القيم الحضارية في الخطاب القرآني (سورة العنكبوت أنموذجا)

الأستاذ الدكتور / موفق سالم نوري

صفحة جزء
سادسا: قيم سلوكية فردية:

أشارت سورة العنكبوت إلى بعض القيم السلوكية الفردية المهمة، وجاءت الإشارة إما مباشرة أو غير مباشرة، ومن هذه القيم:

1- الصبر:

ذكر الله تعالى الصبر في سورة العنكبوت في قوله سبحانه: ( الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ) (الآية:59)، ثم ذكره من دون أن يسميه في مثل من أعظم الأمثلة على منتهى الصبر بقوله سبحانه: ( ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون ) (الآية:14)؛ ولعمر الله إنه مثال على الصبر لن نجد شبيها له إلى قيام الساعة، رجل احتمل قومه وهو يدعوهم قرابة الألف سنة، حتى صارت الآية تنبيها لجميع المسلمين ليصبروا على ما أصابهم في الله عز وجل >[1] . فلقد كان نوح عليه السلام حليما صبورا، ولم يلق نبي من قومه من العنت والبلاء والممانعة أكثر مما لقي، إلا نبيا قتل >[2] . إذ لم تكتف الأقوام المكذبة بالتكذيب، فمكرت كل أمة بنبيها، وأرادت به السوء: ( وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ) (غافر:5). [ ص: 186 ]

فبعد الجهد الجهيد والمطاولة والصبر في الدعوة لم يستجب لنوح عليه السلام ، بـحـسـب الـروايات، سـوى اثني عـشـر شـخـصا >[3] . ومـن العجـيب أن ابـنـه لم يستجب له، ولم يقتنع بدعوته، أما بشأن عمر نوح عليه السلام ، فنقول: إن من واجب المسلم الإيمان بما جاء في القرآن كله، والتسليم له بما تضمن من أخبار الأنبياء والأمم وتصديقه، ومثله تصديق ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه لا بد من حكمة تقف وراء هذه الأخبار كلها >[4] . وما بلغناه من علم في عصرنا هذا ليس هو نهاية العلم وآخره، ولا هو نهاية المطاف، وأن ما نجهله لا يعني أنه غير موجود، بل إن ما نحن عليه هو مبلغ مداركنا الآن، وقد يكتشف الإنسان في مستقبله كثيرا مما يجهله اليوم.

وقيل في الصبر: إنه "حبس النفس عن الجزع والتسخط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش" >[5] . وهو قوة خفية من قوى الإرادة، تمكن الإنسان من ضبط نفسه لتحمل المتاعب والمشاق والآلام، وضبطها عن الاندفاع بعوامل الجزع والسأم، والملل والعجلة والرعونة، والغضب والطيش، والخوف والقمع، والأهواء والشهوات والغرائز >[6] ، فثم عوامل ومؤثرات وقوى كثيرة تحاول استدراج المرء إلى ردود أفعال متعجلة وغير منضبطة وغير [ ص: 187 ] متوازنة ليظهر منه من التصرفات ما فيه مخالفة للشرع أو المنطق أو العرف أو الذوق أو المصلحة؛ وبما يلحق الضرر بالمرء نفسه أو بمحيطه العام.

ولا يظن أحد أن الصبر من السهولة بمكان بحيث يسع كل امرئ أن يصبر إذا قرر ذلك، بل هو من التكلف والمشقة والمجاهدة ما فيه الكثير من المعاناة، ولا سيما في الجانب النفسي، فالنفس الأمارة بالسوء تميل إلى اتجاه مناف تماما لاتجاه الصبر، فضلا عن أن هذه النفس تميل إلى التشفي وعدم الكظم، وهذا يستدعي مقاومة صلبة ومجاهدة حقيقية لهذه التوجهات في النفس الأمارة بالسوء لمن يريد أن يقيم الصبر في نفسه.

لهذا، فإن أول الصبر تصبر بتكلف، ثم صبر بسهولة، ثم اصطبار، وهو ممزوج بالراحة, ثم تحقق بوصف الرضا فيصير الصبر فيه محمولا بعد أن كان متحملا >[7] . وهذا التحول في حالات الصبر يحتاج إلى كثير من التدريب والمران والتعزز بالله حتى يتمكن المرء بلوغ الحالة، التي يكون فيها الصبر حلو المذاق، بعد أن كان مرا علقما، ولا سيما أن الصبر اسم مشتق من نبات الصبار ذي المذاق المر جدا، الذي يعجز كثيرون عن احتماله.

أما أقسام الصبر فهي:

-الصبر على الطاعات، ومجاهدة النفس على فعلها، وإتمامها وإتقانها على الوجه الأمثل، بما يحقق أعلى القبول عند الله تعالى. [ ص: 188 ]

-الصبر على المعصية، فإن المعاصي بما فيها شهوات ولذات تغري المرء بمتابعتها وإتيانها ابتغاء تحقيق اللذة، التي يزين الشيطان حلاوتها كثيرا.

