العمل نهـائيا كان ذلك من الإرجـاء، فإذا تـحقـق العمل، فإن ذلك يعـني الولـوج في الإيمـان حقيقـة، ولكن بـما أن الإيـمان يزيد وينقـص، فبالمقـدار الـذي يعمـل فيـه المـرء يكون ذلك تعيـيـن مقـدار إيمـانه، زيادة ونقصانا.

ومن هنـا، تبدأ عمـلية البناء الحضاري.. فالإسلام في منهجه السديد ينهـض بفـطرة الإنسـان - مـادة وروحـا - فيجعـل قلبه زاخرا بالإيمان على الدوام، وضميره موصولا بالله تعالى، ثم يطلق يده في بناء الحياة.. إنه يتعهد [ ص: 36 ] الإنسان ببناء داخله، ليبني هو العالم من خارجه، ويجعل من إيمانه الإيجابي رقيبا عليه وهو يمارس دوره في بناء الحياة >[16] .

ومن هنا نجد أنفسـنا في مواجـهة نمطين من الحياة، حياة مؤمنة وأخرى غير مؤمنة؛ والحيـئاة الحقة منهما هي الحياة المؤمنة: ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) (الأنـفـال:24)، قـال المفسرون: إذا دعاكم للإيمان >[17] . ومن ثم يمكن القول: إن سعي الإنسان في الأرض يتمخض عن نمطين من الحضارة، حضارة مؤمنة وأخرى ليست بمؤمنة، وهذا هو مسوغ وصف حضارتنا بالحضارة الإسلامية، لأنها حضارة ارتكزت على الإيمان بالله تعالى في جوانبها كافة. فالتحولات الكبرى في التاريخ ترتبط بالأفكار، على الدوام >[18] . إنها ثمرة أفكار ما، وهذه التحولات إما أن تكون بناءة أو هدامة، ويتأتى هذا من نوع الأفكار، التي تقف وراء هذه التحولات، أو قل يقف وراءها نوع الإيمان ومقداره في نفوس أبناء الأمة.

خـذ على ذلك مثـالا: التحـولات الكـبرى، التي حصـلت في الشـرق في العصور الوسطى، إذ انتقلت المنطقة في شرق البحر المتوسط وجنوبه إلى مراحل متقدمة من الرقي الحضاري المشهود، وقد وقف وراء ذلك الإسلام، [ ص: 37 ] بمعطياته كافة، فلما تعرضت المنطقة ذاتها لهجمات الصليبيين والمغول، حل الخراب في معظم هذه الأرجاء؛ لأن القوى الفكرية المحركة لهاتين القوتين تراوحت ما بين فكر وثني وآخر محرف.

ومن هنا جاء وصف القرآن الكريم للمسلمين بالخيرية: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) (آل عمران:110)، وقول الله تعالى: ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ) (البينة:7)، هذه الخيرية مبعثها الإيمان، الذي حملته هذه الأمة، وبنت على أساسها خير حضارة، وازنت بين متطلبات الدنيا والآخرة.

وعلى صعيد الفرد - وهو أداة البناء الحضاري - فإن الصورة الحميمة، التي يكونها المؤمن عن الله سبحانه مهمة وجوهرية في النطاق، الذي يحدد له ماهية أعماله الفردية ودوره في الجماعة، بما ينعكس بالنتيجة على حياة الجماعة >[19] . إذ يسهم رسوخ العلاقة بين الفرد وربه في تحقيق قدر كبير من الاستقرار النفسي والاطمئنان الذاتي مع استحالة الاضطراب والتشوش النفسي والفكري والعقلي، لأن المرء يدرك - عبر هذه العلاقة - أن ثمة جهة واحدة هي التي تعطي أو تمنع، تنفع أو تضر، تخفض أو ترفع، وأن هذه الجهة هي [ ص: 38 ] التي تعاقب وتثيب، وعندما يعلم أن الذي يأمره وينهاه هو واحد وليس أكثر فإنه يستجيب له، فاطمأنت نفسه وسكنت واستقرت.

أما من أعتقـد بالشـرك أو الإلحـاد، فإنـه يبقى متشـوشـا مضـطـربا، يـدور في دوامة لا يجد لها مخرجا، لأنه لا يدري من ذا الذي يستحق الرضا عنده. وهكذا نجد أنفسنا - مع الإيمان - أمام شخصية أكثر استقرارا واطمئنانا ورضا، بعيدة عن الأزمات الحادة، التي تعصف بالمجتمعات، التي اختلت فيها موازين الإيمان أو انحرفت أو حتى تبددت، فاتجهت مثل هذه المجتمعات نحو الجريمة أو الانتحار أو مستشفيات الأمراض النفسية وعياداتها، التي شهدت انتشارا واسعا في هذه المجتمعات.

وإن ما وعد الله به المؤمنين يسهم بقدر كبير في تحقيق مثل هذه المعطيات في مسار حياة الجماعة المؤمنة >[20] . فقد وعد الله عز وجل المؤمنين بالحياة الطيبة: ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ) (النحل:97)، ووعدهم بالعزة لهم والقوة والرفعة: ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) (المنافقون:8)، وهـو وليـهـم: ( الله ولي الذين آمنوا ) (البقرة:257)، ومن كان الله عز وجل وليه فهو لا محالة منتصر على عدوه: ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) [ ص: 39 ] (الروم:47 )، فيكون لهم الأمن والأمان: ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) (الأنعام:82)، وسينعمون بالرزق الطيب: ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) (الأعراف:96 )، ثم سيكون لهم الاستخلاف والتمكين في الأرض: ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) (النور:55).

وتكشف كل هذه المعطيات عمق ما يمكن أن يحدثه الإيمان من أثر عميق في مسار حياة الإنسان بوصفه القيمة الأعظم، التي ترسم ملامح مجتمع مختلف في حياة الإنسان، وفضلا عما تقدم - وكله يتعلق بما يمكن أن يحصل في هـذه الدنيا - فإن مصـيرهم إلى الثواب الأعظم في الآخرة بما سيتقلبون فيه من نعيم خالد في الآخرة: ( وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ) (البقرة:25).

فالجنـة حكرا للذين آمنـوا وعملوا بما يمليه الإيمان من عمل الصـالـحـات، وعمـل الصالـحـات هنـا في هـذه الـدنـيـا، وهي لا تـقـتـصر عـلى العبـادات، بـل يدخـل فيها أنواع البر كلها، اقتصادية واجتماعيـة وسيـاسيـة وغير ذلك، وذلك ما يشكل توجيها قيميا لإعمار الأرض والاستخلاف فيها على موجب القيم الموحى بها. [ ص: 40 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية