الاستفادة من الآخر في الإسلام - رؤية تأصيلية

الأستاذ الدكتور / فؤاد عبد الرحمن البنا

صفحة جزء
أولا: امتلاك الوعي بخارطة الثوابت والمتغيرات:

يمكن القول: إن أهم خصيصة من خصائص الإسلام هي جمعه العبقري بين الثبات والتغير، فهو ثابت في الأصول والمقاصد والكليات ومتغير في الفروع والوسائل والجزئيات، وبهذه المعادلة فإنه يستعصي على محاولات التغيير والتذويب والتتبيع، ويمتلك في ذات الوقت إمكانات التطور والديمومة والخلود.

وعليه، فإن كل من يمارس عملية الاقتباس والاستعارة لابد أن يكون على علم بخارطة الثوابت والمتغيرات، حتى يدرك ما يجوز استعارته وما لا يجوز، ويعرف ما يباح اقتباسه وما يمنع، ويكون على معرفة بالخطوط الفاصلة بين التفاعل الحضاري المشروع وبين الغزو الثقافي الممنوع.

وبفضل امتلاك الوعي بخارطة الثوابت والمتغيرات فإن الأمة، في مضمار التفاعل مع الآخر، ستكسب بلا شك ما يأتي:

[ ص: 163 ] 1- التفريق بين التفاعل الحضاري والغزو الثقافي:

إن عدم التفريق بين الثوابت والمتغيرات يدفع البعض للوقوع في أسر التبعية العمياء للثقافة الغربية وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا، كما هو حال عامة التيارات الليبرالية العلمانية في بلداننا اليوم والتي تفتح أبواب الاستعارة على مصاريعها على حساب ما هو معلوم من الدين بالضرورة، مما جعل مجتمعات إسلامية عديدة تدخل جحر الضب الغربي.

وفي الطرف الآخر يبرز من يقاومون عملية الاقتباس ويعطلون كل جهد للاسـتـفـادة من الآخـر مهما كانت هـذه الاستـفادة ضرورية وبناءة؛ بـحـجـة أنها تتبيع للمسلمين لصالح الغرب وتمكين للغزو الثقافي من تخريب حصون أصالتنا، كما هو حال كثير من التيارات السلفية، التي تعض بالنواجذ على الجزئيات والفروع والوسائل الموروثة عن السلف كأنها دين تعبدها الله به، وتقاوم كل محاولة للحوار مع الغرب والاستفادة من نقاط قوته الحضارية!

ورغم بعد الشقة بين التغريبيين والتراثيين إلا أنهم ينطلقون من ذات الخلفية، وهي -في رأيي- الجهل بحقيقة الإسلام، حيث تبرز الأمية الفكرية بأعراضها العديدة وعلى رأسها الخلط بين الثوابت والمتغيرات، مما جعل الليبراليين يجحدون الثوابت بحجة الاستفادة من الآخرين، بينما جمد التراثيون عند المتغيرات بحجة المحافظة على ثوابت الإسلام وحماية المسلمين من أعاصير الغزو الفكري، وبذلك فإن الجامدين يعطلون قيمة الحرية، ويهدر الجاحدون قيمة الوحدة، وبفقدان هاتين القيمتين تكون الأمة قد خسرت جناحي الإقلاع الحضاري!

[ ص: 164 ] وينبغي في سياق الاقتباس أن يدرك القائمون على هذه العملية أن الغرب ليس شيئا واحدا، وإنـما هو منظومة كبيرة ومعقدة تحضر فيها أبعـاد عـديـدة، منها البعدان الحضاري والاستعماري، حيث ينبغي التفريق الحاسم بين هذين البعدين، مع العمل الجاد والدائب من أجل مقاومة البعد الاستعماري بشقيه الثقافي والعسكري، وتحقيق التفاعل الحضاري بأعلى درجة من الوعي والكفاءة.

ويتعجب في هذا الإطار د. مراد هوفمان -وهو مفكر غربي اعتنق الإسلام- من استمرار النخب في المستعمرات السابقة في الافتتان بالحداثة الغربية كأنها لم تفقد مصداقيتها داخل الغرب بعد الحرب العالمية الثانية، وذكر أن بعض هؤلاء وصل افتتانهم بالغرب إلى حد أنهم أصبحوا غربيين أكثر من الغرب نفسه، وذكر أن من الصعوبة رؤية استعمار الأدمغة مستمرا بعد مرور خمسين عاما على إنهاء الاستعمار العسكري >[1] .

وختم كتابه: "خواء الذات والأدمغة المستعمرة" بالقول: "سوف تتمتع الدول الإسلامية بالحرية الحقيقية عندما يتمكن قادة الفكر لديها فقط من فك رقابهم من الانبهار غير القابل للنقد بكل شيء غربي، وأن يعودوا للاغتراف من المصـادر الـثـريـة للثـقـافـة الإسـلامـيـة الخـاصـة بـهـم، لـقـد حـان الـوقـت لفعل ذلك" >[2] .

[ ص: 165 ] ولكثرة الخلط بين الثوابت والمتغيرات فقد وجدنا صراعا لا يعرف الهدوء بين التغريبيين والتقليديين حول كل ما له صلة بالغرب، حيث يربط بعضهم كل شيء بالـغزو الفـكري لـدرجـة دفعت البعـض إلى إنكار أن يكون هناك ما يسمى بالغزو الفكري، ولسعة هذه الظاهرة فقد أولاها مفكر كبير بالدراسة وألف كتابا يشي عنوانه بحجم الخلاف بين الطرفين، وهو (الغزو الفكري.. وهم أم حقيقة) >[3] .

ولا شك أن الغزو الفكري حقيقة ماثلة للعيان وأن له مؤسساته ومناهجه وإمكاناته، ولكن ليس كل ما جاء من الغرب غزوا فكريا، وليس كل غربي من دعاة الغزو الثقافي أو العسكري.

ولكي يتم غلق الأبواب أمام الغزو الثقافي ينبغي معرفة أسبابه، وقد ذهب أحدهم إلى أن له أسبابا عديدة يمكن تلخيصها في:

العداء الصليبي المتوارث للإسلام، الاستعمار العسكري الذي احتاج إلى الغزو الفكري من أجل التمكين له بتذليل المسلمين، الضعف الفكري عند المسلمين والذي يفتح الأبواب للغزاة، التقدم العلمي الذي أصاب الغربيين بالغرور والذهاب إلى محاولة إخضاع الآخرين، تخلف الشعوب الإسلامية والذي مثل دور الحافز للغزو، وأخيرا الفراغ العقدي الذي أغرى الغرب بالتدخل ومحاولة ملئ الفراغ >[4] .

[ ص: 166 ] وعليه، فإن امتـلاك خـارطة الثـوابـت والمتغـيرات سينهي هذا الصراع بين التـغـريـبـيـين والـتـراثـيـيـن، مع ما في ذلك من نـقـل للـطاقـة والـوقـت والمـال من دوائر التآكل إلى ساحـات التـكامـل، وسيـؤدي إلى اقتباس كل ما هو نافع في مجال المتغيرات ولا سيما في الوسائل والآليات والأساليب، وتجنب كل ما يضر بـمـنـظـومـتـنـا الثقافية، ورفض كل ما يساهم في تعميق التبعية للغرب.

2- الجمع بين الأصالة والمعاصرة:

لا يزال الجاحدون من دعاة التغريب يتحججون بالمعاصرة في تبرير التغريب، الذي مكنوه من اجتياح كثير من الثوابت، مع أن الإسلام يدعو للحفاظ على هوية الأمة المتميزة بما في ذلك ما يتعلق بالمصطلحات، كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم (الـبـقرة:104) ، وفي المـقـابـل ما انفك التراثيون يتخندقون تحت راية الأصالة وهم يقفون أحجار عثرة أمام التفاعل الإيجابي الخلاق مع الغرب والذي سيمكن الأمة من اقتباس إيجابياته والتقاط نقاط قوته!

وبفهم معادلة الثوابت والمتغيرات ستنصب جهود الجميع على مقاومة كل دعوة أو فكرة تحاول النيل من قطعيات هذا الدين، وسيتعاون الكل من أجل [ ص: 167 ] تخليص المسلمين من آثار عهود التخلف والانحطاط عبر طرائق كثيرة، ولا شك أن إحداها هي الانفتاح الواعي على الغرب للاستفادة من خبراته في مجال الإقلاع الحضاري واقتباس منجزاته الضخمة في هذا المضمار، وهذا سيعين الأمة على الانغراس في قلب العصر مع المحافظة على هويتها الإسلامية المميزة والإبقاء على استقلالها الحضاري المعهود.