-الصبر على الأقدار، فالعباد جميعا يتقلبون في أقدار الله، فمنهم من يصيبه البلاء والشدة والنكد والضرر، حتى ليبدو أنه لن ينقطع عنه؛ والصبر هنا حبس النفس عن التسخط والاستياء والشكوى، والتسليم لله تعالى بما قدره عليه.

وفي الإطـار العاـم لحـيـاة الإنـسـان، فـإنه عرضة لتقـلبـات الحـيـاة، الـتي لا تستقيم على حال، وليست لها وتيرة واحدة، إذ يتعرض المرء في سنوات حياته إلى كثير من الطوارئ، سواء في مجال العمل أم في الأسفار أم بالتعرض لتقلبات البيئة وما يحصل فيها، وقد لا يجد المرء طعاما أو شرابا تحت بعض الظروف، وقد يطرأ عليه المرض والوهن، وربما كان عزيزا فذل، وقد يلقى في غياهب السجون، عدلا أو ظلما، وقد يتعرض لعدوان الآخرين ومضايقاتهم من دون وجه حق، إلى غير ذلك من آفات الحياة، ولا سبيل إلى تخطي كل ذلك إلا بالصبر والتفويض إلى الله، والاحتساب عنده، والإنابة إليه، والتوكل عليه >[8] .

وفي ضوء ما تقدم، يحتل الصبر مكانة مهمة في نسق القيم، التي تشكل منظومة المفاهيم الإسلامية، فالصبر يهيئ لبناء شخصية قوية متمكنة قادرة على مواجهة أنواع التحديات، الكثيرة والمختلفة، التي يمكن أن تواجه عملية [ ص: 189 ] البناء الحضاري الإسلامي؛ والصبر هو ثمرة لعملية تربية وإعداد شاملة للمجتمع على وفق المنهج الشرعي لبناء المجتمع.

2- التوكل على الله:

جاء ذكر التوكل في سورة العنكبوت في قول الله جل شأنه: ( الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ) (الآية:59)، وفي معرض تعريف التوكل نقول: إنه صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار، مع الثقة التامة به سبحانه وتعالى >[9] . وهو انتظار مع استبشار، وهو سكون السر إلى الله.. والتوكل استقلال بحقيقة التوكل، فلا تبرم في الخلوة بانقطاع الأغيار عنك.. والتوكل، إعراض القلب عن غير الرب >[10] . والتوكل حال للقلب ينشأ عن معرفة الله تعالى، والإيمان بتفرده بالخلق، وتدبيرهم بالنفع أو الضر، والعطاء أو المنع، وأنه ما شاء كان وإن لم يشأ الناس، ومالم يشأ لم يكن وإن شاء الناس، فيوجب هذا له اعتمادا عليه، وتفويضا إليه، وطمأنينة معه، وثقة به، ويقينا بكفايته لما توكل عليه فيه >[11] ، مع عدم إسقاط الأسباب المادية والمعنوية، طاعة لأمره ونهيه >[12] .

ومن ناحية أخرى، فإن التوكل على الله أحد شقي الدين، إذ يتكون الدين من أمرين؛ عبادة واستعانة >[13] . كما قال الله تعالى: [ ص: 190 ] ( إياك نعبد وإياك نستعين ) (الفاتحة:5)، وقوله: ( فاعبده وتوكل عليه ) (هود:123)، وتوكل المسلم على الله تعبير عن الفهم والإدراك والحس الفطري الإيماني، وهو بهذا يمثل مصدرا مهما من مصادر قوة المسلم وطاقته النفسية الهائلة، التي تتفجر منها ينابيع الصبر والمصابرة والمجاهدة، وينابيع الرضا والقناعة والسعادة >[14] .

والاقتران بين الصبر والتوكل يعكس طريقة المسلم في التعامل مع معطيات الزمن، فالزمان ماض لا يمكن تداركه، وحاضر يحسن معه الصبر عليه، ومستقبل يليق به التوكل، فيصبر المسلم على ما يلحقه من أذى وضرر في واقع حاله، ويتوكل على الله فيما يحتاج إليه من الاستقبال. وهاتان الصفتان - الصبر والتوكل - لا تحصلان إلا مع العلم بالله تعالى، والعلم بما سوى الله سبحانه، فمن علم ما سوى الله علم أنه زائل لا محالة هان عليه الصبر؛ لأن الصـبر على الزائل هـين، وإذا عرف الله تعالى حق معرفته علم أنه هو الرزاق لا غيره، فإن فاته شيء فإنه يتوكل على حي باق >[15] .

