صفحة جزء
147 - مسألة : وكل ماء خالطه شيء طاهر مباح فظهر فيه لونه وريحه وطعمه إلا أنه لم يزل عنه اسم الماء ، فالوضوء به جائز والغسل به للجنابة جائز .

برهان ذلك قوله تعالى : { فلم تجدوا ماء } وهذا ماء ، سواء كان الواقع فيه مسكا أو عسلا أو زعفرانا أو غير ذلك .

حدثنا حمام ثنا ابن مفرج ثنا ابن الأعرابي ثنا الدبري ثنا عبد الرزاق ثنا ابن جريج أخبرني عطاء بن أبي رباح عن أم هانئ بنت أبي طالب أنها قالت : { دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وهو في قبة له ، فوجدته قد اغتسل بماء كان في صحفة ، إني لأرى فيها أثر العجين ، فوجدته يصلي الضحى } .

وبه إلى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أم هانئ قالت { نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بأعلى مكة فأتيته بماء في جفنة إني لأرى أثر العجين فيها ، فستره أبو ذر فاغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ستر عليه السلام أبا ذر فاغتسل ، ثم صلى ثماني ركعات وذلك في الضحى } .

حدثنا يونس بن عبد الله ثنا أبو عيسى بن أبي عيسى ثنا أحمد بن خالد ثنا ابن وضاح ثنا أبو بكر بن أبي شيبة عن زيد بن الحباب العكلي عن إبراهيم بن نافع عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم هانئ { أن ميمونة أم المؤمنين ورسول الله صلى الله عليه وسلم اغتسلا من قصعة فيها أثر العجين } .

قال علي : وهذا قول ثابت عن ابن مسعود قال : إذا غسل الجنب رأسه بالخطمي أجزأه ، وكذلك نصا عن ابن عباس .

وروي أيضا هذا عن علي بن أبي طالب ، وثبت عن سعيد بن المسيب وابن جريج وعن صواحب النبي صلى الله عليه وسلم من نساء الأنصار والتابعات منهن : أن المرأة الجنب [ ص: 194 ] والحائض إذا امتشطت بحناء رقيق أن ذلك يجزئها من غسل رأسها للحيضة والجنابة ولا تعيد غسله ، وثبت عن إبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وسعيد بن جبير أنهم قالوا في الجنب : يغسل رأسه بالسدر والخطمي : إنه يجزئه ذلك من غسل رأسه للجنابة .

وقولنا في هذا هو قول أبي حنيفة والشافعي وداود .

وروي عن مالك نحو هذا أيضا . وروى سحنون عن ابن القاسم أنه سأل مالكا عن الغدير ترده المواشي فتبول فيه وتبعر حتى يتغير لون الماء وريحه : أيتوضأ منه للصلاة ؟ قال مالك : أكرهه ولا أحرمه ، كان ابن عمر يقول : إني لأحب أن أجعل بيني وبين الحرام سترة من الحلال .

والذي عليه أصحابه بخلاف هذا ، وهو أنه روي عنه في الماء يبل فيه الخبز أو يقع فيه الدهن : أنه لا يجوز الوضوء به وكذلك الماء ينقع فيه الجلد ، وهذا خطأ من القول ، لأنه لا دليل عليه من قرآن ولا من سنة ولا إجماع ولا قول صاحب ولا قياس ، بل خالفوا فيه ثلاثة من الصحابة رضي الله عنهم لا يعرف لهم منهم مخالف ، وخالفوا فيه فقهاء المدينة كما ذكرنا ، وما نعلمهم احتجوا بأكثر من أن قالوا : ليس هو ماء مطلقا .

قال أبو محمد : وهذا خطأ ، بل هو ماء مطلق وإن كان فيه شيء آخر ، ولا فرق بين ذلك الذي فيه وبين حجر يكون فيه ، وهم يجيزون الوضوء بالماء الذي تغير من طين موضعه ، وهذا تناقض .

ومن العجب أنهم لم يجعلوا حكم الماء للماء الذي مازجه شيء طاهر لم يزل عنه اسم الماء ، وجعلوا للفضة المخلوطة بالنحاس - خلطا يغيرها - حكم الفضة المحصنة ، وكذلك في الذهب الممزوج فجعلوه كالذهب الصرف في الزكاة والصرف ، وهذا هو الخطأ وعكس الحقائق ، لأنهم أوجبوا الزكاة في الصفر الممازج للفضة ، وهذا باطل وأباحوا صرف فضة وصفر بمثل وزن الجميع من فضة محضة ، وهذا هو الربا بعينه وأما الوضوء بماء قد مازجه شيء طاهر فإنما يتوضأ ويغتسل بالماء ، ولا يضره مرور شيء طاهر على أعضائه مع الماء . [ ص: 195 ]

وقال بعضهم : هو كماء الورد . قال أبو محمد وهذا باطل ، لأن ماء الورد ليس ماء أصلا ، وهذا ماء وشيء آخر معه فقط .

التالي السابق


الخدمات العلمية