وبامتلاك أمة الإسلام لجناحي الأصالة والمعاصرة يمكنها استئناف الإقلاع الحضاري بعد آماد من الانحطاط، الذي جعل فاعلية الأمة شديدة الضعف إلى حد أفقدها كل تأثير وجعلها مضحكة للأمم!

ولا يمكن أن تتضح خارطة الثوابت والمتغيرات بجلاء ما دامت الأمة تعاني مما يمكن القول: إنه أمية فكرية كاملة تشبه ما أطلقه الله في حق بني إسرائيل عندما قال تعالى: ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون (البقرة:78) ، يعني أن من اليهود من يجهلون توراتهم ويجعلون منها -بأفهامهم المغلوطة- ركاما من الخرافات والأكاذيب وأكواما من الأماني والأحلام، التي لا تستقيم على سوق العقل وليس لها ظل من التحقيق، وهي ذات الأماني التي تمارسها مجاميع عريضة من المسلمين في التعامل مع القرآن الكريم اليوم؛ حيث ورثوا كثيرا من الإسرائيليات والفارسيات والهنديات، التي تسللت إلى كتب التفسير وأظهرت الإسلام كأنه يقبل الخرافة وينتمي إلى الفكر الجبري المتحلل من المسؤولية والـمتفلت عن الأخذ بالأسباب، مع توقع [ ص: 168 ] حدوث الخوارق في كل منعطف وانتظار الخلاص الذي سينبجس من بين صخور التحديات أو سيهبط من السماء ليقتل الأعداء ويجرف ركام العوائق بسيل "كن" الإلهية، التي ستقول للأمة كوني فتكون!

وزاد من حجم هذه المصيبة المدارس النظامية، التي عمقت المشكلة وعقدتها، يقول فهمي هويدي: "منذ تقلص دور الثقافة الإسلامية في حياتنا العقلية تقلص دور الدين في حياتنا العملية، وأصبح إحدى قسمات المجتمع ومرافقه -إن صح التعبير- وليس مرتكزا أو محورا له. أصبح الدين في مدارسنا المدنية درسا (حصة) مما يلقى على الطلاب في نهايات أيام الدراسة والكل بادي السأم والملل، وصار الدين في إعلامنا مجرد فقرة أو برنامج أو عمود يكتب من قبيل (تشكيل) الوجبة وتنويع المواد وسد الذرائع" >[5] .

وهذا يستوجب توسيع مساحات الوعي وإيقاظ كافة الطاقات العقلية في قراءة آيات الأنفس والآفاق، وإذكاء العمل الدائب من أجل أسلمة المعرفة، بحيث ينطلق الطالب من رؤية كلية واضحة تبرز فرضية تعلم العلوم كلها كواجب كفائي يجب أن تخصص الأمة في كل تخصص من يحقق لها حاجاتها فيه، مع إدراك الجميع لما هو معلوم من الدين بالضرورة، وربط كل التخصصات والمعارف بالإيمان بالله، وضم سائر المفردات إلى أصول هذا الدين [ ص: 169 ] وتسخيرها لخدمة الإنسان وتحقيق حاجاته ومتطلباته ذات الصلة بعمارة الأرض وتحقيق الخلافة لله في الحياة، بما في ذلك التمتع الكامل بالطيبات والاستمتاع الوافي بزينة الحياة الدنيا وفق التصور الإسلامي المعروف في القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية.

وهكذا، فإن امتلاك خارطة الثوابت والمتغيرات لابد أن يمنح المسلمين البصيرة القادرة على التفريق الواضح بين التفاعل الحضاري البناء وبين الغزو الثقافي الهدام، ويمنع تصادم أهل الأصالة والمعاصرة وتبديد طاقاتهم في ساحات الصراع والعراك، دافعا إياهم إلى التعاون بدلا من التباين، وإلى التضافر بدلا عن التنافر.

التالي السابق


الخدمات العلمية