إن من يتسم بالتوكل على الله يكون قد اكتسب شخصية قوية أيضا، آمنة مطمئنة، واثقة غير مضطربة، تركن إلى أن المستقبل مرهون عند الله تعالى، وأنه مهما خذله الناس فإنه لم يسند إليهم ظهره، بل أسنده إلى من لا يخيب [ ص: 191 ] عنده رجاء. وهذا كله لا يعني القعود لانتظار الموعود، بل لا بد من السعي والأخذ بالأسباب، إذ لا تعارض بين التوكل والأخذ بالأسباب، لأن التوكل محله القلب والنفس، فهما بالتوكل تتعلقان بالله تعالى، تنتظران منه لا من الأسباب، والأسباب محلها الجوارح، ولا يكون التعلق بها؛ والأخذ بالأسباب هو من الأوامر الشرعية، لقول الله جل شأنه: ( فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ) (الملك:15)، فمع أن الله تعالى هو الرزاق لا غيره، لكنه أمر بالسعي لتحصيل الرزق، فلا منافاة ولا تعارض بين التوكل والأسباب، فمن قعد عن الأسباب ولم يأخذ بها لا يعد متوكلا، بل هو متواكل، مخالف لشرع الله سبحانه، مناف في سلوكه لمنطق العقل وسنة الاستخلاف في الأرض.

وتتمثل الأهمية السلوكية والأخلاقية للتوكل في حفظ حقوق الآخرين، فالمرء الذي لا يؤمن بالتوكل يرى أن الأسباب وحدها الكفيلة بتعجيل ما فاته من مصالح، ومن لا يؤمن بالتوكل لا يؤمن بأقدار الله تعالى، فيرى مثل هذا أن ما حل به من مصائب إنما هو من ظلم المجتمع له، وقد يدفعه هذا الاعتقاد إلى الوقوع في أشكال شتى من السلوك المنحرف، ثم انظر ما قد يلحق المجتمع من ضرر جراء مثل هذا السلوك، وقد يتفاقم الأمر، فتحل الجريمة، وتسود الرذيلة، فيفسد بناء المجتمع وتكوينه الحضاري.

فالتوكل قيمة أخلاقية حضارية رصينة تسهم في حفظ قيم المجتمع الأخلاقية وفضائله. [ ص: 192 ]

3- الصدق:

أشارت سورة العنكبوت إلى الصدق، وذمت نقيضه الكذب، فقال الله جل شأنه: ( فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) (الآية:3)، و ( وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون ) (الآية:12) و ( وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم ) (الآية:18) و ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه ) (الآية:68).

والصدق مطابقة القول للضمير والمخبر عنه معا، ومتى انخرم شرط من ذلك لم يكن صدقا تاما >[16] . وهو أيضا مطابقة الحكم للواقع >[17] . والصدق يكون في القـول حصـرا، ويـكون في الخـبر وفي الاستفهام، ويكون في الماضي أو الحاضر أو المستقبل أيضا، وعدا كان أو غيره >[18] .

والصدق من أنبل القيم السلوكية والأخلاقية وأرفعها، فهو مفتاح كل فضيلة، والكذب مفتاح الرذائل كلها، ولا يمكن تحقيق أية نقلة إيجابية في بنية المجتمع وعلى الأصعدة كافة ما لم يكن منهج المجتمع، أفرادا وجماعات، قائما على الصدق. وإن الكذب لينخر في بنية المجتمع وأسسه حتى لتفتقد الثقة في المعاملات، على الضد من الصدق، الذي تشيع على أساسه الثقة والتماسك [ ص: 193 ] الاجتماعي، ففي الصدق قوة للفرد وللمجتمع؛ وكما يسهم في تحقيق الاستقرار والاطمئنان في العلاقات الاجتماعية.

هذا كله أوجزه النبي بقوله: ( إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا ) >[19] . فالصدق فضيلة لا تكتفي بنفسها، بل تقود إلى غيرها من الفضائل، فإذا ساد الصدق ساد معه كثير من الفضائل، وعلى الضد من ذلك يفعل الكذب، فإنه يقود إلى غيره من الرذائل، ففي كلتا الحالتين يتباين النمط الحضاري استنادا إلى منظومة القيم، التي يقود إلى كل منها الصدق أو الكذب.

وعلى سبيل الاستطراد، فإن حاكما من الحكام إذا استهواه الكذب، وأحب أن يكال له المديح بما ليس فيه، قاد ذلك إلى أن يفشو الكذب، فينخر في بنية المجتمع، أما إذا كان ولي الأمر هذا كارها للكذب محبا للصدق، انعكس ذلك على مجمل بنية المجتمع والدولة وحركتهما في عملية البناء والرقي. [ ص: 194 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية