القيم الحضارية في معارك النبي - شواهد تاريخية من غزوة خيبر

الأستاذ الدكتور / موفق سالم نوري

صفحة جزء
ثالثا: فتح خيبر

1- دوافع فتح خيبر:

لم تشر مصادرنا التاريخية أو غيرها إلى أية حالة عدائية بين المسلمين ويهود خيبر منذ هجرة المسلمين إلى المدينة وحتى عام (4هـ) وهو العام الذي انتقل فيه يهود بني النضير من المدينة إلى خيبر، كما لم يبادر يهود خيبر إلى تقديم أي دعم إلى يهود المدينة في صراعهم مع المسلمين، محافظين على حيادهم بين الطرفين >[1] .

بيد أن الموقف اختلف لاحقا، فانتقال بني النضير إلى خيبر غير قاعدة الحياد، ولا سيما أن الذين استوطنوا في خيبر كانوا من أشراف بني النضير وساداتهم مثل أبي رافع سـلام بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب >[2] ، وهم الذين كانوا قد حزبوا الأحزاب على النبي صلى الله عليه وسلم وحاكوا الخطط والمؤامرات على المسلمين في المدينة >[3] .

وكان خروجهم من المدينة منفيين بطريقة استعراضية تضمر نيات مستقبلية خبيثة "خرجوا يريدون خيبر يضربون بالدفوف ويزمرون بالمزامير، وعلى النساء المعصفرات وحلي الذهب مظهرين ذلك تجلدا" >[4] ، يوجهون للمسلمين رسالة مفادها أنهم لم تنكسر شوكتهم، وأنهم ما زالوا على قوتهم. فقد شوهد أبو رافع سلام بن أبي الحقيق في مسيرة الجلاء وهو يشير إلى مسك الجمل (جلد البعير) [ ص: 26 ] الذي فيه كنزهم وهو يقول: "هذا مما نعده لخفض الأرض ورفعها، فإن يكن النخل قد تركناها فإنا نقدم على نخل بخيبر" >[5] . ومع أنه بوسع القائل أن يقول: إنما قصد بخفض الأرض ورفعها: زراعتها وعمارتها، بقرينة أنه ذكر النخل، ولكن بوسعنا أيضا أن نقول: إنه يلوح بالتهديد، فالمال كفيل بشراء السلاح والحلفاء والاستعداد لحرب المسلمين انطلاقا من قاعدتهم الجديدة في خيبر، التي كانت محل ثقتهم بقوتها وحصانتها وشجاعة من فيها.

فلما حلوا بخيبر تغير حال أهلها من الحياد إلى المكر والخبث والخداع، الأمر الذي يتطلب معالجة حاسـمة لا تسـمح باسـتفحال خطرهم >[6] . فوجود يهود بني النضير خارج نفوذ دولة المسلمين يعطيهم القدرة على الحركة والمناورة في مناطق شـبه الجزيـرة العربيـة، التي لم تخضع للمسـلمين بعد، بما يمكنهم من رسـم الخطط والتـحالفات وحبكها لتطويق دولة المسـلمين في المدينـة، وتعريضـها للخطر الحقيقي >[7] .

وهذا التصور أثبته غير واحد من المستشرقين، فيقول "إميل درمنغهم": "فأصبحت خيبر مركزا لحوك الدسائس ضد الإسلام" >[8] .

ويقول "مونتغمري واط" عن بني النضير في خيبر: "كانوا يثيرون القلاقل، رغم أن ذلك كان بدون شك بتعقل، ويستخدمون ثراءهم لحث العرب المجاورين على حمل السلاح في وجه المسلمين، هذا هو السبب المباشر في هجوم محمد على [ ص: 27 ] خيبر" >[9] . وهكذا فلم يعد سرا ما كان يخطط له اليهود في خيبر، وغدت نياتهم واضحة وأمانيهم الضالة مكشوفة.

ومن هنا جاء الإجراء الأول بقتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق على يد المجموعة التي قادها عبد الله بن عتيك رضي الله عنه التي تمكنت من اختراق خيبر، ومن ثم الدخول على أبي رافع في بيته وقتله والانسحاب من دون أية خسائر، مع حرصهم على الالتزام بوصية النبي صلى الله عليه وسلم بعدم قتل النساء مهما كانت الظروف >[10] .

وبقي النبي صلى الله عليه وسلم يراقب الوضع في خيبر، فأرسل مجموعة أخرى من ثلاثة أشـخاص في مهمة اسـتطلاعية وليست قتالية، قاد المجموعـة الصـغيرة عبد الله ابن رواحة رضي الله عنه وبقي هؤلاء في خيبر ثلاثة أيام يتنقلون بسرية بين بساتينها يتسمعون ما يدور بين الناس من أحاديث >[11] . وقد تبين أن اليهود نصبوا عليهم زعيما جديدا هو أسير بن رزام المعروف بشجاعته وبسالته، كما تبين أن أسير راح يخطط لجمع الحلفاء حوله بغية مهاجمة المدينة، فذلك أفضل من القعود وانتظار خطر المسـلمين المحدق بهم، وقد وافق رهطه من يـهود خيـبر على خـططه >[12] . ثم جاءت المعلومات من مصادر أخرى أن أسير بدأ فعلا يعد العدة ويجمع الحشود للتوجه إلى المدينة ومباغتتها بهجوم مفاجئ، لهذا قرر النبي صلى الله عليه وسلم إرسال قوة قتالية من ثلاثين شخصا يقودهم عبد الله بن رواحة رضي الله عنه أيضا نجحوا في استدراج [ ص: 28 ] أسير بن رزام إلى منطقة مناسبة، تم فيها قتله ومن كان معه >[13] .

كل هذه المعطيات أقنعت النبي صلى الله عليه وسلم أن بقاء خيبر منفلتة من دون إخضاعها لسلطان المسلمين يشكل خطرا حقيقيا على أمن دولتهم واستقرارها، وعوضا عن اتخاذ موقف انتظار الهجوم للدفاع عن النفس كان لا بد من اتخاذ الأسلوب الأكثر إيجابية وفاعلية وهو الهجوم الاستباقي على العدو في عقر داره، وإجهاض خططه العدائيـة.. وهكذا أصـبحت الظروف مواتـية جـدا، بعد عقـد صلح الحديبية وتحييد قريش عن المشاركة في أي تحالف معادي للمسلمين. كما تم تحييد عدد من القبائل، التي دخلت في حلف مع قريش أو مع المسلمين في هذه المدة بحكم الهدنة، التي نص عليها صلح الحديبية، مما أتاح أفضل الظروف للتقدم نحو خيبر، لا سيما أن الله تعالى أوحى إلى نبيه يبشره بفتح قريب، فقال الله تعالى: لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما (الفتح:18-19).

التالي السابق


الخدمات العلمية